عدد رقم 4 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الأمانة في الوكالة  

ترد كلمة ”وكيل“ في مواضعٍ شتى بالعهد الجديد حيث تُترجم أحيانًا ”مُدير“ (لو16: 1- 13)، أو ”شخص مُؤتَمَنْ“ (1كو4: 1، 2).  وترد كذلك في العهد القديم بمعنى ”مسؤول“ (نح11: 22)، أو ”حاكم“ (1مل4: 7)، وأحيانًا بمعنى ”قائد“ (2مل25: 19)، أو ”ناظر“ (نح11: 9)، أو ”مُشرِف“ أو ”مُفوَّض“ (أس2: 3)، أو ”نائب“ (قض9: 28).

كان فكر الله من البداية أن يكون الإنسان وكيله ومُمثله على الأرض.  كان آدم في الجنة مُمثلاً لله، وأعطاه الرب الإله سلطانًا، لكنه بكل أسف سقط في الخطية وأضاع السلطان!  كما نجد في اختيار الرب لشعب اسرائيل رغبة الرب أن يكون هناك شعب يُمثله على الأرض، يهتم بمصالح الله بين الشعوب، وللأسف أيضًا لم يكن هذا الشعب - ولا المسيحية اليوم - أمينًا على هذه الوكالة . قال الرب عنهم: «جِيلاً زَائِغًا وَمَارِدًا، جِيلاً لَمْ يُثَبِّتْ قَلْبَهُ وَلَمْ تَكُنْ رُوحُهُ أَمِينَةً لِلهِ» (مز78: 8).

عندما نتتبع الآيات التي ورد بها الحديث عن ”الوكالة“، نجد أن الرب استأمن المؤمنين على أمور مختلفة «فَأَعْطَى ... كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ» (مت 25: 15).  من ضمن هذة الأمور، أهل بيت الله (المُترجَمة ”خَدَمَهُ“ في لوقا 12: 42)، وبيت الله ذاته ( تي1: 7).  كانت هذة هي العادة قديمًا عند الأغنياء أن يُعِّينوا شخصًا يهتم بالبيت ومن فيه كما كان أليعازر الدمشقي في بيت إبراهيم، وكما كان يوسف مُوَّكلاً على بيت فوطيفار ثم بيت السجن.  في بيت الرب في العهد القديم كان هناك وكلاء (عد 3: 32، 36؛ 1أخ 24: 19)، كما كان لسليمان اثنا عشر وكيلاً على جميع اسرائيل يمتارون للملك وبيته؛ أي يمدون الملك وبيته بالمؤن (1مل4: 7)، هكذا في بيت الله هناك وكلاء يعملون لأجل الرب ولأجل بيته ولكل واحدٍ عمله (مر13: 34).  والأمانة في هذة الدائرة هي الخدمة في بيت الله والاهتمام بشئونه وأهله.  في لوقا 12: 42 يقول الرب أن الوكيل الأمين الحكيم قد أقامه سيده، لم يُقم نفسه بل أقامه سيده، وأقامه على خَدمَه (أهل بيته كما سبقت الإشارة)، ليُعطيهم العلوفة (حصة الطعام) في حينها.  ليس فقط ينبغي أن يكون أمينًا، بل أيضًا حكيمًا، ليعرف ما هو الطعام المناسب، وما هو الوقت المناسب، لتقديم هذا الطعام!  إنه يخدم الآخرين وليس نفسه، ويخدم الخدمة الُمحدَّدة له من سَيِّده، بحسب الموهبة التي أعطاها له، ولا يتجاوزها لشيء آخر (1بط4: 10).  يحتاج بيت الرب لأمور كثيرة، وأسند الرب الكثير من مهمة تسديد هذه الاحتياجات لنا؛ ليساعدنا الرب أن نكون أمناء وحكماء.

يقول الكتاب عن صموئيل أنه قد «اؤْتُمِنَ نَبِيًّا لِلرَّبِّ» (1صم3: 20)، وكان صموئيل رجل الله وممثلاً لله وسط شعبه بشكل رائع، ليس فقط من جهة إعلانه لأفكار الله، لكن كذلك من جهة محبته لشعب الرب وتشفعه لأجلهم وقيادته لهم في أوقات عصيبة، وإنكاره لذاته، لم يطمع في شيء مما عندهم بل خدمهم بكل محبة وإنكار للذات (راجع 1 صم 12 )

استأمن الرب كذلك الرسل والأنبياء على سرائره أي أسراره «هكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ، وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا» (1كو4: 1، 2)، وهؤلاء بدورهم سلَّموها للمؤمنين.  أسرار الله تعني الأمور التي لم تكن مُعلنة، وإنما أعلنها الله بالروح القدس فيما بعد، مثل سر اتحاد اليهود والأمم في كيان روحي واحد جديد هو الكنيسة (أف3: 9)، وسر اتحاد المسيح والكنيسة (أف5: 32)، وسر القساوة الجزئية لإسرائيل ( رو 11: 25)، وأمور أخرى يذكرها الوحي في العهد الجديد.  الأمانة هنا هي إعلان هذا الحق وتوصيله للآخرين نقيًا بحسب ما يقوله الكتاب.  لا يُنتظر أن ذلك سيلقى قبولاً من الأغلبية، لكن الوكيل الأمين هو من يعلن فكر الله بغض النظر عن قبول الناس له أو رفضهم.  مدح الرب ملاك كنيسة فيلادلفيا لأنه حفظ كلمة الله، ولم ينكر اسمه (رؤ3: 8 ).  كان أبفراس خادمًا أمينًا للمسيح (كو1: 7)، وكذلك تيخيكس (أف 6: 21؛ كو 4: 7)، وهناك إخوة أمناء مثل أنسيمس (كو4: 9)، وسلوانس (1بط5: 12).  كان البعض أمناء حتى الموت في تبعيتهم للرب وإخلاصهم له مثل أنتيباس (رؤ2: 13).  هؤلاء يُشبهون الرب يسوع الذي هو «الشاهد الأمين» (رؤ1: 5؛ 3: 14).  هناك حاجه لشخاص أمناء وأَكْفاءْ، تعلَّموا من كلمة الله ويعلِّمونها للآخرين ( 2تي2: 2).

الأمانة في أمور الحياة البسيطة والمعتادة مؤهل لا غنى عنه لمن يستأمنهم الرب على الحق كما قال السَيِّد: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟» (لو16: 11).

المؤمنون أيضًا بصفة عامة ومن أعطاهم الرب موهبة التبشير بصفة خاصة هم وكلاء على الكرازة بالإنجيل «لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُبَشِّرُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ، إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ.  فَإِنَّهُ إِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ هذَا طَوْعًا فَلِي أَجْرٌ، وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَرْهًا فَقَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ» (1كو9: 16، 17).  والوكيل الأمين هنا هو الذي يبالي بالنفوس ومصيرها الأبدي، يحتمل المشقات لأجل الإنجيل (2تي1: 8)، حتى القيود (السجن)، والموت ( 2تي2: 9).  الوكيل الأمين الحكيم من جهة الكرازة بالإنجيل، كما يظهر في بولس في 1كورنثوس 9: 16–27، لا يُعِّطل الإنجيل، ويتخلى عن حقوقه الشخصية إن لزم الأمر (ع 18، 19)، قلبه متسع للجميع ويقبل الجميع ويفهمهم، ولديه المهارة في ربحهم للمسيح (ع20- 23).  كما أنه يركض عالمًا أنه وقت للسعي وليس للنوم، ولا ينشغل إلا بالهدف الذي أمامه الذي هو ربح النفوس للمسيح (ع24).  وفي ركضه يجاهد ويضبط نفسه في كل شيء بل يقمع جسده ويستعبده (ع25-27).

ربما في هذة الأمور الثلاثة،  بيت الله وأسرار الله وإنجيل الله، هناك وكالات خاصة مع أنه كما رأينا هناك أشياء يشترك فيها جميع المؤمنين!

نحن أيضًا وكلاء على عطايا الله، مثل المال ولقد ركز الكتاب كثيرًا على الأمانة من جهة المال، وعلَّمنا أننا لسنا مُلَّاك لكن وكلاء والفارق كبير!

المالك يستخدم ما لديه بحسب استحسانه ومصالحه تأتي أولاً، أما الوكيل هو مَن يستخدم ما أُعطيه بحسب فكر سَيِّده، ومصالح سَيِّده تأتي أولاً.  من الواضح أن الرب يريدنا أن نستثمر المال في بيته «هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ، وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ» (ملا 3: 10)، كان هناك خزانه في بيت الرب ( يش 6: 24) لعمل الرب ( عز 2: 69)، وظل الأمر هكذا في الهيكل بعد ذلك  ( لو21: 1؛ يو 8: 20).

لم يُعلِّمنا العهد الجديد كم نعطي من المال؟  للفقراء ولعمل الرب، لكنه علمَّنا أن العطاء يكون بسخاء ( رو12: 8 )، وبسرور ( 2كو9: 7 )، حسب الطاقة والإمكانيات (1كو16: 2؛ 2كو 8: 3).  الأمانة في وكالتنا على المال تستلزم وضع احتياجات القديسين وعمل الرب أولاً، وتخصيص وفرز نصيب الرب واستعماله لغرضه (1كو16: 2).  أخذ ما للرب والاحتفاظ به لذواتنا يسميه الكتاب اختلاسًا (أع 5: 2، 3)، ونهانا عنه ( تي2: 10).  ليس فقط الأولوية والتخصيص، لكن كذلك حُسن الاستغلال، وهذا ما علمنا إياه الرب نفسه في معجزة إشباع الجموع عندما أمر التلاميذ قائلاً: «اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ» (يو6: 12).  القائمين أيضًا على الخدمات المالية وسط شعب الله يجب أن يكونوا أشخاصاً أمناء ( نح 13: 13)

يمكننا أيضًا أن نعتبر الوقت والصحة والأولاد والإمكانيات الطبيعية،  بل وجميع ما عندنا هو عطية من الرب ( يع1: 17)، وهو وكالة في ذات الوقت.  نعم، ما أثمن وما أكثر ما ائتمننا الرب عليه!  «لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ» (1أخ29: 14).

هناك مشجعات كثيرة للأمناء ولا سيما في الأيام الأخيرة التي فيها انقطع الأمناء ( مز12: 1)، لكن عينا الرب عليهم (مز101: 6) ، إنه يُقيمهم على أغلى ما له ( لو12: 42)، ويُعطيهم وكالات متزايدة (مت 25: 21)، ولهم تمتع خاص في المجد، ومدح ومكافآت أمام كرسي المسيح (2كو5: 10).

ليعطنا الرب أن نشكر النعمة التي استأمنتنا، ونُكرم السَيِّد الذي أعطانا، ونكون أمناء في وكالتنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com