(
1)
«فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ»
(تك١:١)
مَنْ
يقدر أن يُحدّثنا عن خلق السماوات والأرض؟
مَنْ كان هناك؟ ومَنْ يحدد لنا كيفية الخلق؟ ومَنْ يقدِّر أن يتكلَّم فى هذا الموضوع إلا
الله؟
مَنْ
مِن الناس أصحاب العقول المحدودة، مهما كانت هذه العقول قد تبحرت فى العلوم؟ ومَنْ يستطيع أن يدخل فى هذا المضمار؟ ومن أين يأتون بالكلام؟
لكن فى أصحاح واحد يكتب لنا الله الروح القدس عن
الخليقة، بقلم موسى بعد آلاف السنين من خلق العالم، وبترتيب عجيب ودقيق جدًا، لا
يمكن إلا أن يكون الله نفسه هو الذي أملى هذا الكلام على موسى. بكل بساطة يطالعنا
كتاب الله الحي بالقول «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ»
(تك1: 1)، فيقطع كل شك وكل فكر من أفكار الناس الباطلة الذين أخذوا يبحثون فى أصل
الكون. فمنهم مَنْ قال إن المادة أزلية،
ومنهم مَنْ عبدوا المادة، ومنهم مَنْ قالوا إن الكون تكوّن بالتدريج، وخرجت
نظريات كثيرة تصادم بعضها بعضًا، وأخذوا يتخبطون. وكل هذا لأنهم أبعدوا الله من أفكارهم، فأعمى
الشيطان أذهانهم. لكننا «بِالإِيمَانِ
نَفْهَمُ» (عب11: 3). الإيمان يُفهِّم
أبسط إنسان. يقول الرب يسوع «أَحْمَدُكَ
أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ
الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ» (مت11: 25). الفلاح البسيط الذي يفلح الأرض، ولم يتعلم العلوم
البشرية، لكن استنار قلبه بنور الإيمان، يفهم بدون أدنى شك «أَنَّ
الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى
مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ» (عب11: 3).
«فِي الْبَدْءِ» - وفى الأصل ”فِي
بَدْء“ - «خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ»
(تك1: 1)؛ نحن نعلم أن الله أزلي لا بداة له، وفى الأزل كانت له أفكار ومشورات،
وكانت هناك محبة وعلاقة متبادلة بين الآب والابن والروح القدس، وكان الله يتعامل
مع ذاته، قبل خلق الملائكة أول أعماله الذين خلقهم خدامًا لتنفيذ أوامره. وبعد خلق الملائكة، ”فِي بَدْء“؛ فى وقت لا
نستطيع أن نُحدده، وليس ستة آلاف سنة كما يظن البعض، لكن ”فِي بَدْء“ سحيق جدًا «خَلَقَ
اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تك١:١).
خلق السَّماوات وما فيها من كواكب وأجرام وعوالم التى يقول عنها الوحي «الَّذِي
بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ» (عب1:
2). هل تفتكر أنه لا يوجد غير عالمنا هذا الذي
هو كوكب الأرض؟ لا. إنه أصغر الكواكب. توجد كواكب عظيمة كثيرة وعَالَمِينَ، وفى وقت من
الأوقات - ”فِي بَدْء“ - خلقها الله. احذر من أن تقرأ الآية تكوين 1: 2 على
أن الكلام متصل. فلا يُمكن أبدًا أن نقول:
«فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً». هل يمكن أن الله يخلقها خَرِبَةً وَخَالِيَةً؟ هل يخرج من يد الله ما هو خَرِب وما هو خال وما
هو مُظلم؟ الله الذي هو نور، وهو الساكن
فى نور لا يُدنى منه، هل يخرج من يده ما يُقال عنه «وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ
ظُلْمَةٌ»؟ غير ممكن أبدًا. فهناك وقفة وسكتة طويلة جدًا، كما تشاء أن تُقدرها
بين «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ»، وبين «وَكَانَتِ
الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً ... وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ
نُورٌ». فهناك فترة يقول عنها الجيولوجيون
إنها أحقاب، لكل حقبة خصائص. ليقولوا ما
يشاءون، كلامهم صحيح ولا يتعارض مع الكتاب المقدس. يقول العلماء إنه توجد كواكب بعيدة جدًا تبعد
ملايين الأميال عن الأرض، ونورها يأتى إلى الأرض فى آلاف وعشرات الآلاف من السنين ..
هل هذا ممكن؟ نعم، لكن لماذا؟ أَليس عمر الأرض 6000 سنة؟ كلا. مَنْ قال هذا؟ إن الأرض الحالية التى تجددت وترتبت فى الستة
الأيام هى التى عمرها 6000 سنة تقريبًا؛ فهى خُلقت كما يقول تكوين 1: 1 في بَدْء
سحيق، لكنها تجددت وترتبت فى الستة الأيام المُبينة بعد ذلك، وبين خلقها وتجديدها
فترة طويلة جدًا غير محدودة.
نقرأ
فى إشعياء 45: 18 «لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ
اللهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا
بَاطِلاً. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ ». كلمة ”بَاطِلة“ تعنى ”خَرِبَةً وَخَالِيَةً“. وفى أيوب 38: 5-7 قال الله لأيوب: «مَنْ وَضَعَ
قِيَاسَهَا (قياس الأرض)؟ ... أَوْ مَنْ مَدَّ عَلَيْهَا مِطْمَارًا؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قَرَّتْ قَوَاعِدُهَا؟ أَوْ مَنْ وَضَعَ حَجَرَ زَاوِيَتِهَا، عِنْدَمَا
تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ (الملائكة)؟»،
هذا عند خلق الأرض. ونفس كلمة ”خَلَقْهَا“
تعني ”أبدعها وأتقنها“، كما نقرأ فى رسالة العبرانيين «بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ
أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ» (عب11: 3). لم يخلقها الله خَرِبَة وَخَالِيَة، ولكنه –
تبارك اسمه - خلقها جميلة ومُتقنة. ومَنْ ذا الذي يستطيع أن يُتقن ويُبدع مثل الله؟
وبعد ذلك مرّت أحقاب حدث فيها الخراب. لماذا؟ غير مذكور فى الكتاب، لكن نعرف أن الخراب لا
يأتي إلا من الشيطان «وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ»، والظلمة لا تأتى إلا من
سلطان الظلمة. فلا شك أنه بعد أن ”تَرَنَّمَتْ
كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ (الملائكة)، بعد ذلك
بوقت لا نعرفه حدث سقوط الشيطان. وبسقوط
الشيطان أحدث هذا الخراب. ولا شك أن الله
بسبب لا نعرفه أوجد انقلابات وزلازل، قلبت الأرض رأسًا على عقب، وخرَّبتها وجعلت
المياه والظلمة تغمرها.
ونلاحظ
أن الظلمة لم تكن موجودة فى الأول، لأنه فى البدء خلق الله السَّماوات والأرض، ومن
ضمن السَّماوات الكواكب التى لم يصل إليها الخراب. والشمس متى خُلقت؟ ليس فى اليوم الرابع، ولكنها ظهرت فى اليوم
الرابع. وأيضًا القمر والنجوم خُلقت فى
البدء (ع١). وأما الخراب والظلمة فلم تأتِ
على السَّماوات بل على الأرض. أما السماوات فبقيت كما هى والأنوار الموجودة فى
السماء كما هى، لكن بسبب خراب الأرض وغضب الله على الأرض، حجب عنها أنوار السماء،
فصارت على الأرض ظلمة. عندما يحدث كسوف
مثلاً، هل تُصبح الأرض مُظلمة؟ نعم. لكن هل تكون الشمس غير موجودة؟ تكون موجودة ولكن حُجبت. الله حجب نورها عن الأرض. فالشمس كانت موجودة،
لكن بسبب عمل الشيطان، حُجِبت أنوار الشمس والقمر والنجوم عن الأرض، مع أنها كانت
موجودة فى السماوات التى لم يشملها الخراب «كَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً
وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ» (تك1: 2). لا يمكن أن يكون الله قد خلق الأرض خربة وخالية،
ولكن يمكن أن يعمل الله هذا الخراب عندما يغضب كما نقرأ فى إرميا 4: 23 «نَظَرْتُ
إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا هِيَ خَرِبَةٌ وَخَالِيَةٌ، وَإِلَى السَّمَاوَاتِ فَلاَ
نُورَ لَهَا». يتكلَّم إرميا النبى
هنا عن الأرض الحاضرة عندما يغضب عليها الرب. فإذًا ما حدث أولاً لا بد أنه كان من غضب الله
بسبب عمل الشيطان. ونقرأ أيضاً فى أيوب 9:
5-7 «الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا،
فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا. الآمِرُ
الشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ، وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ». فالرب الذي صنع، هو الذي غضب بسبب الشرير بدون
شك. يستنتج علماء الجيولوجيا من الحفريات
التى يجدونها، أنه مرَّت ملايين السنين. وقد قرأت فى الصحف أنهم وجدوا هيكلاً لتمساح
قدّروا عمره بـ ٤١ مليون سنة. ليكن، فإننا
لا نستغرب ذلك، فلا يوجد فى الكتاب المقدس ما يمنع ذلك. لقد مرّت أحقاب طويلة - ربما ملايين من السنين -
بين خلق الأرض، وما حدث فيها من خراب، وبين الوقت الذي فيه بدأ الله فى الستة
الأيام يجدد وجه الأرض. وقد استخدم الرب
الأحقاب الطويلة التى كانت فيها الأرض خربة وخالية، وذخر فى باطنها كنوزًا للإنسان
الذي كان عتيدًا أن يخلقه على الأرض. ونجد
هذا واضحًا فى المناجم التى يحفرونها عميقة، ويخرجون منها المعادن، من ذهب وفضة
ونحاس وحديد ومنجنيز وفحم وبترول. كانت
هناك أشجار تحلَّلت، وحيوانات تحجَّرت، ومن جميعها استخرجوا موادّ كيماوية، وغير
ذلك، لصالح الإنسان. نقرأ فى مزمور 95: 4 «الَّذِي
بِيَدِهِ مَقَاصِيرُ الأَرْضِ، وَخَزَائِنُ الْجِبَالِ لَهُ»؛ فالرب عمل خزائن فى
الجبال، والإنسان يُخرج من هذه الخزائن أشياء ثمينة مثل الماس الذي أصله فحم،
ونتيجة الانقلابات حدثت فيه تغيرات، حتى أمكن أن يطلع منه الماس وجواهر ثمينة. الرب دائمًا يحوّل الشر إلى خير. هل كان يوجد إنسان فى الأرض التى خربت؟ كلا. توصل العلماء إلى ما جعلهم يصلون إلى القمر
والمريخ والكواكب الأخرى، فهل وجدوا هناك أثرًا لحياة بشرية؟ كلا. ولماذا لا يمكن أن يكون ذلك؟ لأنه «هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: صَارَ آدَمُ،
الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا ... الإِنْسَانُ
الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ
السَّمَاءِ.» (1كو15: 45، 47).
الأرض
التى هى موضع اهتمام الله بعدما خُرِّبَت، جدَّدها لأجل الإنسان، لأن الإنسان هو
أعظم مخلوقات الله الذى وجد الله فيه لذته - ليس فى ذاته لكن العظمة استمدها من
سرور الله فيه، لأنه المخلوق الوحيد الذى نفخ فيه الله نسمة منه، ولأن آدم الأول
كان صورة لآدم الأخير «آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي» (رو5: 14)، الذى فيه
كانت أفكار الله الصالحة من نحونا، حيث قال: «وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ»
(أم8: 31).
ونلاحظ
أن الغمر والمياه كانت مخلوقة من الأول، ولم يخلقها الله فى الستة الأيام. ونجد فى تكوين١ كلمتى: ”خَلَقَ“ و”عَمِلَ“. الخَلق هو المكتوب عنه «بِالإِيمَانِ
نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ
يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ» (عب11: 3)؛ أي أن ما نراه لم يتكوَّن
من مادة كانت موجودة مِن قبل، لكن الله
خلقه من لا شيء. أما
كلمة ”عَمْل“ فتعنى أنه عُمل من مادة كانت موجودة منذ الخلق، والله عملها وهيأها.
«وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ» (تك1:
2). وهنا نرى تداخل الله فى مشهد الخراب
والظلمة، وهو صورة واضحة لاهتمام الله بنفس الإنسان. لقد خلق الله الإنسان مستقيمًا على حالة البرارة،
أما هو فسقط. وما الذي أسقطه وخرّبه؟ الشيطان الذي خرَّب الأرض الأولى، هو الذي خرَّب
الإنسان، فصارت نفس الإنسان خربة وخالية، تمامًا مثل الأرض. يوجد فراغ فى قلب الإنسان البعيد عن الله -
الإنسان الطبيعي الساقط - فراغ لا يمكن أن يملأه إلا الله. وكانت تغمر نفس الإنسان ”ظلمة“ لأنه صار مُستعبدًا
لسلطان الظلمة. لذلك يقول الرسول بولس: «شَاكِرِينَ
الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي
أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ
مَحَبَّتِهِ» (كو1: 12، 13). لقد تداخل
الله بروحه القدوس. إن روح الله الذي
أحيانا، والذي أنار قلوبنا، هو نفس روح الله الذي كان يرف على وجه المياه. «بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ
السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ (الذي هو الروح القدس) كُلُّ
جُنُودِهَا» (مز33: 6). فالخليقة
خُلقت، بكلمة الله وبروحه القدوس، وهي تُنسب لأقانيم اللاهوت الثلاثة، فالله الآب
خالق، والروح القدس خالق، والابن خالق؛ الذي «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ،
وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يو1: 3)، «فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ
الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى
... الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ» (كو1: 16). ولذلك نلاحظ أن أول كلمة فى الكتاب المقدس تعلن
الله الخالق (إيلوهيم) بصيغة الجمع «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ (إيلوهيم) السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ» (تك1: 1).
(يتبع) ناشد حنا