(مت 2:8-4 ؛ مر40:1-45 ؛ لو 12:5-16)
أول معجزة في الأناجيل!
«وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ
جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ
تُطَهِّرَنِي. فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ
وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!
وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ. فَقَالَ
لَهُ يَسُوعُ: انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ
لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً
لَهُمْ» (مت8: 2-4)
البرص مرض رهيب بشع. كان اليهودي في العهد القديم يعرف
كم هو كريه في نظر الله، فعنه أفرد سفر اللاويين (سفر الاقتراب إلى الله) أصحاحين
كاملين (لا 13؛ 14). وبحسب التعليمات الإلهية التي وردت فيهما نجد ما يلي:
أولاً:
كان على الأبْرَص أن يعيش خارج المحلة، بعيدًا عن مكان سكنى الله وسط شعبه. فيصبح
منبوذًا من المجتمع، «يُقِيمُ وَحْدَهُ. خَارِجَ الْمَحَلَّةِ يَكُونُ
مُقَامُهُ» (لا13: 13)، «تُقْطَعُ
تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا»، وتُقْطَعُ مِنْ «أَرْضِ الأَحْيَاءِ». فمع أنه
حي لكنه يصبح كالميت (عد12: 12).
ثانيًا:
كان على الأبْرَص أن يشق ثيابه «الأَبْرَصُ الَّذِي فِيهِ الضَّرْبَةُ، تَكُونُ
ثِيَابُهُ مَشْقُوقَةً» (لا13: 34)، فالبرص إذًا مجلبة للعار. وكان عليه أن
يكشف رأسه (دلالة على الخزي والفضيحة، انظر عدد 5: 18). وكان عليه أيضًا أن يُغطى شاربيه فلا مجال
للتفاخر بشيء، بل على العكس كان عليه أن يُنَادِي: «نَجِسٌ، نَجِسٌ»، مما يعمق فيه
الإحساس بمقدار حالته الكريهة.
ثالثًا:
لم يعط الله أية تعليمات معينة لعلاج البرص، فهو لا أمل في علاجه (إلا عند الله)
ولذا فلم يطلب الله عرض الأبرص على الطبيب، بل على الكاهن، بل إن التعليمات التي
أعطاها الله لتُعمل مع الأبْرَص ”يَوْمَ طُهْرِهِ“ لا نقرأ في العهد القديم أنها
عُملت ولو مرة واحدة. فالكتاب لا يحدثنا إلا عن تطهير نعمان، قائد جيش ملك أرام،
من برصه.
وتوضيحًا لحقيقة عدم إمكانية شفاء البرص إلا عند الله
نتذكر أن نعمان السرياني، لما جاء إلى ملك إسرائيل ومعه رسالة من ملك أرام لكي يشفيه
من برصه، مَزَّقَ ملك إسرائيل ثيابه وقال: «هَلْ أَنَا اللهُ لِكَيْ أُمِيتَ
وَأُحْيِيَ، حَتَّى إِنَّ هذَا يُرْسِلُ إِلَيَّ أَنْ أَشْفِيَ رَجُلاً مِنْ
بَرَصِهِ؟» (2مل5: 7).
ومن هذه الأمور الثلاثة يتضح لنا المُشابهة القوية بين
ضربة البرص وبين الخطية:
* فالخطية تفصل الإنسان من الآن، وستفصله إلى أبد
الآبدين، عن الله.
* ثم إن الخطية نجاسة كقول إشعياء: «صِرْنَا كُلُّنَا
كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا ... وَآثَامُنَا كَرِيحٍ
تَحْمِلُنَا» (إش64: 6).
* وأخيرًا ليس من يُخلِّص من الخطية سوى الله!
جاء الأبْرَص، موضوع هذه المعجزة، وسجد للرب وقال له: «يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ
تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي». كان هذا الأبْرَص واثقًا في قدرة الرب على الشفاء، لكنه كان يشك في إرادته.
لماذا؟ ربما كان يفكر في نفسه أن حالته فريدة، وأن
مشكلته ليس لها نظير. فمع أن الرب شفى
كثيرين، لكن البرص نوع من المرض قائم بذاته.
إنه أردأ كل أنواع المرض على الإطلاق. ولذا راوده هذا التساؤل: تُرى هل
يرغب الرب في مساعدة واحد مثلي؟!
ولقد كان رد الرب على هذا الأبرص
في كلمتين اثنتين: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». وما أعظم ما تعنيه هذه العبارة القصيرة «أُرِيدُ». إنها تعبر عن العواطف الرقيقة، كما تعبر أيضًا
عن السلطان المطلق. فمن سوى الله الظاهر
في الجسد جدير بأن يقول: «أُرِيدُ»؟
وعلى الجانب المقابل نقرأ عن شخص آخر، هو أبو الولد
المصروع ... لم يكن يشك في إرادة الرب، بل في قدرته، إذ قال له «إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئًا
فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا» (مر9: 23). لكن مجدًا للرب الذي يقدر (إش50: 2)، والذي يُرِيدُ
(1تي2: 4)!
والرب يسوع قبل أن يقول «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!»، مَدَّ
يَدَهُ وَلَمَسَ الأبْرَص. إن أليشع في يومه، عندما طهر نعمان السرياني من برصه،
لم يستطع أن يردد يده على موضع الداء كما ظن نعمان (2مل5: 11)، فالشريعة تمنع ذلك
(لا 13؛ عد 5). وأليشع لأنه إنسان، فهو
عرضة لأن يتنجس، أما رب اليشع، ”عمانوئيل“،
الذي يطهر الأبرص بمطلق إرادته، فحاشا له أن يتنجس.
لكن لماذا قصد الرب أن يلمس هذا الأبرص؟ لعل الرب قصد بهذه اللمسة أن يُعالج شك ذلك
الإنسان المسكين في محبة الرب له، هذا الشك الذي عبر عنه بالقول: «يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ
تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي». فكانت لمسة الرب له التي سبقت كلمته الحلوة «أُرِيدُ»، علاجًا ثنائيًا لهواجسه ... ومن يستطيع وصف شعور ذلك الإنسان البائس عندما
لمسه الرب؟! واليوم كم من نفوس برصاء
بالخطية تحتاج إلى تلامس بالنعمة والمحبة معها.
فهل نقتدي بالمسيح قدوتنا ونفعل لهم ذلك؟!
لكننا في لمس الرب لهذا الأبرص، يُمكننا أن نستخلص مغزى
أبعد. فبهذه اللمسة كأن الرب قبل أن يتحد
نفسه به، وبالتالي قبل أن تنتقل نجاسته إليه هو، تبارك اسمه. وهذا يأخذ فكرنا من
معجزة التطهير التي لم تكلف الرب سوى كلمة، إلى الصليب، حيث تألم القدوس «خَارِجَ الْبَابِ» (عب13: 12)، مكان
الخطاة النجسين. وهناك جعله الله خطية لأجلنا، وهو الذي لم يعرف خطية، لنصير نحن
بر الله فيه (2كو5: 21).
وبعدما طهر الرب الرجل الأبرص، أنذره بلهجة شديدة ألا
يقول لأحد. فذلك المتواضع لم تكن الشهرة تستهويه، بل لقد طلب منه أن يعرض نفسه على
الكاهن، ويُقدِّم «الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ».
فهذه المعجزة، كما قلنا، هي أول معجزة مذكورة في الأناجيل. وفي الأناجيل نحن لم
نصل بعد إلى جو النعمة الصافي وبشارتها الغنية التي بدأت بعد الصليب.
والناموس، مع أنه ليس فيه القدرة على تطهير الأبرص، فإنه
يطالب بقربان. أما النعمة التي في المسيح، فلا تطالبنا بشيء على الإطلاق، بل قدمت
لنا هذه النعمة هبة الله العظمى وعطيته التي لا يعبر عنها!!
«قَدِّمِ الْقُرْبَانَ ... شَهَادَةً لَهُمْ» ... ونحن كما قلنا، نعتقد أن هذا الْقُرْبَان لم يقدم طوال العهد القديم ولا
مرة واحدة. حيث باستثناء مريم أخت هرون، لا نعلم أن أحدًا تحت الناموس قد شُفي من
ضربة البرص.
ولا نستبعد أن يكون الكاهن الذي
ذهب إليه الأبْرَص المتطهر في ذلك اليوم، هو أول من نفذ الشريعة الخاصة بتطهير الأبرص،
ثم توالى تنفيذها بعد ذلك مرات طوال فترة خدمة الرب له المجد (مت11: 5). ويا لها من شهادة قوية، فإن استعصى شفاء الأبْرَص
عند الناس، لكنه لا يستعصى على الله. وها
هو تعالى فيما بينهم ”عمانوئيل“ الذي تفسيره الله معنا!
«وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ
النَّبِيِّ الْقَائِلِ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا»» (مت8: 16، 17)؛ فالمسيح هو الطبيب الوحيد الذي شفي مرضاه بأن أخذ أسقامهم
وحمل أمراضهم!
لقد علق على تلك المعجزة مرقس البشير بقوله إن الرب لم
يعد يدخل مدينة ظاهرًا، بل كان خارجًا في مواضع خالية. وكانوا يأتون إليه من كل ناحية. فالرب - له
المجد - لكي يمنح لأمثال هذا الأبْرَص فرصة الالتقاء به، رضى أن يمشي خارجًا، بل
فيما بعد، رضى من أجل الخطاة النجسين أن يموت «خَارِجَ الْبَابِ» (عب13: 12). ولقد كانوا يأتون إليه
من كل ناحية. ولا زالوا حتى الآن يأتون
إليه. فلماذا لا تأتي أنت؟ وحتى القرابين التي كان على الأبْرَص أن يقدمها
”يَوْمَ طُهْرِهِ“، أنت لست بحاجة إلى أن تُقدّمها. فلقد كانت كلها تشير إلى
المسيح وعمله فوق الصليب. وهذا ما قدَّمه الله لأجلنا من نحو ألفي سنة. وأَليس عجيبًا أن يُقدِّم الله أفضل من في
السماء (ابنه الوحيد) لأجل أنجس من على الأرض!