عدد رقم 4 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الاتجاه المعاكس  

ما أكثر الحوادث المأساوية في هذه الأيام بسبب السير عكس الاتجاه، ورغم أن سير المركبات في الاتجاه المعاكس جريمة يعاقب عليها القانون، ورغم التحذيرات المتكررة، للتصدي لهذه الجريمة التي يُطلِق عليها رجال المرور ”انتحار“، وهي من  المخالفات التي لا يجوز فيها التصالح، حيث يُعاقب عليها القانون بالحبس والغرامة، إلا أن بعض الأشخاص العابثين بأمنهم، وأمن غيرهم، يضربون بقواعد المرور عَرض الحائط، ويسيرون عكس الاتجاه، ويتسببون في كوارث مدمّرة، لكن نحن هنا نتحدث عن  ما هو أسوأ من ذلك بكثير وهو السير عكس كل ما هو إلهي وأبدي، وسنرى هنا بعض ممن ساروا في الاتجاه المعاكس وحصدوا نتائج ما أمرها.!

(1)  آدم وسقوط البشرية:

لقد «أَوصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».  لكن للأسف! سار آدم عكس الاتجاه «فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ.  فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ» (تك3: 6)، وبذلك جَرّ  آدم معه كل البشرية و كانت النتيجة: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ» (رو5: 12).

(2)  قايين والديانة الجسدية:

أتخيل قايين وهو يقرع باب السماء، يتمنى عفو ربه ورضاه؛ أسمعه وكأنه يقول لله: ”أنا قايين ابن آدم ، لقد أتيتُ إليك بقرابيني، ها أنا أحملها بيميني، من الحقل قطفتُها وفي حقيبتي وضعتُها، فانظر إلى قرابيني، فنظرة منك تكفيني، وتحييني“!  لكن الرب نظر إلى هابيل وقربانه، الذي كان من أبكار غنمه ومن سمانها، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر.  فاغتاظ قايين،  ولم يقبل من الرب النصيحة، ولم يقنع بالذبيحة، وسار في الاتجاه المعاكس، فقام على أخيه وقتله، هذا هو أول متدين،  وأول قاتل أيضًا!  وكم من البشر في ذات الطريق يسيرون، حقائب تعبهم يحملون، وكأنهم عن جدارة لرضا ربهم يستحقون، إخوتهم يبغضون، ويقتلون، وهم إلى السجن الأبدي ينحدرون، إذ هم واهمون ولا يدرون!  ونسوا المسيح الذبيح، الذي «لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ» (أع4: 12)، الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى السماء (يو14: 6)، «وَيْلٌ لَهُمْ!  لأَنَّهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَ قَايِينَ» (يه11).

(3)  لوط والمطامع الأرضية:

 لقد ترك لوط عمه إبراهيم خليل الله، وسار عكس الاتجاه «اخْتَارَ لِنَفْسِهِ كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ وَارْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقاً.  فَاعْتَزَلَ الْوَاحِدُ عَنِ الْآخَرِ.  أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ.  وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَاراً وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا» (تك13: 11-13).  وكانت النتيجة أن خسر المال والثروة، حتى زوجته  صارت عمود ملح، وصدق الكتاب  حين قال: «وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ، لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ» (1تي6: 9، 10).  ولقد قال الرب يسوع: «لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟» (مر8: 36).

(4)   يونان والتنمر والعنصرية:

«صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ: «قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى(شرقًا) الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي.  فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ (في إسبانيا غربًا) مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ فَنَزَلَ إِلَى يَافَا وَوَجَدَ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى تَرْشِيشَ فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا وَنَزَلَ فِيهَا لِيَذْهَبَ مَعَهُمْ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ» (يون1: 2، 3).  ظن يونان أن الله يحب شعبه فقط، ويتعامل معهم وحدهم، ولم يعلم «أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ (أي ليس عنده محاباة).  بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ» (أع10: 34، 35)، وأنه -  تبارك اسمه - «يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ» (1تي2: 4)، وكانت نتيجة  سير يونان في الاتجاه  المعاكس، أن الرَّبُّ أَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ «فَكَانَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ» (يون1: 17).

(5)  شمشون والشهوات الجنسية:

كان شمشون نذيرً ا من بطن أمه ويعرف جيدًا أنه مكتوب: «لا تَزْنِ ...  وَلا تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ» (تث5: 18، 21)، لكنه سار وراء شهواته، وكانت النتيجة أن «أَخَذَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَقَلَعُوا عَيْنَيْهِ، وَنَزَلُوا بِهِ إِلَى غَّزَةَ وَأَوْثَقُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ. وَكَانَ يَطْحَنُ فِي بَيْتِ السِّجْن» (قض16: 21).  إنها الخطية الأشهر، والأكبر، فكم من بيوت خُرِبَت، وعلاقات تشوّهت، وأمنيات لكثير من الأبناء تحطّمت وتدمرت، بسبب نزوات عابرة ، وعلاقات فاسدة!!

إن السير في النجاسة، والابتعاد عن أجواء القداسة، يجلب للإنسان المتاعب، لذا ليتنا نسير في الاتجاه الصحيح، وفي الطريق الصحيح.  وهذا واضح كل الوضوح، فلم يقل المسيح جئتُ لأشرح لكم الطريق، أو أعلمكم الطريق، أو أعطيكم خارطة طريق؛ بل أعلن بكل وضوح : ”أنا هو الطريق“.

والمشكلة أن الناس يريدون طريق الرب، وفي نفس الوقت يسيرون في الطريق المعاكس «تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ» (أم14: 12).

يحبون الطريق الواسع، لأنه يضم الملحدين والشهوانيين، وأصحاب الإرادة الذاتية، والحرية  الوهمية، هو طريق لا يحتاج  إلى  قرار، لأنه مريح، إذ  يقبل كل الأهواء والمعتقدات، والهرطقات،  فلا يُغضب أحدًا، فكل شيء مُباح، ومُتاح، وكل واحد يفعل ما يحسن في عينيه، كما يقولون: ”أنت حر ما لم تضر!“، ويكفي  جدًا أن تمارس بعض الشعائر والطقوس وأعمال الخير، كقايين،  لراحة أو لتخدير الضمير، إنه طريق  الملايين، فليتك تُقبل إلى الطريق الصحيح، وتتصالح مع الله بفداء وكفارة المسيح.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com