عدد رقم 3 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
التّحذير من الرّوح العالميّة وتعليم التّقوى  

(أصحاح 5)

(ب) تعاليم لمواجهة أعواز شعب الله، والتّحذير من ملذّات الحياة الحاضرة

(ع13-16)

ع3: «أَكْرِمِ الأَرَامِلَ اللَّوَاتِي هُنَّ بِالْحَقِيقَةِ أَرَامِلُ».

يُعلّمنا الرّسول بولس أوّلًا أن نولي النّظر إلى الأرامل «اللَّوَاتِي هُنَّ بِالْحَقِيقَةِ أَرَامِلُ». والأرملة الحقيقيّة ليست مَن فقدَت زوجها فحسب، بل مَن تميّزت بسجايا أدبيّة. وسواءً كانت في احتياج زمنيّ أم لا، فمثل هؤلاء يجب أن يُكرَموا.

ع4: «وَلكِنْ إِنْ كَانَتْ أَرْمَلَةٌ لَهَا أَوْلاَدٌ أَوْ حَفَدَةٌ، فَلْيَتَعَلَّمُوا أَوَّلًا أَنْ يُوَقِّرُوا أَهْلَ بَيْتِهِمْ وَيُوفُوا وَالِدِيهِمِ الْمُكَافَأَةَ، لأَنَّ هذَا صَالِحٌ وَمَقْبُولٌ أَمَامَ اللهِ».

فلو كانت الأرملة في احتياج للضّرورات الزّمنيّة، فليُظهِر أولادها وحفدتها تقواهم العمليّة تجاه والديهم، ليوفوهم المكافأة «لأَنَّ هذَا صَالِحٌ وَمَقْبُولٌ أَمَامَ اللهِ». وهنا نرى أنّ التّقوى تستحضر الله إلى تفاصيل الحياة، وتسعى أن تعمل بطريقة تُسرّ الله.

ع5: «وَلكِنَّ الَّتِي هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أَرْمَلَةٌ وَوَحِيدَةٌ، فَقَدْ أَلْقَتْ رَجَاءَهَا عَلَى اللهِ، وَهِيَ تُواظِبُ الطِّلِبَاتِ وَالصَّلَوَاتِ لَيْلًا وَنَهَارًا».

ويُعطينا الرّسول الصّفات الجميلة لمَن هي أرملة بالحقيقة؛ فهي "وَحِيدَة"، ليست لها مصادر بشريّة تعتمد عليها، ولذلك فإنّ ثقتها بالله «أَلْقَتْ رَجَاءَهَا عَلَى اللهِ»، وهي تستند على الله، لذلك «َهِيَ تُواظِبُ الطِّلِبَاتِ وَالصَّلَوَاتِ لَيْلًا وَنَهَارًا».

ع6: «وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ».

بالمفارقة مع الأرملة الحقيقيّة، فإنّ الرّسول يُحذِّرنا من أيّ شخص في بيت الله ينغمس في لذّاته الخاصّة. فمثل هؤلاء قد ماتوا وهم أحياء. وفي موضع آخر نُحرَّض على أن نحسب أنفسنا أمواتًا عن خطيّة، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربّنا (رو6: 11). فإنّنا لا نقدر أن نحيا لأنفسنا ولله في ذات الوقت. لأنّنا إذا عشنا لأنفسنا، فإنّنا نحيا للخطيّة، والّتي تعني أنّنا متعدّون، أو مستغرقون في تتميم إرادتنا الذّاتيّة. إنّ عادات الاستمتاع بالأهواء والملذّات الخاصّة، تقود إلى الموت الرّوحيّ بين النّفس وبين الله.

ع7: «فَأَوْصِ بِهذَا لِكَيْ يَكُنَّ بِلاَ لَوْمٍ».

فمثل هذه التّحذيرات تُصبح ضروريّة لكلّ واحد في بيت الله للسّلوك في التّقوى، وهذا ليس فقط أمرًا مقبولًا ومُسرًّا لله، ولكن أيضًا ليكونوا بلا لوم أمام النّاس.

ع8: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ».

وإذا كان المسيحيّ يفشل في العناية بمَن له، وخاصّة أهل بيته، فإنّه قد تدانى إلى أقلّ من المستوى الطّبيعيّ، وبهذا فإنّه يُنكر الإيمان المسيحيّ الّذي يُقدِّس مثل هذه العلاقات الطّبيعيّة، ويُعلّمنا أن نحترمها. ولذلك فمن الممكن أن تجد مسيحيّ يعيش في حالة جسديّة، يتصرَّف بأسوأ من غير المؤمن.

ع9، 10: «لِتُكْتَتَبْ أَرْمَلَةٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عُمْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً، امْرَأَةَ رَجُل وَاحِدٍ، مَشْهُودًا لَهَا فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، إِنْ تَكُنْ قَدْ رَبَّتِ الأَوْلاَدَ، أَضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ أَرْجُلَ الْقِدِّيسِينَ، سَاعَدَتِ الْمُتَضَايِقِينَ، اتَّبَعَتْ كُلَّ عَمَل صَالِحٍ».

ومع ذلك فقد نجد في الدّائرة المسيحيّة أرامل معتازات، ليس لهنّ أولاد أو حفدة أو أقرباء يُسدّدون حاجتهم. فمثل هؤلاء يجب أن نضعهم في قائمة الّذين تتناولهم الكنيسة بالعناية والمساعدة. ومع ذلك فإنّ تقديم العون للمحتاج لا يُفهم منه أنّ بيت الله يتحوّل إلى مجرّد مؤسّسة اجتماعيّة لمساندة المحتاجين.

فإنّه عند الضّرورة - بالنّعمة - يُمكن أن نُساعد مَن هي وحيدة فعلًا. وهنا تكون المسألة مَن هم أولئك الّذين يحتاجون فعلًا أن نضعهم في القائمة، ليتقبّلوا مساعدة منتظمة من شعب الرّبّ. لا بدّ أن يكون هؤلاء قد برهنوا بحياتهم أنّهم أُهلًا لتلك المساعدة. هذه الأرملة الّتي تكون في عمر متقدّم «إِنْ لَمْ يَكُنْ عُمْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً»، أيّ غير قادرة على التّكسّب لمعيشتها في الظّروف المعتادة. ثمّ أنّها يجب أن تكون زوجة رجل واحد، ولها شهادة تُكرمها بسبب أعمالها الصّالحة في تربية أولادها، وإظهار لطفها في إضافة الغرباء، وإنعاش القدّيسين، ومساعدة المتضايقين، واتّباع كلّ عمل صالح.

ويا له من جزء مُبارك هذا النّصّ، الّذي يُرينا مدى تقوى المرأة فيما يُمكن أن تُسرّ الله به، وتُساعد أيضًا شعب الرّبّ. هناك أشياء عديدة من الأعمال الصّالحة لا يذكرها الوحي؛ فلا يذكر عن قيامها بالتّعليم أو التّبشير، أو أيّ شيء يجعل المرأة تأخذ دورًا بارزًا في المجالات الظّاهرة بما لا يتّفق مع ترتيب بيت الله.

ع11-13: «أَمَّا الأَرَامِلُ الْحَدَثَاتُ فَارْفُضْهُنَّ، لأَنَّهُنَّ مَتَى بَطِرْنَ عَلَى الْمَسِيحِ، يُرِدْنَ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ، وَلَهُنَّ دَيْنُونَةٌ لأَنَّهُنَّ رَفَضْنَ الإِيمَانَ الأَوَّلَ. وَمَعَ ذلِكَ أَيْضًا يَتَعَلَّمْنَ أَنْ يَكُنَّ بَطَّالاَتٍ، يَطُفْنَ فِي الْبُيُوتِ. وَلَسْنَ بَطَّالاَتٍ فَقَطْ، بَلْ مِهْذَارَاتٌ أَيْضًا، وَفُضُولِيَّاتٌ، يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ».

أمّا الأرامل الحدثات فلا يجب أن نضعهن في تلك القائمة، ذلك لأنّ مساعدتهنّ - كما هو الحال مع اللّواتي هنّ بحقّ أرامل - سيقودهن إلى نسيان المسيح كالغرض الوحيد أمامهنّ، وتُصبح الرّغبة ببساطة أمامهنّ أن يتزوّجن، وهكذا يُصبحن آثمات إذا طرحن عنهنّ الإيمان الأوّل. ومن المحتمل لذلك أن نترك - ليس فقط المحبّة الأولى - بل أن نطرح أيضًا الإيمان الأَوَّلَ، الّذي جعلنا في بداية حياتنا المسيحيّة أن نضع المسيح هو غرضنا الأوّل.

وفضلًا عن ذلك، فإنّ وضع الأرامل الحدثات في قائمة اللّواتي تساعدهنّ الكنيسة، معناه أنّنا نشجعهنّ على البطالة، فيُصبحن شِباكًا للآخرين. والبطالة ستقودهنّ إلى الطّواف من بيت إلى بيت، فيصرن «مِهْذَارَاتٌ أَيْضًا، وَفُضُولِيَّاتٌ، يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ». و"مِهْذَارة" تعني "ثرثارة" أو "مُغتابة"، تُكرّر سرد الحوادث والقيل والقال، بما لا يفيد الآخرين، وتُعطي رأيها بحرّيّة في أمور لا تخصّها.

ولا نجد هنا فكرة مساعدة لمَن يحتاج، أو تصحيح خطأ، بل بالحريّ انغماس الجسد في محبّة الخطأ. فالثّرثارات والفضوليّات، سواء ردّدن ما هو خطأ أم ما هو صحيح، فإنّهن «يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ». ويقول كاتب الأمثال: «اَلسَّاعِي بِالْوِشَايَةِ يُفْشِي السِّرَّ (الأسرار)، فَلاَ تُخَالِطِ الْمُفَتِّحَ شَفَتَيْهِ» (أم20: 19). ويقول النّاموس: «لاَ تَسْعَ فِي الْوِشَايَةِ بَيْنَ شَعْبِكَ» (لا19: 16). والمسيحيّة تُحذّرنا من التّنقّل من بيت إلى بيت بالثّرثرة والتّدخّل في أمور غيرنا. فكم من أناس انكسروا وضاعوا، وغاصوا في يأس قاتل، بسبب كلمة قيلت بخفّة، وكانت كلمة عاطلة.

ع14: «فَأُرِيدُ أَنَّ الْحَدَثَاتِ يَتَزَوَّجْنَ وَيَلِدْنَ الأَوْلاَدَ وَيُدَبِّرْنَ الْبُيُوتَ، وَلاَ يُعْطِينَ عِلَّةً لِلْمُقَاوِمِ مِنْ أَجْلِ الشَّتْمِ».

وحُكم الرّسول بولس أنّ الشّابات يتزوّجن، لتُصبح لهن دائرة اهتمامهنّ الخاصّة بالبيت، وتنشئة البنين وتدبير بيوتهنّ.

وسواء كان الحديث يتّجه إلى الشّيوخ أو الأرامل أو الشّابّات، فالجميع عليهم أن يتذكّروا أنّهم جزء من بيت الله، وغير مسموح في بيت الله أن تُعطى عِلَّةً لِلْمُقَاوِمِ لكي يشتم أو يُعيّر.

ع15: «فَإِنَّ بَعْضَهُنَّ قَدِ انْحَرَفْنَ وَرَاءَ الشَّيْطَانِ».

وبسبب إهمال هذه التّعاليم، فإنّ البعض قد تحوَّل فعلًا وراء الشّيطان. ربّما لم يتبيّنوا أو يتحقّقوا خطورة الطّريق الّذي يسيرون فيه، ولكن من المؤكّد أن استمرارهم في عيشة التّراخي والشّهوات، في علاقتهم بالمسيح، فذلك يقود النّفس إلى الخداع من إبليس، والدّخول في فخاخ تجاربه.

ع16: «إِنْ كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَوْ مُؤْمِنَةٍ أَرَامِلُ، فَلْيُسَاعِدْهُنَّ وَلاَ يُثَقَّلْ عَلَى الْكَنِيسَةِ، لِكَيْ تُسَاعِدَ هِيَ اللَّوَاتِي هُنَّ بِالْحَقِيقَةِ أَرَامِلُ».

والأرامل في العائلات المسيحيّة عليهم أن يجدوا سعادتهم وفرحهم داخل عائلاتهم، تاركين للكنيسة مساعدة اللّواتي هنّ بالحقيقة أرامل.

(يتبع)

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com