عدد رقم 3 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (17)  

الأصحاح الرّابع

ذكرنا فيما سبق أنّه بدءً من الأصحاح الرّابع نجد الجامعة الملك وقد نزل من "بُرْجِهِ الْعَالِيّ الْعَاجِيّ" لينظر حوله، في معايشة حياتيّة للنّاس، متأملًا في معاناتهم وآلامهم. وفي هذا الأصحاح سجّل لنا سليمان ملاحظاته ومشاهداته من زيارته لأربعة أماكن:

(1)     قاعة المحكمة (جامعة 4: 1-3).

(2)     الأسواق والمولات (جامعة 4: 4-8).

(3)     الطّرق السّريعة (جامعة 4: 9-12).

(4)     القصر الملكيّ (جامعة 4: 13-18).

وقد تأمّلنا فيما سبق في زيارة سليمان لقاعة المحكمة (جامعة 4: 1-3)، وزيارته للأسواق والمولات (جامعة 4: 4-8). ونواصل تأمّلاتنا في:

ثالثًا: مشاهدات سليمان على الطّرق السّريعة (جامعة 4: 9-12):

اختبار سليمان مع الرّجل المستقلّ الوحيد (ع7، 8)، دفعه إلى التّأمّل في أهمّيّة الصّداقة، وقيمة الأشخاص الّذين يقومون بالأمور سويًّا، ويعملون معًا في شركة. ولربّما شاهد وراقب بعض المسافرين على الطّرق السّريعة، ومِن ثَمّ استنتج الحقيقة المؤكَّدة «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» (ع9)؛ فالرِفقة المُخلِصة فيها خير (ع9)، وفيها معونة متبادَلة (ع10)، وفيها راحة وتعزية (ع11)، وفيها حماية (ع12):

(1)     «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» عندما يتعلّق الأمر بالشّركة والصّداقة، وأيضًا في الزّواج (ع9): فمن البدء، في الجنّة، أعلن الرّبّ الإله أنّ «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ»، عندما قال: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ (Partner or Counterpart)» (تكوين 2: 18). والإنسان خُلِق اجتماعيًّا بطبعه، وينزع إلى العشرة والشّركة والتّفاعل الاجتماعيّ؛ إنّه يحتاج إلى شخص يتبادل معه المحبّة، ويكون مُستودَعًا لعواطفه وأسراره؛ شخص يتكلَّم معه، ويثق فيه، ويتشارك معه ارتفاعات وانخفاضات الحياة. فالشّركة والصّداقة بركة عُظمى في الحياة.

(2)     «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» عندما يتعلّق الأمر بالعمل «لأَنَّ لَهُمَا أُجْرَةً لِتَعَبِهِمَا صَالِحَةً» (ع9): إنّ الّذين يتشاركون في العمل، ويتشاركون في اقتسام ثمار عملهم معًا، يتمتّعون بوفرة ثمر عملهم المشترك. لأنّ عاملَين معًا يُمكنهما إنجاز أكثر من مجموع ما يُنجزه الاثنان إذا ما عمل كلّ واحد بمفرده. وهكذا فعندما يقتسمان الأرباح، يحصل كلّ منهما على عائد أفضل ممّا كان سيحصل عليه لو كان قد عمل منفردًا. ثمّ أنّ الأعمال الصّعبة تكون أكثر سهولة، لأنّ الواحد منهما يكون مصدر تشجيع وعون للآخر.

إنّ "أَكِيلَا وبِرِيسْكِلَّا" يُقيمان الدّليل على أنّ اثنين، يرتبطان برباط الزّواج المسيحيّ، هما أفضل من ذلك بكثير، فقد أيقن هذان الزّوجان النّبيلان بأنّهما «جَسَدًا وَاحِدًا»، لا في صُنع الخيام والشّؤون الأرضيّة فحسب، بل كانا واحدًا "فِي الْمَسِيحِ"، لإظهار وإعلان "ثَمَرِ الرُّوحِ". وأكثر من ذلك فقد آمنَا بأنّ أمور الرّبّ يجب أن تنال الأولويّة في الاهتمام والعناية.

وإنّ هؤلاء الّذين يتمتّعون بهذه الشّركة والرِّفقة، يجب أن يتّسموا بالتّعاطف والتّرفّق تجاه الّذين يفتقدون هذه الأمور. وهذا التّعليم يدحض فكر الّذين ينادون بالبتوليّة والانعزاليّة؛ فالمسيحيّة تُقدِّر الشّركة والرّفقة المُقدَّسة مع المؤمنين الآخرين الّذين يجتمعون معًا من أجل بنيانهم الرّوحيّ المشترَك. إنّ من دلالات الإيمان الحقيقيّ أن يبحث المؤمن عن المؤمنين الآخرين ليكون في شركة معهم «وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا.» (أعمال الرسل 4: 23).

(3)     «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» عندما يتعلّق الأمر بالمسير عبر رحلات الحياة «لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ» (ع10): الطّرق والممرّات في إسرائيل، لم تكن مُعبَّدة أو حتّى مستوية، وكان بها الكثير من الأحجار والحُفَر المخفيّة في الحقول، وكان أمرًا عاديًّا - حتّى لأكثر المسافرين خبرة - أن يتعثّر ويسقط، وربّما يُصاب بكسور، أو قد يسقط في حفرة مخفيّة. وهكذا «وَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ»؛ هذا يُمكن تطبيقه حرفيًّا لوصف السّقوط المؤلم؛ فإنّ سقوطك وأنت بمفردك، في مكان بعيد ومنعزل، يُمكن أن يؤدّي إلى مخاطر جسيمة، وحتّى إلى الموت. وفي مثل هذه الأحوال، فإنّ وجود رفيق صديق يستطيع أن يُقيمك، أو يُخرجك، فهو شيئًا نفيسًا.

وعندما يقع الشّخص جسديًّا في المرض، فإنّ زيارة صديق، بتصرّفات التّعاطف، يُمكن أن تكون سبب رِفعة ومعونة قويّة للمريض. وعند السّقوط مادّيًّا، ويُصبح على الواحد أعباءً مادّيّة لا يُمكن سدادَها، فإنّ تعضيد الصّديق عندئذٍ تكون له فوائد جمّة. وأيضًا عند السّقوط عاطفيًّا في الكآبة والقنوط واليأس والإحباط والوحشة، فإنّ الصّديق الواعي المُتفهِّم للأمر يُمكن أن يُقدّم مساعدة عظيمة.

ولكن إن كان هذا ينطبق على سقطاتنا الجسديّة أو المادّيّة أو العاطفيّة، فكم ينطبق هذا على تلك الأوقات الّتي نتعثّر فيها روحيًّا، ونحتاج إلى مَن يردّ نفوسنا ويستردّنا ويُصلحنا. لكَم يجب أن نكون شاكرين لأجل أصدقاء مؤمنين يُساعدوننا على السّلوك الصّحيح؛ وهذه بصفة خاصّة مهمّة الرّوحيّين «أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 6: 1، 2).

ولكن يا له من تشجيع للمؤمن أن يُدرك أنّه، حتّى لو لم تتواجد معونة أو مساعدة إنسانيّة من صديق أو قريب أو رفيق، فإنّه «يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ» (أمثال 18: 24)؛ ذاك المجيد المعبود، الّذي «فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ» (عبرانيين 2: 18)

(4)     «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» عندما يتعلّق الأمر بالدّفء (المحبّة والعواطف) «أَيْضًا إِنِ اضْطَجَعَ اثْنَانِ يَكُونُ لَهُمَا دِفْءٌ. أَمَّا الْوَحْدُ فَكَيْفَ يَدْفَأُ؟» (ع11): فالمسافران اللّذان يُخيّمان في الفضاء، أو يُقيمان في فناء فندق عام، سوف يشعران ببرودة اللّيل في ليالي إسرائيل الباردة، ويحتاج كلّ منهما إلى دفء الآخر. والسّبيل الوحيد لكي تستدفئ وحدك، هو أن تحمل معك أغطية إضافيّة، ولكن هذا سيزيد من أحمالك.

وهناك الإيضاح المشهور عن قطعة الفحم الوحيدة الّتي أُخِذَت من اللّهب المُتقد المشتعل للنّيران، وتُركت منفردة بعيدة، فسرعان ما فقدت حرارتها، وانطفئت، وصارت باردة. وهكذا فمنذ الأيّام الأولى للكنيسة كان ترتيب الرّبّ أن يكون المؤمن في شركة مُقدّسة، ومحبّة متبادلة، مع جميع أهل بيت الله «وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ» (أعمال الرسل 2: 42). وهذه الأمور يجب أن يلتزم بها كلّ مؤمن في أيّامنا هذه. ويجدر بنا أن نلفت النّظر إلى استخدام الرّسول بولس للتّعبير "بَعْضُكُمْ بَعْضًا"، سواءً في معانيه الإيجابيّة أو السّلبيّة. فعلى سبيل المثال: هذا التّعبير يُذكَر أربع مرّات في رسالة غلاطية:

إيجابيًّا:                 (1) الخدمة: «بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (غلاطية 5: 13).

(2) التّعضيد والتّسنيد: «اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ» (غلاطية 6: 2).

سلبيًّا:                   (3) القسوة والشّراسة: «فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (غلاطية 5: 15).

(4) الحسد والإثارة: «لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا» (غلاطية 5: 26).

(5)     «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» عندما يتعلّق الأمر بنوبات الحراسة والسّهر والمراقبة أثناء اللّيالي، وخاصّة أيّام الحروب (الحروب الرّوحيّة) «إِنْ غَلَبَ أَحَدٌ عَلَى الْوَاحِدِ يَقِفُ مُقَابِلَهُ الاِثْنَانِ» (ع12)؛ إن كان الواحد يُمكنه أن يغلب شخصًا واحدًا منفردًا، فإنّ اثنين يُمكنهما مقاومته. لقد كان من الخطر على شخص أن يُسافر وحده، سواءً بالنّهار أو باللّيل؛ لذلك كانت غالبيّة النّاس يُسافرون كجماعات من أجل الصّحبة والأمان. حتّى داود كان شاكرًا لأحد رجاله الّذي تدخَّل وأنقذ حياته (2صموئيل 21: 15-17). وهذا المبدأ نراه واضحًا في التّحالفات العسكريّة، ومعاهدات الدّفاع المشتركة في أيّامنا هذه. والشّيطان يعرف أنّ المؤمن يكون غير حصين، وتسهل هزيمته عندما يكون مُنفردًا، وهذا ما فعله مع حوّاء في الجنّة. فعلى المؤمن أن يتحذّر عندما يكون مُنفردًا.

(6)     «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ ... وَالْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لاَ يَنْقَطِعُ سَرِيعًا» (ع12)؛ في هذا القسم بدأ سليمان بالرّقم واحد «يُوجَدُ وَاحِدٌ وَلاَ ثَانِيَ لَهُ» (ع8)، ثمّ انتقل إلى الرّقم اثنين «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ» (ع9)، واختتم بالرّقم ثلاثة «الْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لاَ يَنْقَطِعُ سَرِيعًا» (ع12). وهذا نمط مألوف في الكتابات الأدبيّة العبريّة (أمثال 6: 16؛ عاموس 1: 3، 6، 9 ... إلخ.). الخيط الواحد يُمكن أن يُقطَع بسهولة، ولكن الخيطان يتطلّبان مزيدًا من القوّة، أمّا ثلاثة خيوط منسوجة ومجدولة معًا، لا يُمكن قطعها بسهولة. وهكذا فإذا كان مسافران معًا، خيرٌ من مسافر واحد، فإنّ ثلاثة مسافرين معًا سيكونون أفضل كثيرًا. وما كان يدور في ذهن سليمان شيء أكبر من الأرقام؛ ذلك أنّه كان يُفكر في الوحدة الّتي تجمع ثلاثة خيوط وتنسجهم معًا؛ ويا لها من صورة رائعة للشّركة والصّداقة!

لقد كان الزّواج الأوّل يتميّز بالبساطة والتّفرّد؛ ثلاثة فقط ساهموا في ذلك المشروع السّعيد: آدم، وحواء، ومن خلفهما الرّبُّ. وهذا مثال للزّواج المسيحيّ؛ فشخصان يُصبحان واحدًا مندمجًا في الآخر. وفي كلّ زواج يتكوّن عالم صغير من فردَين، ولكنّهما واحد فعليًّا. ونستطيع أن نقول إنّ ثلاثة يتعاونون ليجعلوا اثنين واحدًا «وَالْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لاَ يَنْقَطِعُ سَرِيعًا» (جامعة 4: 12). ويا لها من بركة فريدة!

وأعظم خَيْط مَثْلُوث في الكتاب المُقدّس هو الثّالوث الأقدس؛ الآب والابن والرّوح القدس.

وهكذا فالمسيحيّة تمتلك خَيْطًا مثلوثًا أيضًا "الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ".

وللحديث بقيّة ... إن شاء الرّبُّ وعِشنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com