(2مل5)
(2)
(تابع ما قبله)
طريق التّواضع:
من الواضح أنّ أليشع كان على
اتّصال بشؤون البلاط الملكيّ، وسمع عن ردّ فعل ملك إسرائيل. ربّما كان هذا الأخير منزعجًا من الموقف الّذي كان فيه، لكن
أليشع لم يكن ليُضيّع فرصة الشّهادة لرجل أمميّ وثنيّ. وقد تمّ التّعبير عن ثقته بإلهه، لأنّه: «لَمَّا سَمِعَ أَلِيشَعُ رَجُلُ اللهِ أَنَّ مَلِكَ
إِسْرَائِيلَ قَدْ مَزَّقَ ثِيَابَهُ، أَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ يَقُولُ: لِمَاذَا مَزَّقْتَ ثِيَابَكَ؟ لِيَأْتِ إِلَيَّ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ يُوجَدُ نَبِيٌّ فِي
إِسْرَائِيلَ» (ع8).
كان نُعْمَانُ على وشك الشّروع في مسار من
شأنه أن يجرّده من كلّ ثقة في النّفس.
أوّلاً: بعد ذكر أوراق اعتماد نُعْمَان الجديرة بالملاحظة، يسجّل
المؤرخ أنّه «وَكَانَ (ولكن) الرَّجُلُ ... أَبْرَصَ» (ع1).
كتب "بول جريف": "تجدر الإشارة إلى أن ما
يسمّى بالبرص (الجذام) في الكتاب المقدّس، يختلف عن
المرض الّذي يُطْلَقُ عليه هذا الاسم في الطبّ الحديث؛ ويبدو أنّ الجذام في الكتاب
المقدّس كان معديًا للغاية، في حين أنّ ما يُعرفُ اليوم باسم الجذام (Hansen's disease)، ليس بهذه الدّرجة من الخطورة. والتّشوّهات لا تظهر في وصف المرض في الكتاب المقدّس، في
حين أنّ هذه سمة بارزة من سمات الجذام الحديث. ويبدو أن هناك إجماعًا بين الشّرّاح على أنّ الحالات
الموصوفة في لاويين 13
تُشير إلى مجموعة متنوّعة من الأمراض
الجلديّة بما في ذلك الصدفيّة والبُهاق. وأيًّا كان
شكل الجذام الّذي كان لدى نُعْمَان، فقد كان من الخطير بما فيه الكفاية بالنّسبة
له، لكي يبذل قصارى جهده للعثور على علاج.
ثانيًا: على الرّغم من أن نُعْمَان
كان رجلًا ذا صيت طيّب وشهرة عالية في آرام، إلّا أنّه كان عليه أن
يتواضع ويستمع إلى كلمات فتاة جارية يهوديّة متواضعة (ع4).
وممّا يُحسَبُ له أنّه لم يستمع إليها
فحسب، بل تصرّف أيضًا بناءً على نصيحتها فيما يتعلّق بشفائه.
ثالثًا: كان على
نُعْمَان أن يبتعد عن القصر الملكيّ، ويسافر إلى بيت أليشع النّبيّ. لا بدّ أنّه كان مشهدًا غريبًا أن نرى عربته وخيوله تصل إلى
باب هذا المسكن المتواضع. لم يكن هذا هو المكان الّذي كان ليختاره، ليختبر ما كان
سيُغيّر حياته تمامًا.
رابعًا: تضرّر
كبرياء نعمان أكثر عندما لم يستقبله أليشع عند وصوله، بل «أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَلِيشَعُ رَسُول» (ع10).
لم تسر الأمور كما كان يتخيّل، ولذلك
عبَّرَ عن غضبه واستيائه: «فَغَضِبَ نُعْمَانُ وَمَضَى وَقَالَ: هُوَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَيَّ، وَيَقِفُ وَيَدْعُو
بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَيُرَدِّدُ يَدَهُ فَوْقَ الْمَوْضِعِ فَيَشْفِي
الأَبْرَصَ» (ع11).
إنّ الإنسان - في كبريائه - يريد من الله أن يُباركه،
ولكنّه يتجاسر بغطرسة ليُخبر الله كيف يحقّق ذلك. وخلافًا لتأكيدات بعض الشّرّاح، لم يرفض أليشع الخروج إلى
الباب، من أجل إذلال نُعْمَان أو لتجنّب العدوى بالبرص. إنّه لم يكن بحاجة إلى الانحناء لمثل هذه التّكتيكات والخُطَط. كانت تصرّفاته هي تصرّفات خادم حقيقيّ للرّبّ، فلم يتأثّر
بالمكانة الاجتماعيّة للشّخص، أو توقّعاته بشأن ما يجب أن يحدث. كما أنّه لم يفسَد بسبب رغبة في الثّراء المادّيّ، أو تمجيد
الذّات. لم يسمح لعظمة نُعْمَان أن تجعله ينحرف عن الطّريق الصّحيح. لذلك رآه على ما هو عليه، أيّ أبرص يحتاج إلى تطهير. وها هو ببساطة يرسل رسالة إليه. وهذا - في الواقع - لا يزال عمل المُبشِّر إلى يومنا هذا؛ إيصال رسالة.
خامسًا: كان على نُعْمَان أن يزداد
تواضعًا عندما اكتشف إجابة النّبيّ على حاجته الشّديدة. كان عليه أن ينزل إلى أسفل ممّا كان يتصوّر «فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَلِيشَعُ رَسُولًايَقُولُ: اذْهَبْ وَاغْتَسِلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الأُرْدُنِّ،
فَيَرْجعَ لَحْمُكَ إِلَيْكَ وَتَطْهُرَ» (ع10).
إنّ طاعة كلمة الرّبّ ستأخذه - سبع مرّات - تحت مياه ما اعتبرَهُ نهرًا
عديم القيمة وغير جذّاب. لقد قاده كبرياؤه إلى الاعتقاد بأنّه يستحقّ أفضل بكثير من
هذا، لذلك، كان ردّه الأوّل هو رفض عرض التّطهير.
طريق الطّاعة:
اعتاد نُعْمَانُ على إعطاء
الأوامر، وتوقّع الطّاعة الفوريّة من رجاله. كان الأمر
مختلفًا تمامًا عندما يتعلّق الأمر بكلمة الربّ من خلال أليشع. لقد دعَتْهُ كلمة الله إلى ممارسة الإيمان الّذي يطيع دون
جدال. كانت الوصيّة لا لبس فيها: «اذْهَبْ وَاغْتَسِلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الأُرْدُنِّ،
فَيَرْجعَ لَحْمُكَ إِلَيْكَ وَتَطْهُرَ» (ع 10). لم تكن وصيّة باردة أو رسميّة، بل كانت وصيّة جاءت من إله
مُنعِم رحيم، وعده بالبركة إذا أطاع كلمته. يكتب "لومبي": "إن التعبير «فَيَرْجعَ لَحْمُكَ إِلَيْكَ»، مناسب تمامًا للحالة، لأنّه في البرص يكون الجسم، أو الجزء
المصاب مغطّى بقشرة، بحيث يبدو أنّ اللّحم قد اختفى". وبالتّأكيد كان الشّفاء من البرص يتضمّن استعادة اللّحم.
في البداية، لم ينظر
نُعْمَانُ إلى الأمر بشكل إيجابيّ. فإذا كان قد غضب لأنّ أليشع
لم يستقبله وجهًا لوجه، فقد أصبح أكثر غضبًا بسبب الوسيلة المُقترحة لتطهيره: «فَغَضِبَ نُعْمَانُ وَمَضَى وَقَالَ: هُوَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَيَّ، وَيَقِفُ
وَيَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَيُرَدِّدُ يَدَهُ فَوْقَ الْمَوْضِعِ
فَيَشْفِي الأَبْرَصَ. أَلَيْسَ أَبَانَةُ (بردي) وَفَرْفَرُ (أحد روافد نهر بردي) نَهْرَا
دِمَشْقَ أَحْسَنَ مِنْ جَمِيعِ مِيَاهِ إِسْرَائِيلَ؟ أَمَا كُنْتُ أَغْتَسِلُ بِهِمَا فَأَطْهُرَ؟ وَرَجَعَ وَمَضَى بِغَيْظٍ» (ع 11، 12). ومن السّخف بما فيه الكفاية
الاعتقاد بأنّ مياه النّهر يمكنها أن تطهّره، ولكن حتّى لو كان الأمر كذلك، فقد
خلص إلى أنّ أنهار بلده كانت اقتراحًا أكثر جاذبيّة بكثير. كانت دمشق معروفة بمياهها النّقيّة والصّحّيّة. وهو يعكس استجابة الكثيرين اليوم لرسالة الإنجيل. إنّهم يريدون الخلاص الأبديّ، لكنّهم ليسوا مستعدّين لقبوله
على أساس «يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا» (1كو2: 2). ولا تزال الكرازة بصليب
المسيح تُسبّب استياء للإنسان الطّبيعيّ والمتديّن، كما كان في أيّام بولس، الّذي
قال في يومه: «أَمَّا أَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَإِنْ كُنْتُ بَعْدُ
أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ، فَلِمَاذَا أُضْطَهَدُ بَعْدُ؟ إِذًا عَثْرَةُ الصَّلِيبِ قَدْ بَطَلَتْ» (غل5: 11).
كان منحنى التّعلّم حادًا
بالنّسبة لنُعْمَان منذ أن غادر آرام للسّفر إلى السّامرة. وكانت إحدى مميّزاته الحسنة هي قدرته على الاستماع إلى
نصائح الآخرين السّليمة، وهذا ما حدث عندما اتّخذ قرارًا غير حكيم في خضمّ اللّحظة
«وَرَجَعَ وَمَضَى بِغَيْظٍ» (ع12).
ويبدو أنّه كان يتمتّع بعلاقات جيّدة مع
عبيده. وفي هذا الموقف أشاروا إليه بلقب "أَبَانَا"، ولم يُظهروا أيّ خوف في
الاقتراب منه بمشورة حكيمة: «فَتَقَدَّمَ عَبِيدُهُ
وَكَلَّمُوهُ وَقَالُوا: يَا أَبَانَا، لَوْ قَالَ
لَكَ النَّبِيُّ أَمْرًا عَظِيمًا، أَمَا كُنْتَ تَعْمَلُهُ؟ فَكَمْ بِالْحَرِيِّ
إِذْ قَالَ لَكَ: اغْتَسِلْ وَاطْهُرْ؟» (ع13).
وكشفت أسئلتهم عن جوهر المسألة الحقيقيّ. أنّ ما أمره أليشع بالقيام به كان بسيطًا جدًّا ومتواضعًا
بالنّسبة لمثل هذا الرّجل العظيم، الّذي كان يثق في قدرته على وضع استراتيجيّات
لهزيمة أعدائه. وما كان مطلوبًا منه يبدو في نظر النّاس جهالة، كما يبدو
التّبشير بالصّليب في نظر حكماء هذا الدّهر جهالة. ففي يومنا هذا يسخر النّاس من رسالة الخلاص الّتي تبدو
بسيطة: «التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ وَالإِيمَانِ الَّذِي بِرَبِّنَا
يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (أع20: 21). إنّهم يختارون التّمرّد والرّفض،
بدلًا من الخضوع للأمر.
وهكذا ارتقى نُعْمَانُ في
نهاية المطاف إلى المستوى المطلوب، وقَبِلَ الدّعوة إلى الطّاعة: «فَنَزَلَ وَغَطَسَ فِي الأُرْدُنِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، حَسَبَ
قَوْلِ رَجُلِ اللهِ» (ع14).
لم يَطهُر حتّى أطاع بالكامل، وغطس في
الأردنّ سبع مرّات «فَرَجَعَ لَحْمُهُ كَلَحْمِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ وَطَهُرَ» (ع14).
لم يكن بالطّبع ماء الأردنّ هو الّذي جعله
طاهرًا، بل طاعته لكلمة الربّ من خلال أليشع. لقد أكمل الربّ عمله في الخليقة، واستراح في اليوم السّابع (تك2: 2). من هذه اللّحظة فصاعدًا يرتبط
الرّقم "سبعة" - في الكتاب المقدّس - بفكرة الكمال الإلهيّ. ولا يخلو الأمر من دلالات هامّة أنّ الرّقم "سبعة" يظهر عدّة مرات في الطّقوس
المرتبطة بتطهير البرص في العهد القديم، على سبيل المثال «وَيَنْضِحُ (الْكَاهِنُ) عَلَى الْمُتَطَهِّرِ مِنَ الْبَرَصِ سَبْعَ مَرَّاتٍ
فَيُطَهِّرُهُ» (لا14: 7).
تطهير نُعْمَان هو صورة
للولادة الجديدة للخاطئ في تدبير نعمة الله. ويجمع الرّسول
بولس بين الدّور الحيويّ الّذي تلعبه كلمة الله والرّوح القدس فيما يتعلّق بخلاص
الشّخص، عندما يكتب:
«وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا
اللهِ وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ
بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ
الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى
عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا» (تي3: 4-6). إنّ "غُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي" الّذي يتحدّث عنه الرّسول بولس هنا، هو بلا شكّ إشارة إلى
عمل التّجديد بكلمة الله. ويكتب الرّسول بولس في مكان آخر عن «غَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ» (أف5: 26). فالتّطهير يأتي إلى الخاطئ من
خلال تطبيق كلمة الله على القلب والضّمير.
يطبّق "هاملتون سميث" أهمّيّة الأردنّ على الخاطئ
اليوم عندما يكتب: "الأردن يُشير إلى الموت، وهو في المشهد الّذي أمامنا رمز
لموت المسيح الّذي واجه به عدل الله، فلا تطهير للخاطئ إلّا على أساس موت المسيح،
كما ثبت لنُعْمَان أنّ تطهيره الكامل إنّما كان نتيجة لطاعته الكاملة للنزول
والغطس في مياه الأردنّ، سبع مرات. إنّ البركة تصل إلينا من مجرّد
النّعمة عن طريق موت وقيامة المسيح، ونحن نتمتّع بكفاية هذا الموت بواسطة الإيمان بالمسيح. وإذ غطسَ نُعْمَانُ في مياه الأردن انتهت حياته القديمة،
وبدأ حياةً جديدة إذ رَجَعَ لَحْمُهُ كَلَحْمِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، وَطَهُرَ. إنّ حالته الأولى كأبرص حيث كان الفساد والموت يعملان لم
تكن موافقة لله، بل كانت تبعده عن محضر الله. لكن هذه الحالة القديمة وًضِعَ لها حدّ في مياه الأردنّ. الطّبيعة الفاسدة لا يمكن الحصول لها على غفران، بل يجب أن
يُوضَع لها حدّ بالموت. والطّبيعة العتيقة في المؤمن دِينَت في صليب المسيح. والنّفس الّتي تُطيع طاعة الإيمان، وتخضع لطريقة الله في
الخلاص، تحظى وتنعم بحياة جديدة. ويُظهر المؤمنون حقيقة هذه
الأشياء عندما يعتمدون. وبما أنّهم يغطسون تمامًا في الماء ويخرجون منه، فإنّهم يُتّحدون
بأنفسهم بموت المسيح ودفنه وقيامته. وهم يشهدون ظاهريَّا لعمل النّعمة
الدّاخلي".
(يتبع)
س. ت. لاسي