«هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي
يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ»
(رؤ1:2)
(5)
كنيسة ساردِس (رؤيا 1:3ـ6)
معناها
النّبويّ "بقية حياة"
ومدّتها
عصر الإصلاح (من سنة 1517م. إلى مجيء الرّبّ)
«وَاكْتُبْ
إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي سَارْدِسَ: هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ
سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ وَالسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ،
أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ. كُنْ سَاهِرًا وَشَدِّدْ مَا
بَقِيَ، الَّذِي هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَمُوتَ، لأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَعْمَالَكَ
كَامِلَةً أَمَامَ اللهِ. فَاذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ
وَتُبْ، فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ
أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ. عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ
لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ، فَسَيَمْشُونَ مَعِي فِي ثِيَابٍ بِيضٍ لأَنَّهُمْ
مُسْتَحِقُّونَ. مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ
أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي
وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ
لِلْكَنَائِسِ» (رؤ3: 1-6).
لم يسبق
لوم للكنائس السّابقة مثل اللّوم الواقع على هذه الكنيسة، لا من جهة التّعاليم،
ولكن من جهة الأعمال، لأنّه يقول: «لَمْ أَجِدْ أَعْمَالَكَ كَامِلَةً أَمَامَ
اللهِ»، مع أنّه ذكر لبعض الكنائس السّابقة أعمالًا حسنة، أمّا هذه الكنيسة
فلا يذكر لها شيئًا حسنًا بالمرّة. كان لها اسم أنّها حيّة، وهذا عند النّاس فقط،
ولكن عند الله لا حياة فيها بل هى ميّتة، ولكن عندها بعض الشّيء الباقي وهو عتيد
أن يموت أيضًا. وينصحها بالسّهر ويذكرها كيف أخذت وسمعت.
هذه
الكنيسة تمثّل تاريخ البروتستانتيّة من عهد الإصلاح الإنجيليّ في أوائل القرن
الخامس عشر، وما تفرّع عنه من المذاهب والشّيّع، وما حصل من المشاحنات والحروب
بينهم وبين الكاثوليك، ممّا هو بعيد عن روح الوداعة والسّلام المسيحيّ. وهذه
الحالة يوضّحها كلام الوحي: «لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ»؛ اسم
كان يجب أن يقترن بالحياة، ولكنّه اقترن بالموت الرّوحيّ، فإنّه وإن كان هناك هروب
من فساد روما البابويّة، واهتمام بنشر التّعليم الخاص بالتّبرير بالإيمان، ولكن
الحقّ بقوّته المُطهِّرة كان مفقودًا. ومع ذلك فقد وجدت أسماء قليلة لم ينجسّوا
ثيابهم، أعني أفرادًا قليلين تمسّكوا بالحقّ الإنجيلي، وهؤلاء لهم الوعد بالقبول
لأنّهم مستحقّون. وأمّا للباقين فيذكر مجيء الرّبّ كلصّ كما يقدّم على العالم
تمامًا (1تس5: 2).
ولنتقدّم
الآن لنرى في التّاريخ قيام البروتستانتيّة مناهِضة للبابويّة بسيف الحقّ، ثمّ بعد
ذلك بسيف الحرب بحجّة الدّفاع عن النّفس لصدّ عدوان الكاثوليك وحملاتهم المسلّحة.
فإذا رجعنا إلى تاريخ البابويّة، نجدها قد وصلت إلى أقصى درجة من المخازي؛ فعلاوة
على سلاح الحرمان الّذي كان يشهره الباباوات ضدّ الملوك والرّعايا، أو المدن
والممالك جملة، ممّا يترتّب عليه نبذ المحروم وعدم مخالطته أو إعالته حتّى يتذلّل
للبابا، فيصفح عنه، فقد اخترعت طريقة شيطانيّة لابتزاز النّقود من الشّعب وهي
طريقة بيع صكوك الغفران.
ففي سنة
1513م ارتقى "لاون العاشر" كرسيّ البابويّة، ورأى أنّ خزينة الكنيسة
تكاد تفرغ، وهو في حاجة شديدة إلى المال للقيام بما عليه من الأعمال، ومنها عمليّة
إتمام كنيسة القدّيس بطرس، فاتّخذ الطّريق المطروق إلى المال، أي منح الغفرانات،
وخوَّل السّلطان لمنحها في جرمانيا إلى رئيس أساقفة مانز، وهذا أناب عنه راهبًا من
الفرير اسمه "يوحنا تتزل". وكان هذا العمل فضيحة، لأنّ حضّ النّاس على
إطاعة الشّروط في منح الغفرانات كان قبيحًا ومبالغًا فيه، لغرض سلب أموالهم، وضلّ
الكثيرون ضلالًا بعيدًا، حتّى ظنّوا أنّهم إذا أعطوا مالًا لبناء كنيسة القدّيس
بطرس في روما، ينجون من كلّ قصاص توجبه الخطيّة. فحمل ذلك العمل جماعة من أهل الرّصانة
والتّعقّل أن يعترضوا على منهج هذا الرّاهب.
وكان من
أشهر الذين فنّدوا تعاليم "يوحنا تتزل" وناقضوها "مارتن لوثر"
وهو راهب أوغسطيني، وأستاذ اللّاهوت في جامعة وتنبرغ بألمانيا. وكان مشهورًا
بالعلم والتّقوى. فرأس رجال الإصلاح، وقاوم البابا الّذي استعمل سلاح الحرمان ضدّه.
وناصَرَ لوثر جماعة من الأمراء الّذين سُمُّوا بالمحتجّين أي "البروتستانت".
وفي سنة
1546م. مات لوثر، وانقسم البروتستانت إلى ثلاث فرق متعادية وهم اللّوثريّون والزّوينجليّون
والكلفينيّون، ومن الأخيرين تفرّع الهوغونوت في فرنسا، والمواثقيّون في اسكتلندا
وهولاندا، والبيوريتان في انجلترا، والأحرار في أمريكا، وذلك في القرنين السّادس
عشر والسّابع عشر. ثمّ انقسم هؤلاء وأولئك، فأصبحوا كنائس عديدة يتمسّك كلّ منها
بفرع من التّعليم لا يعبأ به غيرها أو بطريقة في العبادة لا يراها غيرها، بينما
كانت كلّها برأي واحد في أصل الإصلاح ألّا وهو "التّبرير بالإيمان".
وكان النّزاع
بين هذه الشّيَع شديدًا، وحقّ للمصلح ذي الفكر المطلَق أن يتأسّف لتلك الحال الّتي
مِثلَها أزعجت الرّسول بولس في أوائل عهد المسيحيّين؛ هذا يقول أنا للوثر، وذاك
أنا لكلفن وآخر أنا لزوينجل. وأصبح هذا التّفاخر بلاءً عظيمًا على حركة الإصلاح،
وجعل للكاثوليك حجّة قويّة وبليغة بأنّ الإصلاح غير محقّق وغير مُجمَع عليه.
فشرعت
البابويّة في إصلاح داخليّ لإبعاد الشّرور والفضائح الّتي كانت سببًا في زعزعة
مركزها. فعقدت مجمعًا في ترنت من سنة 1545م. إلى سنة 1563م. وهو أهمّ المجامع
الكنسيّة منذ عقد مجمع نيقية سنة 325م. وتناول المجمع كلّ القضايا الّتي اعترض بها
المُصلِحون. وأخيرًا قرّر المجمع بأنّ تقاليد الكنيسة لا تقلّ قداسة عن الكتاب
المقدّس، في وجوب الاعتماد عليها! وأيّد أنّ البابويّة هي ترتيب إلهيّ! وحكم ببُطل
تعاليم لوثر وبأنّ التّبرير بالإيمان وحده بدعة! ثمّ أوجب على الكهنة والأساقفة
حياة الطّهارة، فكانت هذه القرارات عاملًا قويًّا في صدم الإصلاح الإنجيليّ بعد
انقسام المُصلِحين. لأنّ منع المخازي الّتي كانت سببًا في قيام الإصلاح الإنجيليّ
مهّد لرجوع الألوف إلى الكنيسة القديمة، إلى "الأمّ" كما سمّوها إذ
هالهم الخطر الّذي انحدروا إليه - في رأيهم ـ منذ أن تزحزحوا عن مرساهم في مرفأ
التّقليد.
ونتج عن
الإصلاح الكاثوليكيّ ظهور ديوان التّفتيش بأهواله، وجماعة الجِزْوِيت وأنظمتهم
القاسية، فأصبحا دعامتَين تسندان الباباوات، وكلّ ذلك لم يجد نفعًا. فما أن انتصف
القرن السّادس عشر حتّى اشتدّت المناظرة إلى تحكيم السّلاح، فقامت حروب دينيّة مذهبيّة
دامت مائة سنة، لم يلقِ فيها أحد الفريقَين السّيف من يده. فقد قامت حرب شملكلد في
جرمانيا بين شارل الخامس وأمراء البروتستانت، وحرب في هولاندا بين فيليب الثّاني
ملك اسبانيا ورعاياه الثّائرين، وحروب الهوغونوت في فرنسا، وإغارة اسبانيا
بأساطيلها على انجلترا البروتستانتيّة، وحرب الثّلاثين سنة في جرمانيا.
وهذه
الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت كانت كلّها مشاهد مؤلمة في هذا الصّراع الهائل
الّذي بسببه أضاعت الكنيسة الرّومانيّة نصف العالم المسيحيّ في غرب أوروبا، إذ
أصبح يدين بالبروتستانتيةّ.
وإلى هنا
نقتصر الكلام عن ساردس رمز البروتستانتيّة الّتي ستستمرّ كنظام دينيّ مثل البابويّة
سابقتها، إلى نهاية التّدبير الحاليّ، أي إلى أن يأتي الرّبّ.
(يتبع)
حليم أرسناوي