عدد رقم 4 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
النَّاصِرَةُ  

«أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟»

(يو1: 46)

تأملنا في العدد السابق في علاقة المسيح بمدينة بيت لحم، وفي هذا العدد سنتناول علاقته - تبارك اسمه - بمدينة النَّاصِرَة. 

النَّاصِرة وسنوات الصمت (لو2: 39-52):

من متى2: 23،4: 13 تتحدد مدة إقامة يسوع المسيح في الناصرة.  والواقع أنه في تلك القرية، بين التلال الواقعة غربي بحر الجليل، قضى ربنا يسوع الجزء الأكبر من حياته على الأرض.  هناك «كَانَ قَدْ تَرَبَّى» كما يقول لوقا (لو4: 16).

كان ينمو في كل شيء نموًا طبيعيًا.  لقد كان ناسوته طبيعيًا كاملاً.  وقد نمت حكمته جنبًا إلى جنب مع قامته وسنه، كان أولاً طفلاً، ثم رجلاً؛ هكذا نراه في لوقا 2: 40 في طفولته، وفي لوقا 2: 52 في شبابه.  كان كاملاً في كل المراحل، وكان يسلك في كل شيء بما يناسب سنه والمركز الذي أخذه.

ويا له من مثال للشباب الذين يريدون أن يسبقوا الزمن، ويقومون بما لم يُعهد به إليهم بعد، أو للشيوخ الذين كثيرًا ما يتصرفون كغلمان، ناسين الخدمة التي ائتمنهم الرب عليه، مُهملين استخدام الموهبة التي أخذوها «كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ» (1بط4: 10).  فمثلاً لا يليق بشاب حديث السن أن يأخذ في الاجتماع مركز المعلم لشيوخ من حوله،  بل عليه أن يُمارس محبته للرب ولإخوته، ويصلي في اجتماعات الصلاة، ويتعلَّم مِمَن هم أكثر اختبارًا وأعمق فهمًا لكلمة الله، حتى ينمو في النعمة وفي معرفة ربنا يسوع المسيح (2بط3: 18)، وعندئذ تكون الكلمة في أوانها - بحسب ما يقوده الرب - مقبولة، بل ومرغوبة أيضًا.

لم تذكر كلمة الله لنا أية معجزة صنعها الرب يسوع في طفولته أو في حداثته،  فإن الوقت لم يكن قد أتى بعد.  لكن لما جاء الوقت لم يُقصِّر قط في إتمام خدمته.  ففي طفولته وصباه كان خاضعًا لأبويه، لكن في دور الخدمة فيما بعد لما أرادت أمه وأخوته أن يُعطلوا بعضًا من نشاطه نراه يتجاهلهم.

في كل شيء تصرف كما يليق بطفل، ولكن روح الله أراد أن يسجل لنا واقعة عيد الفصح في أورشليم (لو2: 41-50)، لكي يرينا أنه في سن الثانية عشرة كان يُدرك أنه المُرسَل من الآب، وأن مكانه كان هو الهيكل، لا ليُعلِّم، كما فعل بعد ذلك المرات الكثيرة وإلى آخر أيام حياته، ولا لكي يطرد منه الدخلاء؛ بل ليجلس «فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ».  فلم يكن يليق به وهو صبي أن يُعلِّمهم، لكن كانت أسئلته وأجوبته دقيقة ومدهشة، حتى أن «كُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ» (لو2: 46،47).

هناك درس آخر نستخلصه من التطبيق الأدبي لهذا المشهد.  فأحيانًا نفقد الشركة بسهولة مع الرب، وكثيرًا ما لا نشعر بذلك.  لقد ذهب أبواه مسيرة يوم «وَلَمْ يَعْلَمَا» أن الصبي يسوع لم يكن معهما.  وشمشون بعد ما حُلِقت خصل شعر رأسه ظن أيضًا أنه لا يزال محتفظًا بقوته الخارقة «وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَارَقَهُ» (قض16: 20).  وفي سفر النشيد لا تريد العروس أن تتعب وتفتح بابها بينما حبيبها يقرع، بل تقول «قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي، فَكَيْفَ أَلْبَسُهُ؟  قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟» (نش5: 3).  ولما قامت لتفتح إذا به قد تحول وعبر.  هكذا الحال، فكل شر أو إهمال يتأتى منا عن وعي به، ولا ندينه ونحكم عليه؛ كفيل بأن يقطع شركتنا مع الرب ويحرمنا من التمتع بمحبته.

وقد نسترد الشركة سريعًا، إذا نحن حكمنا على أنفسنا واعترافنا على الفور للرب بالسبب في قطع الشركة.  ولكن أيضًا قد يتعوَّق رد النفس ويستلزم الأمر تدريبًا طويلا.  لقد ظل يوسف ومريم ثلاثة أيام يطلبان الصبي في أورشليم ولم يجداه، لأنهما لم يفكرا في البحث عنه في الهيكل (مز27: 4).

المعمودية (مت3: 13-17؛ لو3: 22، 21):

يُخبرنا البشير مَتَّى أنه قبل أن يترك الرب قرية النَّاصِرة ليأتي ويسكن في كَفْرَنَاحُومَ «جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ».  لقد أعلن يوحنا المعمدان أن ملكوت السماوات قد اقترب، كما تكلَّم عن قوة ذاك الذي سيأتي بعده، الذي يوحنا لم يكن أهلاً لأن يحمل حذاءه.  وحذر من دينونة سيجريها هذا الآتي، إذ سينقي بيدره ويحرق التبن بنار لا تطفأ.  وعلى ذلك كان المتوقع هو أن يظهر الرب يسوع كالملك في جلال مجده القضائي.

لكن جاء يسوع إلى الأردن من الجليل - الكورة المحتقرة في أرض إسرائيل، وذلك ليس ليتوَّج، بل «لِيَعْتَمِدَ».  فهو قد جاء ليحمل في نفسه علامة الموت.  وأخذ مكانه بين التائبين في إسرائيل، المعترفين بخطاياهم، حتى تتهيأ قلوبهم لقبول الآتي.  لم يكن هو في حاجة إلى التوبة في شيء، لكن لاق به - وكان أيضًا في ذلك بارًا - أن ينضم إلى زمرة الطالبين الله ”أخذ أمام الله مركزه بين أذل الشعب، وهذا يتفق مع المركز الذي أخذه في العالم“.  لكن الآب شاء أن يُميِّزه عن الكل.  فبعد أن «تكلَّم عَنْهُ» أولئك الذين ذكرهم لوقا في الأصحاحات الثلاثة الأولى من إنجيله، جاء صوت الآب نفسه قائلاً: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ».

زيارات للنَّاصِرة:

هل زار الرب قرية النَّاصِرة بعد ذلك أكثر من مرة في مدة خدمته؟  من الصعب أن نجزم بذلك.  من المحتمل أن يكون لوقا 4: 16-30 قد جمع زيارتين أو ثلاثًا متتاليات، إحداها المذكورة في متى 13: 54-58 ومرقس 6: 1-6، وقد تكون – كما يُفهم من لوقا - زيارة واحدة، رُحب به في أولها، ورُفض في نهايتها.

«وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ»؛ كانت هذه عادته منذ الطفولة، وفي ذلك يترك لنا مثالاً لما يجب أن نفعله مع أولادنا، ففي الثانية عشر من عمره، لما أراد أبواه أن يصعدا إلى أورشليم في الفصح، كان هو في صحبتهم. وهكذا ينبغي أن نصطحب أولادنا من طفوليتهم معنا يوم الرب، حين نذهب لنصنع ذكرى موته من أجلنا.

وفي المجمع كانت العيون شاخصة إليه لما قرأ من سفر إشعياء الفصل الذي يتكلَّم عن النعمة.  وقد توقف عن القراءة عند الكلمات التي تعلن الدينونة.  والجميع تعجبوا من كلمات النعمة الخارجة من فمه، فيبرز واحد من أمجاده؛ انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيهِ“ (مز45: 2).  فهو قد مُسِح ليبشر المساكين، ويشفي المنكسري القلوب، لينادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، ويرسل المنسحقين في الحرية، ويكرز بسنة الرب المقبولة؛ هذه السنة المقبولة التي لم تنتهِ بعد «هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ» (2كو6: 2).

ولكن لن يدوم الحال هكذا، ففي رؤيا 5 نراه من جديد والعيون شاخصة إليه، وهو ممسك بسفر ليس هو سفر النعمة، بل سفر الدينونات التي ستنصب على رافضي محبته في يوم غضب الخروف (رؤ6: 16).

«فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ».  كم سنة قضاها في النَّاصِرة في كل وداعة وخضوع؟  كان آنذاك ينمو في النعمة عند الله وعند الناس، وها هو يحصد من قومه، وبدل محبته يخاصمونه (مز109: 4).

كان ممكنًا أن يدع الجمهور الغاضب يُلقيه من على حافة الجبل، فيتمجَّد أمامهم، إذ يصل إلى سفحه سالمًا محفوظًا، تمامًا كما كان ذلك مستطاع لديه عند تجربة الشيطان له أن يُلقي بنفسه من على جناح الهيكل ولا يُضَر، ولكن عندما كان الخطر يواجه حياته لم يكن يعمل ما يدهش العالم أو يثير إعجابهم، ولكنه على العكس، كان يتوارى.  بالتأكيد كان سيصل سالمًا إلى أسفل الجبل، كما إلى أسفل الهيكل، ولكن كيف كان يمكن أن يتم المكتوب عنه إنه لم يطلب مجد نفسه؟  «أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى»؛ جاز ومضى غير ملحوظ ولا معروف، متخفيًا في صورة عبد.

يا له من شعاع من المجد الإلهي يسطع من هذا الإنسان الذي تحول في هدوء في مواجهة المجمع الثائر، واجتاز في وسطهم دون أن يجرؤ أحد أن يضع عليه يدًا!

وفي مرقس 6: 1-6؛ متى13: 54-58 نراه أيضًا في الناصرة، محتقرًا ومرذولاً «أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟  أَوَ لَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟  فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ».  لقد عاش بينهم دهرًا، وصنع فى وسطهم معجزات عديدة، ولمعت أمامهم حكمته، ومع ذلك لم يعتدوا به.  أفلا يدهشنا ذلك؟  وماذا نقول عن شبابنا، بنين وبنات، الذين عاشوا في بيوت مسيحية، وسمعوا كثيرًا عن الرب ونعمته منذ نعومة أظفارهم، بل وربما تأثروا حينًا بنعمته، ولكنهم تحولوا عنه، ولم يعودوا يعتدون به ولا بكلمته، بل يزدرون بدمه وبروح النعمة؟ (عب10: 29).

«وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً»؛ فليس هناك خلاص للأشرار الذين يرفضون المُخلِّص.  لكن الكلمة تضيف القول «غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ».  فالنعمة استطاعت أن تصل إلى مَن كانوا في حاجة إليها، وهناك وُجِد شعاعًا خافتًا من الإيمان، اجتذب قوته ونعمته فعمل وشفى، بالرغم من حالة عدم الإيمان التي سادت بينهم.

يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ:

هذا الاسم - اسم الاحتقار - ورد أربع عشرة مرة في الأناجيل وسبع مرات في سفر الأعمال، أي إحدى وعشرين مرة في العهد الجديد.  والله لم يحتقر النَّاصِرة، ولكن الإنسان أحتقر يسوع لأنه جاء من النَّاصِرة.

لما جاء 45 فِيلُبُّسُ إلى نَثَنَائِيلَ وقال له: «وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ»، قال له نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟»، مُعبِّرًا بذلك عن نظرة الاحتقار لتلك القرية.  والجمع يقول لبَارْتِيمَاوُس الأعمى «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مُجْتَازٌ»، لكن الأعمى مفتوح البصيرة يصرخ قائلاً: «يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!».  والعسكر أيضًا في جثسيماني كانوا يطلبون «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ» (يو18: 5، 7).  وهكذا تسميه الجارية التي أنكره أمامها بطرس (مر14: 76)، وأيضًا بيلاطس في الكتابة التي وضعها على الصليب يقول: «يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ» (يو19: 19).

لكن في صباح القيامة ينطق الملاك بنفس هذا اللقب للنساء اللواتي أتين إلى القبر قائلاً «لاَ تَنْدَهِشْنَ!  أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ!» (مر16: 6)؛ فيجعله من ألقاب أمجاده. وتلميذا عمواس تكلَّما أيضًا عن ”يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ“، وأنه «كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ وَجَمِيعِ الشَّعْبِ».  وفي سفر الأعمال يبرز اسم الاحتقار هذا باعتباره الاسم الوحيد الذي «بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ» (أع4: 10، 12).  وأخيرًا ينطق الرب نفسه بهذا الاسم عن نفسه وهو في قمة المجد مُخاطبًا شَاوُل الطَرْسُوسي قائلاً: «أَنَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ» (أع22: 8).

«هكَذَا قَالَ الرَّبُّ فَادِي إِسْرَائِيلَ، قُدُّوسُهُ، لِلْمُهَانِ النَّفْسِ، لِمَكْرُوهِ الأُمَّةِ، لِعَبْدِ الْمُتَسَلِّطِينَ: يَنْظُرُ مُلُوكٌ فَيَقُومُونَ. رُؤَسَاءُ فَيَسْجُدُونَ. لأَجْلِ الرَّبِّ الَّذِي هُوَ أَمِينٌ، وَقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي قَدِ اخْتَارَكَ» (إش49: 7).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com