«الرَّأْسِ ... مِنْهُ كُلُّ
الْجَسَدِ بِمَفَاصِلَ وَرُبُطٍ، مُتَوَازِرًا وَمُقْتَرِنًا يَنْمُو نُمُوًّا
مِنَ اللهِ»
(كو 2: 19)
«الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ
مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل،
حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ،
يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ»
(أف 4: 16)
ورد الحديث عن المَفَاصِل بالارتباط بجسد المسيح، مرّتَين
في العهد الجديد؛ الأولى في أفسس 4: 16، والثانية في كولوسي 2: 19. ورسالتا
أفسس وكولوسي هما الرّسالتان اللّتان تتحدّثان عن الكنيسة باعتبارها جسد المسيح،
والمسيح هو رأس الجسد. وما أروع هذه العلاقة الّتي تربط المسيح بكنيسته، وتربط
المؤمنين بعضهم ببعض، كأعضاء الجسد الواحد.
إن
قصد المسيح لجسده هو أن ينمو نموًّا صحيحًا، لذا فهو باستمرار «يَقُوتُهُ
وَيُرَبِّيهِ» (أف 5: 29). فهو العامل على إنماء جسده. وهو أيضًا غرض النّموّ،
بمعنى أن نموّ المؤمنين هو أن يصبحوا - أدبيًّا - أكثر مُشابهةً للرّبّ يسوع
المسيح، وأن يزداد ظهور حياة المسيح فيهم يومًا فيومًا، كما يقول الكتاب: «بَلْ
صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ
الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ» (أف 4: 15). ويومًا وذا قريب، سوف ننتهي جميعًا «إِلَى
إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ» (أف 4: 14).
ورغم
التّنوّع الكبير بين أعضاء الجسد، إلّا أنّهم في مجملهم يكونون معًا صورة جميله
للمسيح كقول الكتاب: «لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ
أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ
كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا» (1كو12: 12). وأيضًا:
«الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا
فِي الرَّبِّ» (أف 2: 21).
وألّا نحتاج - كأفراد وجماعات - أن نُذكّر أنفسنا، وبعضنا
البعض، بهذه الحقائق الجوهريّة والأساسيّة؟!
وألّا تُرشدنا كلمة الله، إذا توقّفنا لنسأل، عن ماهيّة
النّموّ الرّوحيّ للفرد وللجماعة؟
المسيح يستطيع أن يُغني جسده، وهو المسؤول عن نموّه،
ومسؤوليّتنا ألّا نتّخذ لنا أغراضًا أخرى دونه، وألّا نتّكل على آخر سواه، أو حتّى
معه.
إنّها مأساة حقيقيّة عندما لا يكون جسد المسيح ينمو بحسب
ما قصده له الرّبّ! وإنّها لمأساة أكبر عندما يُستبدل المسيح بأغراض أخرى،
وتُستبدل كفاية المسيح لجسده بأمور وأشخاص آخرين!
ليتنا نرجع ونُسلِّم بما قاله لنا السَيِّد: «أَنَا
الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا
يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا
شَيْئًا» (يو 15: 5).
لكن هناك وسيلة أخرى لنموّ الجسد قد وضعها الرّبّ في
الجسد نفسه، إذ أعطى لكلّ عضو فيه عمله، ومتى قام كلّ عضو بعمله كانت النّتيجة هي
نموٌّ لكلّ الجسد. وهذا ما تحدّثُنَا عنه الآيتان المذكورتان في صدر المقال، وهو
عين ما يؤكّده الكتاب في مواضع أخرى منها (رومية 12: 4، 5): «فَإِنَّهُ
كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ
الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ
فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ».
إنّ
كلّ عضو في جسد المسيح له عمله الخاص، وله أيضًا هدف، والهدف هو نموّ كلّ الجسد،
لاحظ لا يقلّ "يُحصّل نموّ العضو"، لكن «يُحصِّل نموّ الجسد» (أف 4:
16). والكلمة في بعض التّرجمات تعني "نموًّا ذاتيًّا"، أي أنّ الجسد
ينمو ليس فقط مستفيدًا ممّا يرد إليه من خارجه من عوامل النّموّ، أي ممّا يزوّد به
المسيح كنيسته، إذ أنّه هو بذاته وبروحه يهتمّان بها، لكن أيضًا مستثمرًا ما وضعه
الرّبّ فيه من إمكانيّات، وهي وظائف أعضاء الجسد. ومتّى كان العضوّ مؤدّيًا لعمله
الخاص به، هادفًا لنموّ كلّ الجسد، فإنّه حتمًا سيستمرّ هو ناميًا كما قصد له الرّبّ.
لكنّي
أريد أن أتوقّف قليلًا عند أحد أعضاء الجسد وهي "المَفَاصِل والَرُبُط":
المَفَاصِل
هي تلك الأعضاء المسؤولة عن الرّبُط بين العظام والغضاريف. والرُبُطْ تربط بين
الأعضاء وبعضها البعض.
للمَفَاصِل
أهمّيّتها الخاصّة، فلولاها لكان جسم الإنسان كتلة واحدة غير قابلة للحركة، لذلك
ففي التّصميم الإلهيّ البديع لأجسادنا، يحتوي جسم الإنسان على 206 عَظْمَة، ويحتوي
على 360 مَفصلًا!
أَتَصوَّر
العظام وكأنّها أعضاء في الجسد لديها قدرة على الحركة، لكن تحتاج إلى من يربطها
معًا، ويوصلها بعضها ببعض لتنشأ حركة ناقلة لجزء من الجسد، أو للجسد كلّه.
وهكذا
فإنّه يوجد أعضاء في جسد المسيح يعملون لكي تكون باقي الأعضاء "معًا" في
شركة حقيقيّة بنّاءة، وفي تواصل مثمر، وفي وحدة لا انقسامات، متمّمين قول الرّبّ
«مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ»
(أف 4: 3).
هؤلاء
الّذين يقاومون الشّقاقات، ويقرّبون ما بين المؤمنين، ويسعَون للفكر الواحد والقلب
الواحد والرّأيّ الواحد والحسّ الرّوحيّ الواحد، إنّما هم يجتهدون لحفظ وحدانيّة
الرّوح.
وممّا
هو جدير بالذِّكر هنا، أنّ الكتاب يحدّثنا عن ثلاثة أبعاد لوحدة المؤمنين في جسد
المسيح وهي وحدة الجسد، ووحدانيّة الرّوح، ووحدانيّة الإيمان.
"وحدة
الجسد" وهي أنّ كلّ المؤمنين الحقيقيّين، على كلّ
اختلافاتهم، هم "واحد في المسيح"، وهو ما طلب الربّ لأجله مرّتين في (يوحنا
17) «لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ ... لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا
نَحْنُ وَاحِدٌ» (يو 17: 11، 22). وهذه الوحدة صنعها، ويحفظها الرّوح القدس. وحتّى
ولو لم تعد منظورة بسبب انتشار الجسد في كلّ العالم، وبسبب انقسامات لا حصر لها حَدَثَت
فيه، إلّا أنّها لم تتأثّر في نظر الله، وقريبًا ستبدو جليّة على السّحاب عند مجيء
الرّبّ لأجل قدّيسيه.
أمّا
"وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ" (أف 4: 3)، فهي أن يكون المؤمنين لهم
فكر واحد ورأي واحد، وهذه أيضًا يصنعها الرّوح القدس، لذا تُسمّى
"وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ". لكن علينا إزائها أمر وهو أن نحفظها. وهذه
قد تعني أيضًا "الوحدانيّة الرّوحيّة"، أي أنّها ليست مادّيّة تنظيميّة،
إنّما هي وحدة في الرّوح. وكما أنّ الجسد الواحد يسكنه روح واحد، هكذا جسد المسيح
يسكنه روح المسيح الواحد، ويجب أن يكون لأعضائه ذات الرّوح الواحد في مختلف
الأمور، وهذا هو الجانب الّذي يحتاج منّا إلى اجتهاد.
أمّا
"وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ" (أف 4: 13)، فقد تعني وحدانيّة
الفهم والإدراك الرّوحيّ. وقد تعني أيضًا وحدانيّة الغرض النّهائيّ، وغاية
الإيمان، وهي تلك الّتي سننتهي إليها، عندما نتغيّر جميعًا لنكون على نفس الصّورة،
صورة جسد المسيح.
الوحدة
الّتي يجب أن نجتهد لأجلها الآن هي الوحدة الرّوحيّة وليست الوحدة التّنظيميّة،
وحدة الكيان وليس اندماجًا شكليًّا. وهذا ما يتوجّب أن نكون «صَادِقِينَ فِي
الْمَحَبَّةِ» (أف 4: 15). والكلمة تعني "متمسّكين بالحقّ في محبّة".
وعندئذٍ سننمو في كلّ شيء. أليس هذا هو غرضنا أن «نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ
إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ» (أف 4: 15). وهذه هي
الوسيلة: «صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ».
قد
نختلف في فهمنا أو تطبيقنا لبعض الأمور، وطالما كانت هذه الأمور ثانويّة، فعلينا
أن نستمرّ في البحث والفهم، نطبّق ما تعلّمناه وأيقنّاه، ودائمًا نقبل الّذي يختلف
عنّا كعضو في جسد المسيح، حتّى وإن لم نتّفق في ممارسة ما أو تطبيق، ولا نستريح
لأن نشترك فيها.
قد
لا تصادق على مبادئ أو ممارسات معيّنة، وهذا موقف صحيح، لأنّ ليس كلّ ما يفعله
جميع المؤمنين هو بحسب فكر الله المعلن في الكتاب، وهذا أيضًا موقف صحّيّ ونافع
لكلّ جسد المسيح، إذ يُدرّبه باستمرار على الاتّضاع، وطلب رأي الرّبّ وفكره، والتّدريب
في الحقّ والتّمييز، ومن ثَّم رفض كلّ ما ليس بحسب فكر المسيح لكنيسته. والنّتيجة
بلا شكّ ستكون بنيانًا صحيحًا للجسد. لكن لنلاحظ أنفسنا دائمًا من جهة المحبّة لكلّ
أولاد الله، لسبب بسيط أنّهم أولاد الله، لهم ذات الآب «وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ
الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا» (1يو5: 1). ولنحترص أن تكون
المحبّة بالعمل والحقّ (1يو3: 18).
أعود
لمواصلة الحديث عن المَفَاصِل والرُبُط:
أتصوّر
العظام وكأنّها أعضاء في جسد المسيح، بُنِيَت على الإيمان الأقدس، لديها هيكل قويّ
من التّعاليم الصّحيحة، ولكنها تحتاج إلى مفاصل ليتحوّل التّعليم إلى ممارسة
صحيحة، ولحمل هذا الهيكل كي تُوجِده في المكان الصّحيح، مؤدّيًا الحركات الصّحيحة،
في الوقت الصّحيح.
وأتصوّر
العظام وكأنّها أعضاء في جسد المسيح لديها قوّة لعمل أمور نافعة لكلّ الجسد، لكنّها
تحتاج إلى مفاصل تُقدّمها للجسد، وتُوجِد لها المجال لتعمل وتخدم بما أعطاه الربّ
لها.
كم
من مؤمن لديه مالًا يريد أن يُكرّسه لعمل الربّ، ولكن قد لا يعلم كيف ويحتاج إلى
"مِفصَلْ" يُوّصله بمَن لديهم الاحتياج.
قام
بطرس بهذا الدّور، دور المِفصَل، عندما استخدمه الرّبّ لدمج الأمم في الكنيسة (أع 10،
11). وقامت الكنيسة كلّها بهذا الدّور عندما وقفت ضدّ التّمييز بين اليهود والأمم
في كنيسة الله (أع 15).
وهناك
مثال آخر رائع في (أعمال 9)، إذ نقرأ عن شاول بعد تغييره أنه: «حَاوَلَ أَنْ
يَلْتَصِقَ بِالتَّلاَمِيذِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ
أَنَّهُ تِلْمِيذٌ». لكن مَن الّذي ساعده حتّى يتمّ هذا الالتصاق؟ أخٌ قام بدور
المِفصَل، حتّى يأخذ شاول مكانه وسط الجسد، مُنسجمًا مع باقي الأعضاء، وهو الأخ
بَرْنَابَا «فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ
كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ
فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ. فَكَانَ مَعَهُمْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فِي
أُورُشَلِيمَ وَيُجَاهِرُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ» (أع 9: 26-28). وما فعله
بَرْنَابَا عاد بالنّفع على كلّ الكنيسة، في كلّ زمان ومكان!
قد
تظهر الفجوات في كنيسة الله بين الشّيوخ والشّباب، أو بين الأغنياء والفقراء، أو
العاملين في مجالات الخدمة وبين باقي الكنيسة، فيتقدّم أشخاص ليكونوا بمثابة جسور
تربط بين كلّ هؤلاء.
حتّى
إن اختلفت الآراء في بعض الأمور، هذه ليست مدعاة أو مبرّرًا لصنع فجوات أو
توسيعها. وحسنًا قال أحد رجال الله، وهو يعبّر عن الموقف الصّحيح الّذي يجب أن نتّخذه
حال الاختلاف في بعض الأفكار، قال: "الوحدة في الأشياء الجوهريّة، الحرّيّة
في المسائل الثّانويّة، والمحبّة في كلّ الأمور".
المَفَاصِل
ليست ظاهرة مثل أعضاء أخرى في الجسد، لكنّ الطّبيعة تُعلّمنا أنّها لازمة، وأقلّ
خلل بها إنّما يُؤلم الجسد ويعوقه عن الحركة.
لقد
مدح العريس العروس في سفر النّشيد قائلًا: «مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ
بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ (مَفَاصِل
فَخْذَيْكِ) مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ» (نش 7: 1).
إنّها
تتحرّك في رشاقة وانسيابيّة، لأنّ مفاصل حقويها مثل الجواهر والعريس يراها ويفرح
بذلك ويمتدحه!
هذا
ما يريده الرّبّ لجسده، حركة ونشاط لا خمول ونوم، سلوك وسعي في الطّريق، لا مجرّد
كلمات أو مراقبة الآخرين أو حتّى إعجاب بمن ينجزون المهام ويحاربون في الميدان،
والرّبّ أمدّ الجسد بمفاصل لتسهّل هذه الحركة.
هل
يريد الرّبّ من أيّ منّا أن يعمل عمل المِفصَل؟! ليتنا نعرف العمل ونميّز أدوارنا
في جسد المسيح، ولا نحتقر أيّ عملٍ مهما كان بسيطًا «بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ
الْجَسَدِ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ» (1كو12: 22).
عماد
ثروت