فيلبي ... كنيسة فريدة ...
ورسالة مجيدة
بدأت قصّة كنيسة فيلبي بداية جميلة ومميَزة، حسبما نفهم
من أعمال 16. لقد كانت بدايتها على نهر، حيث وصل نهر النّعمة إلى امرأة، فتَحَ
الربُّ قلبها هي ليدِيَّة. وكانت باكورة مُبشرَّة لكنيسة فيلبي. ثمّ كان السّجن هو
المحطّة التّالية، وكان سجَّان فيلبي هو أوّل رجل قد وصلت إليه نعمة الله من نفس
المقاطعة. إن نعمة الله تصل إلى المرأة والرّجل ... تصل في هدوء النّهر أو في
زلزلة السّجن. تصل بالنّهار وباللّيل!
ولأنّ روّاد أيّة شهادة، الّذين يبدأ بهم الربُّ أيّة
كنيسة محلّيّة، غالبًا ما يطبع نوع إيمانهم بقيّة القدّيسين بعد ذلك، فإنّ هذا
الأمر نراه بوضوح في باكورات كنيسة فيلبي.
لقد كانت البداية امرأة ... فكان للمرأة دور بارز في هذه
الكنيسة، حسبما نفهم من رسالة الرّسول بولس إليهم بعد ذلك (في4: 2، 3). وكانت ليدية
سخيّة كريمة مع الرّسل، وهكذا تميّز إخوة فيلبي بالسّخاء في العطاء، رغمًا عن
كونهم من مقاطعة مكدونية، الّتي تتميّز بفقرها العميق، إلّا أنّها تميّزت كذلك
بغنى سخائها. حتّى أنّ الرّسول كان معتادًا على مشاركة هؤلاء الإخوة تحديدًا، له
وللإنجيل من أوّل يوم (أي بداية من ليدية) وإلى وقت كتابة الرّسالة! (في1: 5). لقد
فتحوا قلوبهم للرّبّ ولخدّامه. فلقد أعطوا أنفسهم أوّلًا للرّبّ (2كو8: 1-5).
ثمّ جاء سجَّان فيلبي وأهل بيته، ليُقال عنه بعد أن رجع
إلى الله وتعرَّف بالمسيح، لا أنّه "فرح" فحسب، بل «تَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ
بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ» (أع 16: 34). لتكون النّغمة الغالبة
لدى القدّيسين هناك هي الفرح غير المعتمِد على الظّروف، بل الفرح بالرّغم من كلّ
الظّروف، ولتكون رسالة فيلبي هي رسالة الفرح المسيحيّ بحقّ.
زمن كتابة الرسالة: نحو 61 م.
مكان كتابتها: سجن الرّسول بولس الأوّل في رومية.
الكلمات المفتاحية في الرسالة:
-
يسوع المسيح أو المسيح يسوع: 49 مرّة.
-
الفرح ومترادفاتها: نحو 18 مرّة.
-
الفكر ومشتقّاته: نحو 12 مرّة.
الموضوع الرّئيسيّ للرّسالة: الفرح المسيحيّ وسط ظروف البرّيّة الصّعبة، الفرح الّذي
ينشأ نتيجة مشغوليّة الفكر بالمسيح.
العناوين البارزة لأصحاحات الرّسالة:
ص1: المسيح
حياتنا: «لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ» (ع 21).
ص2: المسيح
مثالنا: «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ
أَيْضًا» (ع 5).
ص3: المسيح
في المجد غرضنا: «لأَعْرِفَهُ... أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ» (ع 10، 14). فالمسيح
في السّماء موضوع انتظارنا «نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ
الْمَسِيحُ» (ع 20).
ص4: المسيح
هو قوّتنا: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» (ع
13).
كما يمكن أيضًا إعطاؤها العناوين التّالية:
ص1:
سيادة المسيح على الحياة ... وكيف يحيا المؤمنون.
ص2:
نُصرة المسيح على الموت ... وكيف يفكّر المؤمنون.
ص3:
المسيح في قمّة المجد ... ما ينبغي أن يسعى إليه المؤمنون.
ص4:
المسيح فوق كلّ شيء ... والمؤمنون فوق كلّ الظّروف.
والرّسالة مليئة بالتّوجّهات الفكريّة الصّحيحة
والإيجابيّة، والّتي لخّصها أحدهم في سبعة توجّهات رئيسيّة:
(1) نحو المسيح: فحوالي ثلثيّ آيات الرّسالة
تشير إلى المسيح، كما أنّ الرّسالة كلّها مشغولة بالمسيح حسب التّقسيم الأوّل
المبيّن أعلاه.
(2) نحو الرّوح القدس: حيث نقرأ عنه في الرّسالة
مرّتين (1: 19؛ 2: 1)، وهو الّذي يشغل قلوبنا وأفكارنا بالمسيح.
(3) نحو الآخرين: أن نكون متّضعين وأن نحسب
بعضنا البعض أفضل من أنفسهم (2: 3، 4).
(4) نحو الإنجيل: حيث تتكرّر كلمة "إنجيل"
ستّ مرّات في الأصحاح الأوّل. لقد رغب الرّسول بولس في أن يذهب إلى روما واعظًا،
إلّا أنّه ذهب إليها سجينًا. على أنّ ذلك لم يمنعه عن الكرازة بالإنجيل الّذي وصل
إلى بيت قيصر نفسه بسببه (4: 22)!
(5) نحو الظّروف: لقد اعتبر الرّسول نفسه
أسير يسوع المسيح لا أسير روما، ونظر إلى الظّروف في ضوء أنّها آلت إلى تقدّم
الإنجيل، لا في ضوء أنّها سبّبت له ألمًا وقيودًا.
(6) نحو الألم: النّظرة الصّحيحة إليه هو
أنّه هبة من الله أن نتألّم لأجل المسيح (1: 29).
(7) نحو الماضي والمستقبل: فبصدد الماضي:
ننسى ما هو وراء: نُصراته أو انتكاساته. وعن المستقبل: نسعى نحو الغرض "المسيح
الممجّد" محمَّلين بدروس الماضي النّافعة.