عدد رقم 3 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
بَيْتُ عَنْيَا  

«يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ» (أم18: 24)

(1)

لماذا من بين المدن العديدة والقرى الكثيرة الّتي جال فيها الربّ يسوع، يلمع اسم بيت عَنْيَا ويشتهر؟ مع أنّه لم يُولد هناك، بل وُلد في بيت لحم، ولم يتربَّ هناك، بل في النّاصرة، ولم يخدم هناك كما خدم في كفر ناحوم. لكن كانت هناك في بيت عنيا عائلة أحبّته وأحبّها، ولعلّه لم يحدث في مكان آخر أن استُعلِنت بكيفيّة واضحة كمالات إنسانيّته ومجد لاهوته كما استُعلِنت في بيت عَنْيَا.

في (لوقا 9: 51) دخل التّلاميذ قرية للسّامريّين ليعدّوا للرّبّ مكانًا، فلم يقبله أهل المكان «لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهًا نَحْوَ أُورُشَلِيمَ». وكم من مكان مرّ به ابن الإنسان، ولكن لم يكن له فيه «أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ» (لو 9: 58). لكن «فِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً، فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا» (لو 10: 38)، ولقد أعقبت هذه الزّيارة زيارات أخرى.

إن يسوع المسيح قد وجد منزلًا كأنّه "بيته"، حيث كان يستريح في جوّ كلّه محبّة وتعاطف؛ هناك في «بَيْتِ عَنْيَا ... قَرْيَةِ مَرْيَمَ وَمَرْثَا أُخْتِهَا» (يو 11: 1). ويا لها من نتائج مباركة تسلسلت من بعد تلك الزّيارة الأولى: ففي يوم التّجربة نراه يعود إلى بيت عَنْيَا، ليس ليشفي، بل ليُعطي حياة. وقُبَيل آلامه نراه هناك، فتتقدّم مريم لتدهن جسده بطيب كثير الثّمن، وهناك يقول الربّ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا» (مت 26: 13). وكم من مؤمنين في مختلف الأجيال تقوّوا وتشّجعوا وتغذّوا وشبعوا بما سطره الوحي عن بيت عَنْيَا. أفما كان يستحقّ إذن أن يُقبل وأن يُرحَّب به لمّا كان هنا على الأرض؟

اللّقاء الأوّل (لو 10 :38-42):

اتّسمت كفر ناحوم بتواصل خدمة الرّبّ الدّائبة، أمّا في بيت عَنْيَا فيسود الهدوء. هنا في بيت عَنْيَا نقرأ أكثر من مرّة عن "الجلوس" أو "الاتّكاء". فعند قدمَيْ يسوع جلسَت مريم تصغي لكلام السَيِّد. وكم من مرّة مدح الرّبّ السّامعين له في هدوء وسكون. وإنّها لفرصة ثمينة ولذيذة تلك الّتي نقضيها عند قدمَيْه في الصّباح البّاكر، نسمعه متكلّمًا في فصل من فصول الكلمة، وننفرد به عند قدميه.

ومنذ اللّقاء الأوّل ارتبكت مرثا في خدمة كثيرة، والرّبّ لم يحدّثها في هذا الأمر إطلاقًا إلّا عندما خرجت عن حدودها، وطلبت إليه أن يلوم أختها، فلفَتَ الرّبُّ نظرها بكلّ هدوء إلى نشاط "الذّات" قائلًا: «مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ» (لو 10: 41). كم مرّة تردّدت هذه الكلمات على مسامعنا! ولكن إلى أيّ مدى قبلناها في قلوبنا؟

(يتبع)

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com