عدد رقم 3 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
أربع خطوات تقودك إلى الفشل  

«وَلُوطٌ ... َنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ»

(تكوين 13: 12)

يفشل النّاس لعدّة أسباب، ولكن هناك دائمًا شيء مشترك في كلّ حالات الفشل، ألا وهو أنّ الفشل عمليّة تدريجيّة لا تحدث فجأة. وينطبق هذا الأمر على الحياة المسيحيّة أيضًا، فالمؤمنون لا يفشلون فجأة، ولكن الطّريق إلى الفشل عبارة عن رحلة طويلة يسلكها الإنسان خطوة خطوة.

قصّة لوط الّتي نقرأ عنها في (تكوين ص13، ص14، ص19) هي قصّة بائسة لأب فشل في القيام بدوره. لوط كان مؤمنًا بلا شكّ، ففي (2بطرس 2: 7، 8) يُذكر اسمه ثلاث مرّات مقترنا بصفة "البارّ". لكن «لُوطًا الْبَارَّ» فشل في استخدام حياته لمجد الله، وسلك طريق الفشل. ومن الممكن أن يحدث هذا لأيّ مؤمن. فالمؤمن إمّا أن يبنـي حياةً يُكرم فيها الله، أو يهدم حياته ويجعلها أنقاضًا، وهذا فيما يخصّ القِيَم الأبديّة (1كورنثوس 3: 11-15).

كم سيكون شيئًا مؤسفًا ومخجِلًا الوقوف أمام الرّبّ، وإعطاء حساب عن حياة فارغة وضائعة (2كورنثوس 5: 10)، مع أنّ هذا النّوع من الفشل لا يحدّد مصير الإنسان ليكون في السّماء أو الجحيم، إلّا أنّه يوجد العديد من الأجزاء في كلمة الله تدفع المؤمن غيـر المطيع إلى التّأكّد من التزاماته في حياته وأمر خلاصه (يوحنا 15: 4-6؛ كولوسي 1: 23). لنتأمّل معًا الأربع خطوات المؤَدّية للفشل، والّتي نراها واضحة في قصّة لوط، ولنبذل أقصى جهدنا للابتعاد عنها:

*        الخطوة الأولى: نظرة ورؤية خاطئة:

جاءت أولى خطوات لوط على طريق الفشل نتيجة للنّظرة الخاطئة الّتـي ينظر بها للأمور. اختار اختيارًا تميّز بالأنانية الشّديدة «فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ» (تكوين 13: 11). كان اختياره مبنيًّا على ما بدا وقتها أنّه الأفضل لمصالحه «فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ» (تكوين 13: 10). لم يأخذ في اعتباره أنّ تلك المدن الشّرّيرة الّتي تقع في الوادي كان مقدَّرًا لها الهلاك «قَبْلَمَا أَخْرَبَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ» (تكوين 13: 10). كان للوط نظرة ورؤية خاطئة للأمور، لأنّه لم يكن في شركة مع الله. وهكذا تكون رؤية أيّ مؤمن لا يتمتّع بالشّركة مع الرّبّ، وستتّصف بالأنانية والعالميّة وقصر النّظر.

يبدأ معظم المؤمنين، مثل لوط، سلوك طريق الفشل عندما "يرفعون عيونهم" ليـروا كلّ الإمكانيّات والفرص الّتي يقدّمها العالم. من الطّبيعي أن يختار الإنسان ما سيجلب له أكبر قدر ممكن من اللّذة والغِنى والقوّة، لكن تلك هي النّظرة الخاطئة، فكلمة الله تقول إنّ العالم وما يقدّمه سيهلك (1كورنثوس 7: 31؛ 1يوحنا 2: 17)؛ كلّ هذا العالم سيقع تحت دينونة الله مثل سدوم وعمورة. إنّها مجرّد مسألة وقت قبل أن تهلك الأرض ويأتي مكانها «سَمَاوَاتٍ جَدِيدَة وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ» (2بطرس 3: 13).

لن يسعى أيّ مؤمن يفكّر تفكيـرًا سليمًا لأن يخزن ويكنـز في هذا العالم الحاضر. فهل ستضع مالًا في بنك أنت تعلم تمامًا أنّه سيُشهر إفلاسه في اليوم التّالي؟ وهل ستشتري بيتًا تقول السّلطات أنّه على وشك الانهيار؟ بالطّبع لا! لكن هذه صورة رمزيّة لما يعمله البعض بحياتهم، لأنّ عندهم رؤية عالميّة وطبيعيّة، فهم يستثمرون وقتهم وطاقتهم في أشياء ليس لها أيّ قيمة أبديّة. المؤمن ذو الرّؤية الخاطئة هو في طريقه حتمًا إلى حياة الفشل والسّقوط.

يا له من تناقض كبير بين لوط وإبراهيم. إبراهيم كان مؤمنًا أمينًا ويرى الأمور بنظرة صحيحة، كما كان يتمتّع بشركة قويّة مع الله. بالرّغم أنّه كان يشارك لوط في بعض الصّفات الوراثيّة، والخلفيّة الاجتماعيّة والمحيط الثّقافيّ (تكوين 11، 12)، إلّا إن كان له نظرة مختلفة جدًّا للأمور، لأنّه سار مع الله. لاحظ في (تكوين 13: 4، 5) كيف عَبَدَ إبراهيم الرّبَّ عندما جاءوا إلى مذبح بيت إيل «وَدَعَا هُنَاكَ أَبْرَامُ بِاسْمِ الرَّبِّ». لوط كان مؤمنًا أيضًا لكنّنا لا نقرأ أنّه صلّى أو دعا باسم الرّبّ، لا نقرأ عنه إلّا «وَلُوطٌ ... كَانَ لَهُ أَيْضًا غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ».

وماذا عنّا نحن؟ هل نأتي للحياة ونتناولها بنظرة إبراهيم أم بنظرة لوط؟ في (عبرانيين 11: 10) نعرف أنّ إبراهيم «كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ». كان يتّكل بالإيمان على مواعيد كلمة الله له (تكوين 12: 1-3). لم يكن منشغلًا أو مهتمًّا بمدن أرضيّة من صنع البشر كسدوم وعمورة، بل كان ينظر لأساسات أقوى وهي قِيَم الله الأبديّة. تُرى إلى أيّ نوع من المدن ننظر إليها؟

 

*        الخطوة الثّانية: التّصالح مع العالم:

الخطوة الثّانية للوط نحو الفشل نراها في (تكوين 13: 12) عندما «نَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ». لم ينتقل إلى سدوم بعد! لكنّه اقترب من العالم، عادة هذه الخطوة هي الخطوة الثّانية الّتي تؤدّي إلى السّقوط الرّوحيّ. لا نعتبـر هذه المرحلة مثل العيش في خطيّة ما بصورة فاضحة، لكنّها مجرّد خطوة في الاتّجاه الخاطئ. العمل بوظيفة ذات راتب مغرٍ، لكنّها تورّطك في ممارسات غير شريفة. الاشتراك في نشاطات مدرسيّة متعدّدة قد تلهيك عن حضور الاجتماعات أو المؤتمرات. إقامة علاقة عاطفيّة مع شخص غير مؤمن، لكن جذّاب جدًّا. كلّ هذه الأمور قد تبدو خطوات بريئة، لكنّها تسير في الاتّجاه الخاطئ. كان الأمر مجرّد مسألة وقت في حالة لوط قبل أن ينتقل إلى سدوم. وعندما نصل إلى (تكوين 14: 10) نجده قد انتقل ليعيش في سدوم.

نرى العكس يحدث للمرّة الثّانية ففي (ع 18) نقرأ أنّ إبراهيم أيضًا نقل خيامه، لكن ليس إلى سدوم، بل إلى حبرون «فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الَّتِي فِي حَبْرُونَ»، وأيضًا «بَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ». لم يكن هناك مذبح بالقرب من سدوم! ونقرأ أيضًا أنّ الله وعد إبراهيم بالأرض كلّها (تكوين 13: 14-17). يا له من درس! فكلمة الله تقول وتؤكّد أنّ الرّبّ يسوع سيأتي ثانية، ويقيم مملكته على هذه الأرض (2تيموثاوس 4: 10)، وتعدُ المؤمنين الأمناء الصّابرين في هذه الحياة بنصيب وافر في ذلك الملكوت (يعقوب 2: 5؛ 2بطرس 1: 5-11؛ 2تيموثاوس 2: 12). لنحرص على ألّا نفقد مكافآتنا!

في (تكوين 14) وبسبب اختلاط لوط بأهل سدوم، صارت مشاكل هذه المدينة الشّرّيرة كأنّها مشاكله. لكن إبراهيم - من النّاحية الأخرى - كان بعيدًا عن حروب ومنازعات سدوم. ابتعاده لا يعني بالضّرورة لا مبالاة وعدم اكتراث، بل كان قلقًا على حالة سدوم، وبخاصّة على حالة لوط، فهو مؤمن مثله ويمتّ له بصلة قرابة وثيقة، وفى النّهاية لم يقف ساكنًا! يا له من درس ثمين لنا هنا عن علاقة المؤمن المناسبة بالعالم! إذا سرنا مع الله سيُخلّصنا من هموم واضطرابات العالم، لكن ينبغي أن ندرك أن علينا مساعدة الّذين وقعوا فريسة بين أنيابه ممّا يحتّم علينا أن نعمل ما بوسعنا لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا الضّعفاء.

علينا أن نفكر مثل إبراهيم: ليس بالضّرورة أن نصبح جزءً من سدوم لمساعدة أُناسها، لكنّنا أحرار خصّيصًا لنمدّ يد المساعدة لهم، لأنّنا لسنا جزءً من النّظام السّائد هناك. قال الرّبّ يسوع أنّنا سنكون على اتّصال بالعالم، ولكن ليس جزءً من نظامه الشّرّير (يوحنا 17: 9-23). لاحظ أنّ إبراهيم لم ينخدع بملك سدوم ولا بغنائم النُّصرة (تكوين 14: 21-24)، ولم يكن صدفة أن ملكي صادق جاء في ذلك الوقت ليبارك ويشجّع إبراهيم، فالله له دائمًا طرق وأساليب ليمدّنا بالقوّة اللّازمة في الأوقات الصّعبة.

*        الخطوة الثّالثة: الانخداع بالعالم:

نرى في (تكوين 19) أنّ لوطًا قد وقع بالكامل في شِرْكِ شؤون سدوم، وهي خطوة منطقيّة أخرى، وثالث خطوة نحو السّقوط. كان على لوط أن يتعلّم درسًا عندما أظهر له إبراهيم محبّته بإنقاذه من الأَسْرِ (تكوين 14)، لكن المؤمن الضّعيف يتقسّى قلبه نحو المحبّة والتّفكير المنطقيّ السّليم. تخايلوا قدر الإحباط الّذي شعر به إبراهيم، من المؤكّد أنّ البعض منّا يتفهّم موقفه، لأنّه اجتاز فيه. قد يتطلّب الأمر أحيانًا حادثًا فظيعًا أو صدمة عنيفة لإخراج مؤمن من سدوم. زيارة ملائكة ونار من السّماء نجحت أخيرًا في إخراجه من سدوم، لكن بعد صراع ومماطلة وخسارة (تكوين 19: 15-29).

ومقاومة لوط في الرّحيل لم تكن المؤشّر الوحيد على انغماسه في سدوم. إذا درسنا هذه الأصحاحات دراسة دقيقة فسنجد أنّه من المحتمل أن يكون قد تزوّج بامرأة من سدوم، وتخلّص من خِيامه، واشترى بيتًا في سدوم ليقيم فيه بصفة دائمة. سكن مع أسرته في سدوم، وبالطّبع كان من الصّعب قطع تلك الجذور والرّوابط الأسَرِيّة. وبالإضافة إلى ذلك فإنّه يبدو أنّ لوطًا قد وقع في شِراك الفساد السّياسيّ لسدوم. فعندما جَاءَ الْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً «كَانَ لُوطٌ جَالِسًا فِي بَابِ سَدُومَ» (تكوين 19: 1)؛ تعبير يعني تورّطه في إدارة شؤون سدوم.

قد يبدو الأمر أنّ لوطًا كان يحاول أن يقوم بحركة إصلاح في المدينة، لكن من الجدير بالملاحظة أنّ شهادة إبراهيم وهو خارج المدينة كانت أقوى تأثيرًا من شهادة لوط المقيم داخل المدينة. المؤمن المنخدع من العالم مثل لوط قد لا يكون متورّطًا في خطايا أهل العالم الفظيعة، كالشّذوذ الجنسيّ والعنف والقتل (تكوين 19: 2-9)، لكن تفكيره يصبح ملتويًا ومشوّهًا (تكوين 19: 8)، لأنّه فَقَدَ شَرِكَتِه مع الله. وقد يسخرون ويتجاهلون أيّ آثار صغيرة لشهادته (تكوين 19: 14). المؤمن السّاقط وقتها تصبح حالته بائسة ومؤسفة.

*        الخطوة الرّابعة: فقدان كلّ شيء:

المشهد الأخيـر في قصّة لوط مشهد حزين للغاية. الله في مراحمه الواسعة أنقذ حياته لكن الخطوة الرّابعة على طريق الفشل تؤدّي إلى فقدان كلّ شيء: الوظيفة، والبيت، والممتلكات، والزّوجة. صحيح أنّ لوطًا استطاع إخراج ابنتَيه من سدوم، لكنّه لم يستطع إخراج سدوم منهما. ومن علاقتهما الشّاذّة النّجِسة مع أبيهما جاء "موآب" و"عمون"، شعبان مرّرا حياة شعب الله لسنين طويلة (تكوين 19: 30-38).

فشل لوط، الّذي بدأ باختيار واحد قام به، كان له نتائج مدمّرة عليه وعلى أسرته، وعلى كلّ إسرائيل فيما بعد. إنّ قصّة لوط بمثابة تحذير لكلّ مؤمن وخاصّة الآباء، والتّحذير هو: "لا تسلك طريق الفشل".

ديفيد ريد

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com