المُخلِّص
الأوّل والقاضي الأوّل
"عُثْنِيئِيلُ
بْنُ قَنَازَ" هو أوّل قاضي، وأوّل مُخلِّص أقامه الرّبّ لخلاص شعبه من عبوديّة
"كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ مَلِكِ أَرَامِ النَّهْرَيْنِ"، واستراحت الأرض
في أيّامه أربعين سنة.
حديثنا
عن شخصية "عُثْنِيئِيلُ" يتركّز في جانبَين: أدبيّ ورمزيّ:
أوّلاً:
الجانب الأدبيّ:
(1) تدريباته: تدرَّب عُثْنِيئِيلُ على يد
كَالَب عمّه، إذ رأى فيه الإيمان الّذي يُقدِّر البركات، فقد تكلّم كَالَبُ جيّدًا
عن الأرض وثمرها العجيب الّذي أحضره (عد14: 7- 9)، رأى فيه الإيمان الّذي يتحدّى
الصّعوبات «لاَ تَخَافُوا مِنْ شَعْبِ الأَرْضِ لأَنَّهُمْ خُبْزُنَا. قَدْ زَالَ
عَنْهُمْ ظِلُّهُمْ، وَالرَّبُّ مَعَنَا. لاَ تَخَافُوهُمْ» (عد14: 9)، بل رأى
القلب المكرّس بتمامه للرّبّ «أَمَّا عَبْدِي كَالِبُ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ
كَانَتْ مَعَهُ رُوحٌ أُخْرَى، وَقَدِ اتَّبَعَنِي تَمَامًا، أُدْخِلُهُ إِلَى
الأَرْضِ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا، وَزَرْعُهُ يَرِثُهَا» (عد14: 24)؛ رآه
أمينًا في سلوكه، محاربًا لأجل الامتلاك. كلّ هذا أزهر في عُثْنِيئِيل، فأوجد فيه
أجمل الثّمار.
(2) حروبه: أوّل حرب خاضها عُثْنِيئِيلُ
كانت على نطاق عائليّ ضيّق «فَقَالَ كَالَبُ: الَّذِي يَضْرِبُ قَرْيَةَ سَفَرٍ
وَيَأْخُذُهَا، أُعْطِيهِ عَكْسَةَ ابْنَتِي
امْرَأَةً. فَأَخَذَهَا عُثْنِيئِيلُ بْنُ قَنَازَ، أَخُو كَالَبَ الأَصْغَرُ
مِنْهُ. فَأَعْطَاهُ عَكْسَةَ ابْنَتَهُ امْرَأَةً» (قض1: 12، 13). أخذ "قَرْيَةَ
سِفْرٍ" أيّ قرية "الكتاب"، دُعيت بعد ذلك "دَبِيرَ" الّتي
تعني "أقوال" وهي تعني أيضًا الاسم الإضافيّ لقدس الأقداس، فلا تتحقّق
النُّصرة إلّا باليقين بأنّ الكتاب المقدّس هو أقوال الله، وحفظ الحقّ والنّموّ
فيه نموًّا اختباريًّا. ولنلاحظ أنّ حبرون ترتبط بقرية سِفْرٍ، فالكتاب المقدّس
مصدر سرورنا وشبعنا في جوّ الشّركة. وكان عُثْنِيئِيلُ من سبط يهوذا الّذي معناه "التّسبيح"،
فالتّسبيح الحقيقيّ ينبع من سكنى كلمة المسيح في القلب (كو3: 16). أعطاه كَالَبُ
عمّه عَكْسَةَ ابنته، الّتي معنى اسمها "خلخال"
أيّ سوار القدم، ونرى في هذا زينة التّعليم الّذي يظهر في السّلوك والحياة
«مُقَدِّمِينَ كُلَّ أَمَانَةٍ صَالِحَةٍ، لِكَيْ يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ
مُخَلِّصِنَا اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (تي2: 10).
«اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ»
(لو16: 10)، بعدما استخدمه الرّبّ في إحراز نصرة في مجال محدود، جاء الوقت
ليستخدمه لخلاص شعبه كلّه من قبضة ملك آرام:
«فَعَمِلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ
... فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَبَاعَهُمْ بِيَدِ كُوشَانَ
رِشَعْتَايِمَ مَلِكِ أَرَامِ النَّهْرَيْنِ. فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ
كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ ثَمَانِيَ سِنِينَ. وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى
الرَّبِّ، فَأَقَامَ الرَّبُّ مُخَلِّصًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَخَلَّصَهُمْ،
عُثْنِيئِيلَ بْنَ قَنَازَ أَخَا كَالِبَ الأَصْغَرَ. فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ
الرَّبِّ، وَقَضَى لإِسْرَائِيلَ. وَخَرَجَ لِلْحَرْبِ فَدَفَعَ الرَّبُّ لِيَدِهِ
كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ مَلِكَ أَرَامَ، وَاعْتَزَّتْ يَدُهُ عَلَى كُوشَانِ
رِشَعْتَايِمَ. وَاسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَمَاتَ عُثْنِيئِيلُ
بْنُ قَنَازَ» (قض3: 7- 11).
"كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ" معناه "السّواد المضاعَف
للشّرّ"، فالشّعب هنا ترك الرّبّ، والتصق بعبادة الأوثان (إر2: 13). هذا
العدوّ الأوّل من خارج الأرض وعلى مسافة بعيدة منه، ملك "آرام" الّتي
تعني العظمة والكبرياء، آرام النّهرين: دجلة والفرات نرى فيهما صورة لينابيع
العالم الزّائفة، المكان الّذي خرج منه أبرام، والمنطقة الّتي نشأت فيها بابل
وترعرعت الّتي حملت الشّعب مسبيًّا إليها.
"كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ" يرينا الانفصال عن الله
والبُعد عنه، ترك المحبّة الأولى والميل لتعظيم الذّات، الاستقلال عن الله واتّباع
مبادئ وأشخاص تأخذ مكان المسيح، وهذا هو السّواد المضاعف للشّرّ، أ ليس - بكل أسف
- هذا ما هو حادث في الكنيسة الأسميّة الآن؟
(3) انتصاراته: كان عُثْنِيئِيلُ بطلًا في الصّراع
المرير في الجنوب، ذلك الصّراع الّذي أكسب الشّعب قوّة الشّركة مع الله، وقد رأينا
أنّ تلك النّصرة تحقّقت على أساس الإيمان بالله الحيّ والتّمسكّ بأقواله (قض1).
لكن نصرة عُثْنِيئِيل على كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ أخذت أبعادًا
أخرى. فنقرأ عن سبعة أشياء كانت بمثابة بواعث قويّة لنصرته (قض3: 9- 11):
* مُقام من الرّبّ «أَقَامَ الرَّبُّ مُخَلِّصًا»:
لقد تيقّن عُثْنِيئِيلُ من دعوة الرّبّ له، فكان هذا دافعًا قويًّا للنّصرة.
* «فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ»:
تمتّع بالقوّة في حربه. فالنّصرة الّتي يحقّقها المؤمن أساسها الاعتماد على قوّة
الرّوح القدس.
* «قَضَى لإِسْرَائِيلَ»: أيّ
أدان نفسه في حضرة الله، قبل أن يخرج ويحصِّل النّصرة لله، ويهدم الظّنون وكلّ علو
يرتفع ضدّ معرفة الله (2كو10: 5).
* «خَرَجَ لِلْحَرْبِ»: هنا
نرى فيه الشّجاعة والجراءة وعدم الجُبن.
* «فَدَفَعَ الرَّبُّ لِيَدِهِ كُوشَانَ
رِشَعْتَايِمَ مَلِكَ أَرَامَ»: النّصرة الحقيقيّة هي من عند
الرّبّ «اَلْفَرَسُ مُعَدٌّ لِيَوْمِ الْحَرْبِ، أَمَّا النُّصْرَةُ فَمِنَ
الرَّبِّ» (أم21: 31).
* «اعْتَزَّتْ يَدُهُ عَلَى كُوشَانِ رِشَعْتَايِمَ»:
إخضاع نهائيّ وكامل للعدوّ.
* «وَاسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ أَرْبَعِينَ سَنَةً»:
حصَّل الأمان لشعب الرّبّ كثمار للانتصار.
ثانيًا:
الجانب الرّمزيّ:
ترد
قصّة عُثْنِيئِيل في سفرَيّ يشوع والقضاة، ومعنى اسمه "أسد الله" أو "قوّة
الله". وكلا المعنيَيْن يُشيران إلى قوّة وقدرة هذا الرّجل. كان هذا الرّجل
سليل سبط يهوذا الملكيّ، السّبط الّذي أتى منه الرّبّ يسوع المسيح. إنّ هذه السّمات
الّتي أشرقت في عُثْنِيئِيل، ظهرت في كمالها في المسيح «الأَسَدُ الَّذِي مِنْ
سِبْطِ يَهُوذَا» (رؤ5: 5)، شخص ربّنا الّذي قَبِلَ التّحدّي، إذ واجه الشّيطان،
بمجرّد خروجه للخدمة الجهاريّة، بالتّجارب في البرّيّة إلى الصّليب، لكنّه انتصر
على عدوّ شعب الله، وأخذ لنفسه عروسًا الّتي هي الكنيسة.
(1) ظهوره:
تدرّب عُثْنِيئِيلُ في الخفاء، ثمّ ظهر فجأة ليُحقّق انتصاراته، هكذا المسيح الّذي
قال عنه المعمدان: «لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ
بِالْمَاءِ» (يو1: 32)؛ لقد ظلّ مخفيًّا عن الأنظار قُرابة الثّلاثين، ثمّ بعدها
خرج إلى البرّيّة لينتصر على إبليس (متى4). والمسيح الآن مستتر عن العالم، لكن لا
بدّ أن يظهر بالمجد ليضع جميع الأعداء موطئًا لقدميه «سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ
خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ» (عب9: 28).
(2) مُقام من الله:
أقام الله عُثْنِيئِيل لخلاص الشّعب، وأيضًا «أَقَامَ اللهُ لإِسْرَائِيلَ
مُخَلِّصًا، يَسُوعَ» (أع13: 23)، بل أقامه ليكون خلاصه إلى أقصى الأرض (أع13:
47)، بل والمقام من الله ديّانًا للأحياء والأموات.
(3) مُخَلِّص:
كان عُثْنِيئِيلُ مُخلِّصًا للشّعب من عبوديّة ملك آرام، والمسيح مُخلِّص شعبه من
خطاياهم (مت1: 21)، بل مُخلِّص العالم (يو4: 42). والآن نخلص بحياته (رو5: 10)،
وننتظره مخلّصًا في مجيئه (في3: 20).
(4) عليه روح الرّبّ:
حلَّ روح الرّبّ على عُثْنِيئِيل ليُعطيه القوّة ليُخلِّص الشّعب، أمّا الرّبّ
يسوع فقد حُبل به بالرّوح القدس، ومُسح للخدمة بالرّوح القدس (لو4: 18، 19)، وكان
يُقتاد في البرّيّة بالرّوح، وقدّم نفسه لله بالرّوح الأزليّ (عب9: 14)، وأُحيي
بالرّوح (1بط3: 18).
(5) قاضٍ:
كان عُثْنِيئِيلُ قاضيًا، والمسيح هو قاضي إسرائيل (مي5: 1)، بل في زمان مُلكه
سيقضي للمساكين بالعدل والإنصاف (إش11: 4).
(6) محارِب منتصِر:
عُثْنِيئِيلُ حارب وانتصر، هكذا الربّ يسوع دَخلَ أشرس معركة، معركة الجلجثة، وخرج
منها ظافرًا (كو2: 15). وسيحقّق النّصرة على كلّ أعدائه في ظهوره (مز110: 5، 6).
(7) مؤسّس الرّاحة للأرض:
استراحت الأرض في أيّام عُثْنِيئِيل 40 سنة، بعدها عادت إلى العبوديّة والذّلّ مرّة
أخرى (قض3: 12- 14)، لكن تنتظر الأرض الرّاحة الألفيّة، بل والرّاحة الأبديّة.
(8) موته: «وَمَاتَ
عُثْنِيئِيلُ بْنُ قَنَازَ»، وكأنّه مات بعد أن صنع الخلاص وأسّس الراحة، وبعد ما
أتمّ المسيح الفداء، استودع روحه في يديّ الآب (لو23: 46).
(9) عروسه: ارتبطت
عَكْسَةُ بعُثْنِيئِيلُ بعد نصرته، صورة لارتباط الكنيسة بالمسيح بعد الصّليب
والقيامة، وسيأتي يوم الزّفاف قريبًا (رؤ19: 7، 8).