عدد رقم 3 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
ثلاث نساء(2)  

أوّلًا: نُعْمِي

 في أيّام نُعْمِي كانت حالة شعب الله متردّية حتّى صار جوع في أرض الله، وكان أليمالك زوجها يفتقر إلى الإيمان الّذي يجعله يرى الله في التّجربة، لذلك تحوَّل عن أرض يهوه، باحثًا عن الفرج في أرض موآب، وآخذًا معه زوجته وولدَيه.

والبلاد المختلفة المحيطة بأرض يهوه في الكتاب المقدّس ترمز إلى العالم في صُوَرِهِ المختلفة؛ فتتحدّث مصر عن العالم المُتخَم بكنوز الثّـروة ومسرّات الخطيّة، الّذي يلهث فيه الإنسان ساعيًا لإشباع شهواته ومسرّاته. وبابل هي مثال للعالم في فساده الدّينيّ؛ العالم الّذي يسعى فيه الإنسان لأن يُعظّم ذاته بتديّن فاسد. أمّا موآب فيستحضر لنا وجهًا آخر للعالم، والمعنـى الرّوحيّ نتبيّنه من قول إرميا النّبيّ: «مُسْتَرِيحٌ مُوآبُ مُنْذُ صِبَاهُ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى دُرْدِيِّهِ، وَلَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى السَّبْيِ» (إرميا 48: 11)، فموآب يعيش حياة الرّاحة الّتي يسعى إليها متجنّبًا الارتباك؛ تحرّكاته قليلة، وحياته تنساب بلا تغيُّـرٍ يُذكَر، وبلغة النّبيّ: «لَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ». بذلك يُمثّل موآب العالَمَ في راحته، حيث يمكن للمرء أن يهرب من الصّراع اللّازم للجهاد الحَسَن في الإيمان.

واليوم بعدما هرب الكثيـرون من عالم مصر المتخم، وعالم بابل المتديّن الفاسد، ها هم يواجهون الجوع والصّراع وسط شعب الله، ويواجهون تجربة الهروب إلى العالم في راحته واسترخائه، المرموز إليه بموآب كتجربة مُرّة. وكم من قدّيسين من يوم أليمالك، أُجهدوا وتضايقوا بسبب الشّقاق والنّـزاع الحادث بين شعب الله، فتركوا أرض الله باحثين عن حياة سهلة، في دائرة هادئة، لا يُمتحن فيها الضّمير، وتسمح بتتميم إرادة كلّ واحد الشّخصيّة.

وهكذا نقرأ أنّ أليمالك وامرأته نُعْمِـي وابناه «أَتُوا إِلَى بِلاَدِ مُوآبَ». والأخطر من ذلك أنّنا نقرأ أنّهم «وَكَانُوا هُنَاكَ». وبدلًا من وعودها لهم بالرّاحة والهدوء واليسر، أثبتت بلاد موآب أنّها مجرّد مكان للأحزان والخسائر لأولاد الله. لقد بدت موآب بهضابها وأوديتها الخضراء جذّابة جدًّا، لكن كان على أليمالك أن يتعلم أنه «تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ» (أم16: 25). فحدث أنّ أليمالك، الّذي سعى لأن ينجو من الموت جوعًا في أرض يهوه، احتضنَتْهُ ذراعيّ الموت في أرض موآب. وذات الخطوة الّتـي اتّخذها ليتجنّب بها الموت، أحضرته إلى الموت. والخطوة الخاطئة الّتي تُتّخَذ لتجنّب المشاكل، تقود إلى ذات المشاكل الّتي نسعى لتجنّبها. ومن الأفضل جدًّا أن نكون مع المسيح المُقام في المجاعة، عن أن نُحاط بعالم مليء بالوفرة ويحتضنه الموت.

لقد مات أليمالك، ولكن النّتائج المُحزِنة لخطوته الخاطئة لم تقتصر على نفسه فقط. فنُعْمِي زوجته وابناه تبعوه إلى موآب، وارتبط الابنان بمصاهرة مع موآبيّتَين، بخلاف ناموس الرّبّ، وانقضت عشر سنوات، ووضع الموت يداه على كلٍّ من الابنَينِ. وها قد حُرمت نُعْمِي من زوجها وابنيها، وتُركت أرملة وحيدة بلا أولاد في أرض غريبة. لقد تَركَت أرض الله لتهرب من تجارب الجوع، فما وجدت في أرض موآب سوى المرارة والأحزان. لقد جرَّدها الربُّ، وجعلها مهجورة، ولكنّه لم يتركها. واليد الّتي امتدّت عليها بهذه الضّربات المُوجِعة إنّما كانت تتحرّك بقلب يُحبّها. وتأديبات الرّبّ أعدَّت الطّريق لردّ نفسها.

في هذه النّقطة من قصّة نُعْمِـي دعونا نعبـر من التّحذير الخطير من فشل القدّيس، إلى التّعليم الغنيّ عن نعمة الرّبّ الّتـي تردّ النّفس. لقد ضلّت نُعْمِي عن أرض الرّبّ وذهبت إلى موآب، ولكنّها لم تجد غير الأحزان، وأتت تحت يد الرّبّ المؤدِّبة. وحتّـى لو أدَّبنا الرّبُّ فإنّه يؤدّبنا لبركتنا ليُرجعنا إليه وإلى دائرة شعبه في أرضه الخاصّة.

وَقَبِّلِي أَيْدِي أَبٍ
فَإِنَّ تَأْدِيبَ الْعَلَيِّ
فَالْآنَ لَا تَدْرِينَ مَا
بَلْ سَوْفَ تَعْلَمِينَ أَنَّ

 

يُؤَدِّبُ الْبَنِينْ
لِلنَّفْعِ بَعْدَ حِينْ
يَصْنَعُهُ الْحَكِيمْ
رَبُّ السَّمَاءِ رَحِيمْ

ولذلك، ففي النّهاية، فإنّ تأديبات الرّبّ أتت بهذه النّتيجة، إذ نقرأ عن نُعْمِي أنّها «قَامَتْ هِيَ وَكَنَّتَاهَا وَرَجَعَتْ مِنْ بِلاَدِ مُوآبَ» (راعوث 1: 6).

ولكن ما الّذي قادها للرّجوع؟ أَ هي الأحزان الّتي تحمَّلتْها والخسارة الّتي أصابَتْها؟ كلّا، بل الأخبار السّارة لنعمة الله هي الّتي اجتذبتها للرّجوع «لأَنَّهَا سَمِعَتْ فِي بِلاَدِ مُوآبَ أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِيُعْطِيَهُمْ خُبْزًا» (راعوث 1: 6). إنّ الأحزان لا تُحرّكنا للرّجوع إلى الرّبّ، مع أنّنا قد نتعلَّم منها مرارة التّيهان، وهي تعِدّ القلب ليُصغي إلى الأخبار الطّيّبة عن الرّبّ ونعمته لشعبه. لم يكن عوز وبؤس الكورة البعيدة هما اللّذان أرجعا الابن الضّال من أرض الخطيّة، بل تذكره للخيـر الّذي في بيت أبيه، والنّعمة الّتـي في قلب أبيه قادَتْهُ أن يقول: «كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي»، وكذلك لما سَمِعَتْ نُعْمِي «أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِيُعْطِيَهُمْ خُبْزًا ... خَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ ... لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ يَهُوذَا». إنّ خطايانا تقسّي قلوبنا وتبعدنا عن الرّبّ أكثـر، لكن نعمته تُذيب قلوبنا فتجذبنا إليه ثانية.

بالإضافة إلى ذلك، فعلينا أن نتعلَّم أنّ البرهان الحقيقيّ لردّ الرّبّ للنّفس نجده في قبوله بين شعب الله، لذلك نقرأ: «وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِهِمَا بَيْتَ لَحْمٍ أَنَّ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا» (ع19).

وعلينا أن نُسلّم – بكلّ أسف – بوجود قوّة قليلة لإرجاع النّفوس الضّالّة اليوم، وما أقلّ ردّ النّفوس اليوم! ألا يكون السّبب في هذا أن شعب الله اعتاد ألّا يتحرّك تجاه التّائهين؟ ألا يكون السّبب أنّه لا توجد سوى عواطف قليلة تجاه الّذين يفشلون. فالقدّيسون قد يفشلون، والشّرّ قد يُرفَض، وقد يتمّ التّعامل مع فاعليّ الشّرّ بطريقة صحيحة، ولكنّنا قليلًا جدًّا ما نتحرّك نحوهم، بل ويندُر أن يجد الضّالّ طريقه بين شعب الله. والعالم مليء بقلوب حزينة، ونفوس منكسرة، وقدّيسين تائهين، ونادرًا ما تُردّ نفوسهم، وقليلًا جدًّا ما نتحرّك بينهم. يا ليت الرّبّ يعطينا أن نتذوّق رحمة قلبه الّتـي دفعَتْه لأن يذهب وراء خروف ضالٍّ حتّى يجده.

نعم، لا يمكن لردّ النّفس أن يكمُل دون إحاطة عواطف القدّيسين بهذه النّفس. هكذا كان الحال مع نُعْمِـي. فعواطف المحبّة الّتـي وجدَتْها فتحت قلبها، فانسابت من شفتيها حقائق الاعتـراف الجميل بحقيقة ردّ نفسها، ومن كلماتها نتعلَّم بعض الحقائق الخفيّة عن أحزان المؤمن التّائه:

أوّلًا: إنّها تعتـرف أنّه مهما كان فشلها كثيـرًا، فالرّبّ لم يتخلَّ عنها. وعندما تتكلّم عن أيّام تيهانها تقول نُعْمِي: «لأَنَّ الْقَدِيرَ قَدْ (تعامل معي – ترجمة داربي) أَمَرَّنِي» (ع 20).

«For the Almighty has dealt very bitterly with me»

ربّما بدا لنا أنّه خلال عشر سنوات طوال، توقّفت نُعْمِي عن أن تكون لها تعاملات مع الرّبّ، لكنّ الرّبّ لم يتوقّف عن التّعامل معها «لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ. إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟» (عبرانيين 12: 6، 7).

ثانيًا: وتعتـرف نُعْمِـي ليس فقط أنّ الرّبّ قد تعامل معها، بل أنّه «أَمَرَّنِي جِدًّا». فإذا كان الرّبّ يتعامل معنا في تيهاننا، فهذه المعاملات مريرة جدًّا. وإذا ما تعامل الرّبّ معنا في زيغاننا سنجد أنّ «كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلاَمِ» (عبرانيين 12: 11).

ثالثًا: تقول نُعْمِـي «إِنِّي ذَهَبْتُ» (ع21)، مُعلِنة مسؤوليّتها الكاملة عن تركها أرض يهوه. إنّها لا تذكر كلمة واحدة ضدّ زوجها. إنّها لا تلوم الآخرين، ولا تعفي نفسها. وهي علامة لا تُخطئ من علامات ردّ النّفس، بالرّغم من أن القصّة تُخبرنا بأنّه «ذَهَبَ رَجُلٌ ... لِيَتَغَرَّبَ فِي بِلاَدِ مُوآبَ». أليمالك هو الّذي «ذَهَبَ» كقائد لأسرته، لكن نُعْمِي لم تحاول أن تحمي نفسها بلوم زوجها، فلم تقل إنّ الظّروف كانت قويّة، والضّغوط كانت هائلة، حتّـى إني لم أستطع إلّا أن أجنُح جانبًا. كلّا! بل هي تعلم، كما يجب أن نعلم جميعًا، أنّ السّبب السّرّيّ لتيهاننا ليس في إخفاق الآخرين، ولا قسوة الظّروف، بل فينا نحن.

رابعًا: وإن كانت نُعْمِي تضع كلّ اللّوم على نفسها في تيهانها، فإنّها تنسب للرّبّ كلّ ردّ نفسها. إنّها تعلم أنّ الرّبّ هو الّذي أرجعها رغم أنّها هي الّتي خرجت؛ «إِنِّي ذَهَبْتُ ... وَأَرْجَعَنِـيَ الرَّبُّ (إلى بيتـي – ترجمة داربي)» (ع21). فلو تُركنا لذواتنا كتائهين لن يرجع أحد منّا، لو لم يُرجعنا الربّ بنفسه، لذلك قال داود عنه: «يَرُدُّ نَفْسِي» (مزمور 23: 3).

خامسًا: لم يُرجع الرّبّ نُعْمِي وحسبُ، بل أرجعها إلى بيتها «إِنِّي ذَهَبْتُ ... وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ (إلى بيتي – ترجمة داربي)» (ع21).

«I went out full, and Jehovah has brought me home again empty»

فهو عندما يردّ أحدًا، لا يكتفي بإرجاعه إلى منتصف الطّريق إلى البيت، بل إلى دفء ومحبّة دائرة البيت. عندما يجد الرّاعي خروفه الضّالّ «يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحًا، وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلًا لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ» (لوقا 15: 5، 6). ومبارك اسمه إلى الأبد، فليس أقلّ من بيته يصلح لخرافه.

سادسًا: يبقى على نُعْمِي أن تعتـرف اعترافًا جادًّا؛ فإن كان الرّبّ قد أرجعَها إلى بيتها فعليها أن تعتـرف أنّه أرجعها «فَارِغَةً». فهي تقول إنّها ذهبت «مُمْتَلِئَةً»، والرّبّ أرجعها، لكنّه أرجعها «فَارِغَةً». ففي كلّ أيّام تيهاننا عن الرّبّ، لا نُحرِز أيّ تقدّم أو نموّ روحـيّ. قد يتعامل الرّبّ معنا ليجرّدنا من الكثير ممّا يعوّق تقدّمنا الرّوحيّ، ولكن نعتـرف مع نُعْمِي «ذَهَبْتُ مُمْتَلِئَةً وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً». وكلّ الّذين يتيهون، يتألّمون مثل نُعْمِي. وبركة عظيمة أن تُرَدُّ النّفسَ وترجع إلى بيتها، إلى شعب الرّبّ وأرض الرّبّ، ولكنّها لن تسترجع زوجها ولا ولديها. لقد رحلوا عنها. لقد سعت وراء الرّاحة من التّعب والجهاد، فلم تجد سوى الموت والخسارة؛ لقد رجعت فارغةً.

سابعًا: هناك حقّ مُعزٍ للغاية لكلّ نفس قد رُدّت يلمع في تاريخ نُعْمِي؛ فنقرأ أنّ رجوعها كان «فِي ابْتِدَاءِ حَصَادِ الشَّعِيرِ» (ع22). فإذا ما سمح الرّبّ أن يُرجعنا فارغين، لكنّه يحرص أن يرجعنا إلى مكان الوفرة والشّبع.

وهكذا تستعرض أمامنا قصّة نُعْمِي أحزان القدّيس التّائه، ومعاملات الرّبّ المُنعِمة لردّ نفسه، وقبول المؤمن الرّاجع وسط شعب الرّبّ. ويا لها من تعزية قويّة لقلوبنا أن نعرف أنّه إذا فشلنا في عواطفنا الواحد تجاه الآخر، فإنّ الرّبّ لا يفشل، وبعد قليل سيُرجعُ الرّبّ إلى بيته كلّ قطيعه الفقيـر المُشتّت، ولن يُفقَد واحدًا في النّهاية. وفي المحبّة الأبديّة في بيتنا الأبديّ سنتمتع بملء حصاد السّماء العظيم؛ إنّه بداية حصاد البركات والأفراح الّذي لا ينقطع.

ثانيًا: عُرْفَة

في الإشارة المختصرة عن عُرْفَة نرى الحالة المحزنة لمن يعتـرف حسنًا، لكنّه يفتقر إلى أيّة علاقة حيويّة بالله وبشعبه.

إنّه أمر خطيـر أن تجد إلى أيّ مدى يمكن للطّبيعة أن تقدّم اعترافًا واضحًا، لكنّه كما حذّرنا الرّسول بولس أنّه في الأيّام الأخيـرة سيكون هناك الكثيـرين ممّن «لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلَكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا» (2تيموثاوس 3: 5).

إنّنا نرى صورة التّقوى بكلّ وضوح في عُرْفَة الّتي ربطت نفسها بنُعْمِي في البداية كمؤمنة حقيقيّة؛ فنقرأ أنّ كلًّا من راعوث وعُرْفَة كانتا «مَعَهَا» وأيضًا «سِرْنَ فِي الطَّرِيقِ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ يَهُوذَا» (ع 7). فيبدو لنا وكأنّ عُرْفَة قد قطعت كلّ صلة بحياتها الماضية قاصدة أرض عمّانوئيل.

ثمّ يأتي الاختبار: ها فرصة مؤاتية لعُرفة لترجع إذ قالت نُعْمِي لِكَنَّتَيْهَا: «اذْهَبَا ارْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا» (ع8). لكن عُرْفَة كانت تتمتّع بقدر كبيـر من المشاعر الطّبيعيّة الرّقيقة، لأنّنا نقرأ أنّهنّ «رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَيْنَ أَيْضًا» (ع14). وبالطّبع بدا وكأنّ عُرْفَة ستجتاز الامتحان، لأنّها بدت وكأنّها قد اتّخذت قرارًا حاسمًا بأن توقع قرعتها مع نُعْمِي وشعب الله، لذلك اشتركت مع راعوث في القول: «إِنَّنَا نَرْجِعُ مَعَكِ إِلَى شَعْبِكِ»، وبالإضافة إلى ذلك، هي لا تفتقر إلى المشاعر الطّبيعيّة لأنّنا نقرأ: «فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا» (ع9، 10، 14).

وبالرّغم من ارتباطها بنُعْمِـي، وبالرّغم من دموعها وكلماتها الطّيّبة وقبُلاتها، إلّا أنّها تحوَّلت عن نُعْمِـي وإله نُعْمِـي وأرض البركة، وعادت أدراجها إلى شعبها وآلهتها وأرضها، حتّـى إنّنا لا نعود نسمع عنها أيضًا. لقد كان قلبها مرتبطًا بأرض ميلادها، فقدّمت اعترافًا حسنًا في مظهره، لكنّه اعتـراف فقط. وكانت لها صورة التّقوى لكنّها افتقرت إلى قوّتها؛ أيّ الإيمان البسيط بالله.

ثالثًا: رَاعُوث

في تناقض لافت للنّظر مع عُرْفَة تُستعرض أمامنا قصّة رَاعُوث الّتي أصبحت شاهدة لنعمة الله. لقد تركت أرض موآب كعُرْفَة، وربطت نفسها بنُعْمِـي، وهي أيضًا أعطت اعترافًا صحيحًا، وتكلَّمت بكلمات جميلة كذلك، وتحرّكت عواطفها بعمق مثل عُرْفَة، وأجهشت بالبكاء. ولكن كان عند راعوث ما هو أكثر من ذلك، وفى تناقض تامّ مع عُرْفَة، أظهرت كلّ العلامات المُصاحِبة للخلاص؛ وهي الإيمان والرّجاء والمحبّة (عبرانيين 6: 9-12).

ونحن نذكر أنّه في جزء من الرّسالة إلى العبـرانيّين يُحذّرنا الرّسول من أنّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا البركات السَّمَاوِيَّةَ، وشاركوا في المميّـزات الخارجيّة الّتـي للدّائرة المسيحيّة الّتي يسكن فيها الرّوح القدس، هؤلاء إذا ارتدّوا، برهنوا على أنّهم لا يتمتّعون بعلاقة حيويّة مع المسيح. لكنّه يقول، محدّثًا أولئك الّذين يكتب إليهم: «وَلَكِنَّنَا قَدْ تَيَقَّنَّا مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ أُمُورًا أَفْضَلَ، وَمُخْتَصَّةً بِالْخَلاَصِ»، ثمّ يُقدِّم ثلاثة من هذه الأمور "الْمَحَبَّةِ" و"الرَّجَاء" و"الإِيمَانِ" (عبرانيين 6: 9-12). وبكلّ روعة تتميّز راعوث بهذه الأمور الثّلاث.

مع عُرْفَة كان هناك فقط الاعتـراف الخارجيّ للمحبّة، فأمكنها أن تُقبِّل نُعْمِـي ثمّ تتركها، مثلما حدث ليهوذا في وقت متأخّر، أنّه قبَّل المسيح ثمّ أسلَمهُ. أمّا راعوث فقد تميَّـزت بالمحبّة الحقيقيّة المتفانية. فلم يُقال عنها أنّها قبَّلت نُعْمِـي، ولكن بالرّغم من عدم وجود تعبيـر المحبّة الخارجيّ، لكنّها كانت تحمل المحبّة الحقيقيّة، فنقرأ «فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا» (ع14). فالمحبّة عندما تكون حقيقيّة لا تتخلّى عن غرضها، ويجب أن تكون في شركة مع مَنْ تُحبّه، ولذلك تضيف راعوث لنُعْمِـي «لاَ تُلِحِّي عَلَـيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ ... حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ ... إِنَّمَا الْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ» (ع16، 17).

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ إيمانها تساوى مع عواطفها. وفي قوّة إيمانها تغلَّبت على جاذبيّة أرض ميلادها وبيت أمّها وشعبها وآلهتها، وقَبِلت طريق السّياحة والتّرحال، فقالت: «حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ»، كما احتضنت نصيبها كالغريبة، دون أن تعرف لها بيتًا محدّدًا حيث تقول: «حَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ»، مُقترنةً نفسها مع شعب الله «شَعْبُكِ شَعْبِي»، وفوق الكلّ وضعت ثقتها في الله الحيّ الحقيقيّ، إذ تُضيف: «إِلَهُكِ إِلَهِـي». والموت لا يُمكن أن يُرجِعها إلى موآب فقالت: «حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ». إنّها في الحياة وفي الموت وحَّدت نفسها تمامًا مع نُعْمِـي، فصار شعب نُعْمِي شعبها، وإله نُعْمِي إلهها. مع أنّه لم يكن أمامها في ذلك الوقت غير أرملة متقدّمة في الأيّام ومنكسرة. لقد ألقت نصيبها مع نُعْمِي في ترملّها وفي تغرّبها وفي فقرها.

وأخيـرًا تميّـزت بالرّجاء، لأنّنا نقرأ أنّ نُعْمِـي «رَأَتْ أَنَّهَا مُشَدِّدَةٌ عَلَى الذَّهَابِ مَعَهَا»، وكأنّها في نور العالم الآخر زهدت العالم الحاضر.

واختيار راعوث هذا في نظر الإنسان العالميّ هو حماقة شديدة. فأن تتـرك راحة موآب ومسرّات بيتها وأهلها وأرض ميلادها، لتتّخذ رحلة برّيّة لا تعلم عنها شيئًا، إلى أرض لم ترَها من قبل، لترافق أرملة فقيـرة مكسورة الخاطر، لتعيش وسط شعب لا تعرفه، فبالمنطق والعيان يبدو أنّ هذا جنون وقمّة الغباء. كما يبدو أيضًا أنّه جنون الاقتـران بفقراء وأدنياء وضعفاء هذا العالم، وترك العالم الدّينيّ العظيم، للاشتراك في عار المسيح خارج المحلّة، لأنّه «لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ» (1يوحنا 3: 2)، وليس سوى الإيمان النّاظر إلى النّهاية المجيدة هو الّذي يمكنه أن يسلك هذا الطّريق. فما كان من صحبة راعوث لامرأة طاعنة في السّنّ ووحيدة وحزينة، سوى البداية لقصّة رائعة ستنتهي بزواجها من بوعز جبّار البأس والغنـيّ. والأروع من ذلك هو أنّ اسمها سيُحفظ في سلسلة نسب ربّنا يسوع. وفى ضوء ما بعد القصّة، مَن يا ترى يمكنه القول بأنّها أخطأت إذ اختارت أن تقع قرعتها مع نُعْمِـي العجوز؟ فعُرْفَة الّتـي اختارت العالم وراحته، ذهبت مع المجهول، أمّا راعوث الّتـي أعطت ظهرها للعالم، فقد انتقلَت إلى المجد والكرامة.

وموسى في يومه، مع كلّ امتياز الطّبيعة الممنوح له، ومع كلّ مجد هذا العالم الّذي كان أمامه، أصبح مثالًا لامعًا للإيمان. فقد أدار ظهره لمسرّات الخطيّة وكنوز مصر، حاسبًا عار المسيح غنًى أعظم من خزائن مصر. إنّه ترك العالم وكلَّ أمجاده ليجد نفسه في مشهد البرّيّة، رفيقًا لشعب فقيـر ومتألّم. وفي نظر العالم فإنّه غباء مُطلَق! ولكنّه الإيمان، الّذي أمكنه أن يقول بحقّ: «لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ». ويجب على الإيمان أن ينتظر ستّة عشر قرنًا قبل أن يُظهَر ماذا سيكون. وقد سُمح لنا أن نرى ظهور موسى في المجد على جبل التّجليّ في شركة مع ابن الإنسان. ومنظر المجد هذا سوف لا يخفِت. وفي النّهاية يدخل موسى إلى أمجاد ملكوته الآتي في شركة مع ملك الملوك، لكي يُظهَر أنّ أمجاد هذا العالم الّتي رفضها، إنّما كانت صغيرة بالفعل إذا قُورنت بثقل المجد الّذي اكتسبه.

كذلك في يومنا هذا فإنّ طريق الإيمان يبدو في نظر العالم قمّة الغباء. أن ترفض مجد العالم وتوحّد نفسك مع شعب الله الفقيـر والمحتقَر، وأن تخرج خارج المحلّة حاملًا عاره، فهذا يُعتبَـرُ للمنطق البشريّ والنّظرة الطّبيعيّة أنّه جهالة. ولكن الإيمان يُجيب «لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ». وحكم الإيمان أن «خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا» (2كورنثوس 4: 17)، وسيكون للإيمان مكافأته المجيدة. وعندما ينفجر نهار المجد، ويتغيّـر الإيمان إلى العيان، واليوم العظيم لعُرس الخروف يأتي، فإنّ هؤلاء القدّيسين الفقراء والمحتقَرين سوف يُظهَرون معه، ويكونون مثله، كالعروس امرأة الخروف.

وفضلًا عن ذلك، فالأشياء الّتـي ترافق الخلاص؛ الإيمان والمحبّة والرّجاء، عند ممارستها فإنّها تُنتج غرضًا في القلب. هكذا كان الأمر مع راعوث، فإنّها لم تحسب المدينة الّتي تركَتْها، ولم تتأسّف باطلًا عليها، بل مع نُعْمِي «ذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا بَيْتَ لَحْمٍ» (ع19). إنّه حسن لنا جدًّا إن كنّا ننشط بالإيمان والمحبّة والرّجاء، وننسى الأمور الّتـي خلَفناها، لنبلُغ إلى الأشياء الّتي أمامنا، ونتتبّع الغرض «لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي 3: 14).

ترجمة

مارجريت شكري

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com