عدد رقم 3 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
دروس من حياة يوسف  

ونحن نتأمل فى يوسف سنجد قلوبنا تنجذب إلى الرب

خلال دراستى الجامعية حضرت محاضرة لأحد جراحي المخ، كان يُحاول أن يشرح – في ساعة واحدة - بحثه عن أحد نوبات التشنج العصبي.  وكان البحث واسع ومُعقد، لدرجة أنه كان يمكنه مواصله الحديث اليوم كله.  وهذا هو الشعور الذى يتملكنى الآن وأنا أحاول كتابة مقالة مختصرة عن حياة يوسف، لأن حياته موضوع واسع جدًا، كُتب عنه بالفعل كتب كبيرة.

إن قصة يوسف تحتوى على مبادئ وتوضيحات ورموز تُحرك أكثر المؤمنين الدارسين، وفى نفس الوقت يستمتع أصغر الأطفال بتفاصيلها الدراماتيكية التى تثبت كيف أن الله يهتم بأولاده.  ولأن تدريبات يوسف يمكن أن تُفحص من وجهات مختلفة وكثيرة، فسنتأمل ببساطة فى قليل من اللقطات من حياته، تمامًا مثلما تعرض على أصدقاءك صورًا لأبهى أحداث أجازتك الأخيرة.  هذه اللقطات التى جُمعت من تكوين37-50 ربما تقودنا إلى تكريس أعمق لله؛ نفس الإله الذى أظهر له يوسف ولائه وتكريسه طوال سني حياته التي بلغت 110 عامًا.

توضيح لتوقيت الله:

لقد قرر الله أن يكون يوسف رئيسًا لوزراء مصر وهو فى الثلاثين من عمره، كما كان قد سبق وقرر أن يكون هو الأخ الحادى عشر فى أسرة مكونة من 12 ولدًا وبنتًا واحدة، وهو ترتيب ميلاد غير متوقَّع لمسئول حكومي بارز، فى هذا الجزء من العالم! وإذ بيع كعبد وهو فى ال17 من عمره بيد إخوته الذين ازدروا به، انتهى به المطاف فى بيت فوطيفار رئيس حرس فرعون.  وبعد زمن من خدمة أمينة هناك، اتهمته امرأة فوطيفار بمحاولة اغتصابها، فأدى به هذا الإتهام الزور إلى السجن.

بعد مرور بضع سنوات تقابل يوسف مع ساقى فرعون وخبازه اللذين سُجنا أيضًا معه.  وبحكمة من الله، فسر لهما أحلامهما، متنبئًا بأن يُطلق سراح الساقي، فى حين يُنفذ حكم الإعدام فى الخباز.  ثم طلب من الساقي أن يذكره أمام فرعون ويعلن له براءته بعد أن يخرج من السجن.

لو كان هناك من يراقب الأحداث دون العلم بنهاية القصة لظن أن هذه اللحظة هى الفاصلة فى حياة يوسف؛ أخيرًا سيتمكن من رفع دعواه للملك! لكننا عوضًا عن ذلك نقرأ أكثر الأعداد إحباطًا فى سفر التكوين «وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ رَئِيسُ السُّقَاةِ يُوسُفَ بَلْ نَسِيَهُ» (تك40: 23).

وبالرغم من اعتقاد مراقب الأحداث أن تلك كانت فرصة ضائعة، إلا أن وقت الله لم يكن قد نضج بعد.  وبعد سنتين حلم فرعون أحلامًا غريبة عن بقرات وسنابل قمح، حينئذ تذكر الساقي مقابلته مع يوسف. 

ولما استدعى فرعون يوسف من السجن، تعجَّب جدًا من البصيرة التى حباه الله إياها من جهة تفسير الأحلام، حتى أنه سلَّطه على كل أرض مصر، فكان وهو فى الثلاثين من عمره مسئولاً عن جمع الطعام خلال سني الشبع السبع، استعدادًا لمواجهة سني الجوع السبع، التى تنبأ عنها فى حلم فرعون.  وبهذه الطريقة كان يوسف قد تعين لمساعدة، ليس فقط الأمة المصرية، بل أيضًا عائلته التى جاءت إلى مصر طلبًا للطعام أثناء المجاعة.

من وجهة نظرنا نحن لا نرى أي صلاح فيما صادف يوسف خلال ال 13 سنة المذكورة عالية، إلا أن توقيت الله ربط كل من هذه الأحداث المؤسفة بالتى تليها.  ففى الوقت الذى بيع فيه يوسف عبدًا كان فوطيفار يطلب عبدًا، ثم تبلورت الأحداث ليوضع فى السجن، حيث قابل الساقى الذى نسيه أولاً، لكنه تذكره فيما بعد فى وقت أكثر حسمًا.  وأخيرًا فإن  مركز يوسف المرموق ونفوذه، دعّم الخير الجسدى لإخوته وأيضًا استعادهم روحيًا «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا» (تك50: 20؛ 45: 5- 8).  فكان يوسف مدركًا أن الله بنفسه هو من رتب هذه الأحداث.

وربما نواجه نحن أيضًا أحداثًا تتطلب الصبر الكثير لمواجهة الشدائد والظلم، لكن حياة يوسف تذكّرنا بأن الله صاحب السلطان، وأنه دائمًا مُمسك بزمام الأمور، مُركبًا حتى أحلك الظروف فى تصميمه الكبير للخير، وفى الوقت المناسب بالضبط.

كان من الممكن أن يدفع يوسف هذه الأحداث لمصلحته، لكنه بدل من ذلك وضع ثقتة الصابرة فى الله، دون أى عجلة منه، حتى أنه أخذ وقتًا ليحلق قبل أن يترك السجن (تك41: 14).  فعندما نبحث عن يد الله فى تجاربنا، نتشجع لأن نصبر ونثق فيه «انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ» (مز37: 7).

حياة مستقرة وأمينة:

تبقى المركب مستقرة فى أسوأ العواصف لو كانت مرساتها قوية.  وقوة المرساة لايمكن أن تُعرف إلا فى العاصفة! وهكذا فإن أمانة يوسف لمعت بالأكثر وسط التحديات التي قابلته.  تأمل كيف صمد صلبًا ثابتًا، ومتكلاً على الله في كل ظروفه، بدءًا من حياته الأسرية. فبالرغم من علمه ببغضة إخوته له، لكنه أطاع أباه يعقوب، مستعدًا ومخلصًا، حينما أرسله إليهم ليطمئن على سلامتهم (تك37: 13).  وبلا شك أن الثقة التى حملها يعقوب لابنه الفتى، أدخلت السرور إلى قلبه.

لم تتغير صفات يوسف فى مصر فوثق به فوطيفار بعد وقت حتى أنه وكَّله على كل بيته «فَتَرَكَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ. وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَعْرِفُ شَيْئًا إِلاَّ الْخُبْزَ الَّذِي يَأْكُلُ» (39: 6).  ثم كان السجان هو ثاني مَن لاحظ هذه الأمانة، فدفع إلى يد يوسف جميع الأسرى، واعتمد عليه كليةً، حتى أنه لم يكن يشغل نفسه البتة لينظر شيئًا مما فى يده «وَلَمْ يَكُنْ رَئِيسُ بَيْتِ السِّجْنِ يَنْظُرُ شَيْئاً الْبَتَّةَ مِمَّا فِي يَدِهِ، لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَهُ، وَمَهْمَا صَنَعَ كَانَ الرَّبُّ يُنْجِحُهُ» (39: 23).  وأخيرًا عندما قابل فرعون، لم يحتاج سوى زيارة سريعة، ليقتنع فرعون بأمانته وبصيرته، فكانت النتيجة أن جعله ثانيًا على كل أرض مصر من بعده(41: 37- 40).

كم هو أمر صالح أن نبقى ثابتين ومُخلصين فى الوقت الذى نواجه فيه تحديات مزعجة، لأن مرساة رجاءنا ثابتة جدًا، لأنها تصل من قلوبنا إلى السماء عينها حيث الرب يسوع جالس لأجلنا (عب6: 19- 20).

على النقيض من إخوته:

لم تكن شهادة يوسف لامعة فى أحلك الظروف فحسب، بل أيضًا كانت مناقضة لتلك التى لإخوته المتمركزين حول ذواتهم.  فنحن نقرأ فى تكوين 37: 2 عن «نميمتهم الرديئة»، لكننا نقرأ أيضًا عن بعض الصفات الذميمة التى لإخوته الأربعة الأكبر، الذين كان يجب أن يكونوا أفضل أمثلة يُقتاد بها.  فيروى لنا سفرالتكوين 34 عن خداع كل من شمعون ولاوي وقسوتهما، عندما فكرا فى أن يثأرا لشرف أختهما، الأمر الذى أثار استياء يعقوب فى هذه المناسبة، كما فى غيرها، حتى أنه كان لايزال يذكر تلك الصفات وهو على فراش الموت (تك49: 5- 7).  أما عن رأوبين الابن الأكبر، فقد سجل له الوحي فعلته الجنسية اللا أخلاقية في تك35: 22.  وكذلك حياة أسرة يهوذا الدنسة المبتذلة المكتوب عنها فى تكوين 38 والتى امتدت لسنوات.

كان من الممكن أن يؤثر فشل إخوة يوسف فيه ليفشل مثلهم، وبلا شك أن الفرصة أتته ليُكرّر أخطائهم مع امرأة فوطيفار، إلا أن نبل أخلاقه وثباته لمع أكثر عندما وضع فى المقابلة مع الخلفية القاتمة التى لعائلته.  إن أمانة يوسف تشجعنا أن نستمر فى الثبات، وأن نحترص من الذلل، حتى ولو وجد بين إخوتنا وأخواتنا فى المسيح مَن يبدون ساقطين.  لكن هذا لا يعنى أن أي اختلاف بيننا وبين إخوتنا المؤمنين لابد أن يعنى إخفاقهم فى الثبات لكن بكل تأكيد هناك أوقات تكون فيها اختلاف وجهات النظر فرصة لنا لنتعلم من الآخرين.  أما إذا كانت هناك مشكلة من جهة الطهارة الأدبية أو التمييز الروحى فهذه هى فرصة لإظهار مجد المسيح من خلال أمانتنا.

رجل قد بكى:

ونحن نقرأ قصة يوسف نلاحظ كم من مرات بكى! لكن هل لاحظنا أن مرات بكائه أتت جميعها بعد أن تقلد مركزًا ساميًا.  فى العادة يأتى البكاء بعد الظلم لكن قلما نجده عند رجال ذوي سلطة، أما يوسف فيستعرض العكس أمامنا: كان أمينًا صامتًا وهو مغمور فى محنتة، وبكى منحنيًا وهو معروف ومشهور ومُتسلط.  إننا بحاجة إلى المزيد من تلك الصفات فى شعب الله اليوم!

لقد تحدث إخوة يوسف عن «ضِيقَةَ نَفْسِهِ» التى رأوها عندما رموه فى البئر (42: 21)، لكننا بعد ذلك نجد أن دموع يوسف كانت مرتبطة دائمًا  برؤية أسرته (على الأقل فى ست مناسبات).  لقد بكى عندما بدأ إخوته فى الندم (42: 24)، وأيضًا عندما رأى أخيه الأصغر بنيامين (43: 30).  وعندما كشف نفسه لإخوته، كان نوحه عاليًا بالدرجة التى جعلت كل أهل بيته يسمعوه (45: 2)، كما بكى عند التئام شمله بأبيه، وأيضًا عند موت أبيه (46: 29؛ 50: 1). 

لكن ربما كان البكاء الأشد هو الناتج عن كسر قلبه، حينما أتى إليه إخوته بمخاوف مجددة من النقمة (50: 17)، إذ كانوا لايزالون يشكّون في عواطف ومحبة قلبه تجاههم.  وبكل يقين لابد أن الرب يسوع أيضًا يتألم كثيرًا، عندما نأتى إليه متذكرين سقطاتنا ومتشككين فى محبة قلبه لنا.  دعونا لا ننسى أبدًا محبته الثابتة الغير متغيرة.

صورة للرب يسوع:

إن قصة يوسف تُمثل رجلاً فى غاية الكمال، رفضه إخوته وبيع عبدًا، ثم اتهم زورًا، لكن الله رفعه فيما بعد إلى مركز سامٍ ومجيد.  وكقائد مُرفَّع حكم مملكة فرعون، واتخذ لنفسه عروسًا.  ألا تبدو هذه القصة مألوفة على مسامعنا؟ ففى هذه المشاهد الدقيقة، وأيضًا فى أصغر تفاصيلها، يُعطينا يوسف صورة رائعة للرب يسوع، لذلك فإن التأمل فى تكوين 37- 50 حسن لقلوبنا، لكى نتعلم أكثر عن طرق فادينا المباركة.  وبينما نحن نتأمل حياة يوسف سنجد قلوبنا تنجذب إلى الرب، وأقدامنا تتبع خطاه، لأن طريقه هو كل ما نتمناه.

                                                                        ستيفن كامبل

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com