عدد رقم 3 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الْقَادِرُ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ!  

«ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ» (إش40: 26).

يمتلئ الكتاب المقدّس بالآيات عن الله القادر وعن قدْرَتِه اللّانهائيّة بجانب محدوديّة وهشاشة الإنسان المخلوق. لا بدّ لنا أن نعرف ولو الشّيء اليسير عن قدرة الله «الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».

والكتاب لا يبخل علينا بمثل هذه الأمور الّتي يحكي لنا فيها عن قدرة الله. فيحكي لنا عن قدرته في الخلق، ويحكي لنا عن قدرته في العناية بخليقته، وأيضًا أنّه لا يتعب ولا يكلّ إطلاقًا.

(1)      قدرته على الخلق: انظر أوّل آية الكتاب المقدّس «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تك1: 1) وعلينا أن نفكّر فيما تعنيه "السّماوات"، وما تشمله "الأرض".

فالسّماوات مخلوقة، ويخبرنا الكتاب أنّهما سماءان: السّماء الأولى هي "سماء الطّيور" الّتي فوقنا مباشرة، والّتي تطير فيها الطّيور والطّائرات. ثمّ السّماء الثّانية، "سماء الفلك" وما تحويه من مجرّات. والمجرّات تحتوي على نجوم وشموس وكواكب. أمّا السّماء الثّالثة وهي مستقرّ أرواح القدّيسين الّذين يرقدون فهي "الفردوس" (2كو12: 2، 4)، وهي ليست ضمن السّماوات المخلوقة.

كلّ هذه تكوّنت وأُتْقِنَت بكلمة فقط: «قَالَ الله». فهو لم يكن محتاجًا لشيء أكثر من هذا. «لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ» (مز33: 9). لم يكن محتاجًا إلى مواد يخلق منها ما يريد، بل مكتوب: «يَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ» (رو4: 17). لقد أوجد من العدم كلّ شيء.

ولو تأمّلنا فقط في السّماء الثّانية، سماء الفَلَكْ والنّجوم والكواكب، لوجدنا أنّ عقولنا المحدودة لا تقدر أن تستوعب ما تعنيه وما تشمله هذه السّماء.

فالشّمس مثلًا نجم غازيّ يرسل أشعّته وحرارته بالقَدَر المناسب، وبدون توقّف تصل إلى كوكب الأرض خلال 8 دقائق فقط. ويُقدّر علماء الفَلَك وجود حوالي 100 إلى 400 مليون نجم آخر في مجرّتنا.

أمّا عن الأرض فهي جزء من مجرّة كبيرة، ومجرّتنا هذه - الّتي تشمل كوكب الأرض - تدور حول نفسها بسرعة رهيبة تقدّر بـ 784.000 كيلومتر في السّاعة[1] ويلزم لمجرّتنا لكي تدور حول نفسها مرّة واحدة 200 مليون سنة، ويوجد هناك أكثر من مليون مجرّة شبيهة بمجرّتنا، وأنّ عدد النّجوم الّتي نراها في السّماء يساوي عدد حبّات الرّمل على كلّ الشّواطئ في العالم، ومع ذلك يسير هذا العدد اللّانهائيّ بنظام ودقّة متناهيَيْن. لأنّه يوجد إله قدير مكتوب عنه: «وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ» (كو1: 17). ولا بدّ أن نعرف قدرته وقوّته إذ عمل كلّ هذه الخليقة بسهولة وبلا أي مجهود أو تعب، فهذا العمل لم يكلّف الله إلّا كلمة فقط. ومكتوب أيضًا: «أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا» (إش40: 28).

(2)      قدرته على القيامة من الأموات: فيخبرنا الكتاب المقدّس في رسالة أفسس عن «عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ» (أف1: 19، 20).

لاحظ - قارئي العزيز - التّعبير «شِدَّةِ قُوَّتِهِ»، فلم يتمّ إنعاش المسيح، بل أُقيم من الأموات بجسد مجيد لا يموت، وخرج من القبر بقوّة إلهيّة رغمًا عن الحجر والأختام والحرّاس. ونحن المؤمنين بالربّ يسوع تجري فينا هذه القوّة والقدرة، فنحن لم نكن إلّا "أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا"، لكن شكرًا للربّ فإنّ قَدْرَتُه اللّانهائيّة أقامَتْنَا من قبور خطايا ومَنَحَتْنَا حياة أبديّة ... هلّلويا ... والكلام عن قدرته، سوف يقابلك كلّما قرأت الكتاب المقدّس، سواء العهد القديم أو الجديد.

(3)      قدرته على شفاء الأمراض الرّوحيّة والجسديّة: مهما كانت، ومهما طال زمنها، وأيًا كان نوعها؛ ماذا نقول عن مريض ماكث على فراشه ثمان وثلاثين سنة، ومريضة تنزف لمدّة اثنتي عشرة سنة، وأبرص نجس، ومنحنية لمدّة ثماني عشرة سنة، ثمّ مجنون كورة الجدريّين، وميّت له في القبر 4 أيّام وباعتراف أخته مرثا: «قَدْ أَنْتَنَ»!

يقدر أن يشفي من أبشع وأخطر مرض؛ مرض الخطيّة، أ لَمْ يشفِ شاول الطّرسوسيّ المضطهِد؟ وأيضًا زكّا المحبّ للمال، والسّامريّة من حياتها النّجسة، بطرس المُحبّ لذاته؟ وغيرهم كثيرين من المرضى ... وما زال يقدر أن يشفي أيّ مريض يأتي إليه بإيمان.

اسمع القول المبارك: «وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ» (أع4: 12)، «اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (مت1: 21).

والكتاب المقدّس يخبرنا للطّمأنينة أنّه: «يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ» (عب7: 25)، وهو - تبارك اسمه - قادر أن يرثي لضعفاتنا ويُقدِّم المعونة «لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (عب4: 15). وهو أيضًا «الْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ» (يه24).

ولكن نرى شيئًا عجيبًا أن هذا القادر على كل شيء نسمع عنه أنه «لا يَقْدِرُ » في هذه الأمور الثلاثة:

أوّلًا:     لا يقدر أن يكذب: لأنّه «اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ» (تي1: 2). نعم لا يقدر أن يكذب لأنّ هذا لا يتوافق مع طبيعته؛ فهو «الأَمِينُ الصَّادِقُ» (رؤ3: 14)، وكما يقول كاتب الرّسالة إلى العبرانيّين: «فَلِذلِكَ إِذْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُظْهِرَ أَكْثَرَ كَثِيرًا لِوَرَثَةِ الْمَوْعِدِ عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ، تَوَسَّطَ بِقَسَمٍ، حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا» (عب6: 17، 18). بل الربّ نهانا نحن خليقته عن الكذب مُطلَقًا. فكلّ وعد قَطَعَهُ الربُّ هو صادق. من فضلك أمسك به فهو صادق في كلّ وعوده، ولا بدّ أن يتمّمها مهما كانت الظّروف والأحوال المحيطة بنا.

ثانيًا:   لا يقدر أن ينكر نفسه: «إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ» (2تي 13:2)، فهذا أيضًا لا يتوافق مع طبيعته.

فهو الأمين الوحيد في كلّ الكتاب المقدّس، وعلينا أن نتعلَّم الأمانة منه والصّدق في كلّ شيء. وهكذا وصفه موسى: «إِلهُ أَمَانَةٍ لاَ جَوْرَ فِيهِ. صِدِّيقٌ وَعَادِلٌ هُوَ» (تث32: 4). وفي افتتاحيّة سفر الرّؤيا يكلّمنا عنه باعتباره «يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ» (رؤ1: 5). فهو أمين في وعوده. يقول النّبيّ العرَّاف بلعام عنه: «لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟» (عد 19:23). أمانته مُطلَقة وعظيمة «لَيْسَ مِثْلَ اللهِ يَا يَشُورُونُ. يَرْكَبُ السَّمَاءَ فِي مَعُونَتِكَ، وَالْغَمَامَ فِي عَظَمَتِهِ» (تث33: 26). ثق فيه -عزيزي القارئ - فعندما يقول: «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (مت28: 20)، فهو صادق.

ثالثًا:   لا يقدر أن يجرَّب بالشّرور: «لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا» (يع1: 13).

لا يمكن للربّ أن يُجرِّب بالشّرور، لكنّه قد يسمح للمؤمن أن يجتاز تجربة أليمة لخيره ولنموّ إيمانه (إبراهيم - تكوين 22)، أو ليثبِّت لك قدرته الإلهيّة ومجده الإلهيّ في حلّها (إقامة لعازر - يوحنا 11)، أو لتنقية الإنسان من خطيّة معيّنة (أرملة صرفة صيدا - 1ملوك 17) ... إلخ. وإن سمَحَ لنا أن نجتاز في أيّ تجربة يُطَمْئِن قلوبنا بالقول: «لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (1كو10: 13). شكرًا للربّ.

رابعًا:   لا يقدر أن يتأخّر في مواعيده: «أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ» (إش60: 22). طالما سمعت منه أيّ وعد، فثق أنّه لن يتباطأ في تحقيقه. ولا تتعجّل، فالله له حساباته وتوقيتاته الخاصّة، بل يُسرّ أن يلبّي طلبات واحتياجات خِرَافِه الغالية على قلبه «إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَتَأَخَّرُ» (حب2: 3).

قارئي العزيز: في الختام أرجو أن تكون تعرّفت على «اللهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (تك48: 3)، فنهتف مع أيّوب في ختام قصّته: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ» (أي42: 2). ثق فيه أنّه يقدر أن يخلِّصك ويُقيمك من حالة الخطيّة والموت، ويضمن لك الحياة الأبديّة، ثقّ فيه أنّه إله صادق وأمين في أعماله وأقواله، ثقّ فيه أنّه سائر معك الرّحلة من بدايتها حتّى نهايته، لا يتخلّى عنك أبدًا فهو «مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ» (أم16: 24). تأكّد أنّه لا يمكن أن يكذب في أيّ وعد، وحتّى لو كنّا غير أمناء معه فهو يظلّ أمينًا. واطمئنُّ من جهته، فهو إله عظيم. تعال إليه «تَعَرَّفْ بِهِ وَاسْلَمْ. بِذلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ» (أي22: 21)، أي تعيش في سلام.

صفوت نظير


[1] المرجع: "الكتاب المقدّس - التفسير التطبيقي" في شرح الأصحاح الأوّل من سفر التّكوين.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com