(1)
نظرًا
لما لداود من أهمية في عصره وفي شخصه كجِد ورمز المسيح، ملك إسرائيل الحقيقي
والأخير، موضوع مشورات الله وتنبؤات الأنبياء، لذلك نبدأ هنا بالجزء المنصب على
داود من نِّبوة يعقوب (تكوين 49):
«يَهُوذَا، إِيَّاكَ يَحْمَدُ
إِخْوَتُكَ، يَدُكَ عَلَى قَفَا أَعْدَائِكَ، يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ» (تك49: 8).
هنا
نجد سبط يهوذا يتسلم من الرب صولجان الملك على يد داود سليله، كما ونرى انتصارات
داود الملك على كل أعداء الرب المجاورين له، لا بل ونرى انتعاش عبادة الرب في
عصره. لأن كلمة «يَهُوذَا» معناها «حمد» فقد قالت ليئة عند ولادته: «هذِهِ
الْمَرَّةَ أَحْمَدُ الرَّبَّ» (تك29: 35). لأن تابوت الرب لم يسأل به ولا عنه في عهد شاول
الملك البنياميني السابق لداود (1أخ13: 3)، ولكن داود أتى به إلى أورشليم بالفرح، وسليمان
ابنه بني له البيت. وعندما انقسمت المملكة
في عهد رحبعام ابنه، وتطوح العشرة الأسباط وراء العجول والتيوس الذهبية لعبادتها،
ظل يهوذا أمينًا في عبادته لله، بل وقد كان داود نفسه هو مرنم إسرائيل الحلو، ومن
وقتها سَلَمَ للقديسين في كل الأجيال ترانيم حمد لا تذهب عنها جدتها قط.
«يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ» (تك49: 8) ... وهنا تنتقل
بنا النِّبوة إلى ابن داود، آخر السلالة الملكية، ربنا يسوع المسيح «الأَسَدُ
الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا» (رؤ5: 5).
«مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي» (تك49: 9)؛ هنا
نرى صعود المسيح إلى أبيه بعد أن افترس فريسته أي بعدما أباد «بِالْمَوْتِ ذَاكَ
الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (عب2: 14).
«جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟» (تك49: 9)؛ هذا
عن جلوسه هادئًا في عرش أبيه، جاعلاً إياه – بكفارته - عرش نعمة لخلاص الخطاة
بالإيمان به، طيلة عهد النعمة. ومن ينهضه
من هدوئه هذا، ليرد الملك لإسرائيل، إلا حلول الوقت المؤجل من أبيه؟ (أع1: 6، 7).
«لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ
رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ (تك49: 10)؛ لقد ظَلِّت السلالة الملكية متصلة
من داود إلى المسيح، وعنده انقطعت. لأنه وإن كان قد مات كـ”شِيلُونُ“ أي الذي له
الحق في المُلك، كما قيل بعد ذلك «وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ»، وكرجل
السلام، وهذا معنى آخر لكلمة ”شِيلُونُ“، أو صانع السلام بموته، إلا أنه كابن
داود، وارث عرشه، قام من بين الأموات، ولن يموت، فهو الوارث الحيّ إلى الأبد. «اُذْكُرْ
يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ» (2تي2: 8).
«وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ» (تك49: 10)، هذا هو تفسير
كلمة ”شِيلُونُ“، وهذا يكون طبعًا في الملك الألفي؛ ولكن بأية طريقة؟
«رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ
أَتَانِهِ»
(تك49: 11)؛ أي يصل إلى ملكه، بطريق تخليه عن وداعته الأولى، كحمل الله، يوم أن
دخل أورشليم على الجحش، وبتحوله إلى استعمال قوته في غضبه كالأسد البطاش «تَقَلَّدْ
سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ، جَلاَلَكَ وَبَهَاءَكَ. وَبِجَلاَلِكَ اقْتَحِمِ. ارْكَبْ. مِنْ أَجْلِ الْحَقِّ وَالدَّعَةِ وَالْبِرِّ،
فَتُرِيَكَ يَمِينُكَ مَخَاوِفَ. نَبْلُكَ
الْمَسْنُونَةُ فِي قَلْبِ أَعْدَاءِ الْمَلِكِ. شُعُوبٌ تَحْتَكَ يَسْقُطُونَ»
(مز45: 3-5).
«غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ» (تك49:
11). العنب هو الناس، والخمر هو دماؤهم
التي سفكها في غضبه «مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ، وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ
الْمِعْصَرَةِ؟ قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ
وَحْدِي، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي، وَوَطِئْتُهُمْ
بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلاَبِسِي. لأَنَّ يَوْمَ النَّقْمَةِ فِي قَلْبِي،
وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ» (إش63: 2-4).
«مُسْوَدُّ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْخَمْرِ» (تك49: 12)؛
أى كما يثور الثَمَلُ في سَوْرَةُ الخَمْرِ، هكذا الرب ينهض كالأسد الذي من سبط
يهوذا، المُفترس لأعدائه في ثورة غضبه عليهم، ليسترد مُلكه منهم «فَاسْتَيْقَظَ
الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الْخَمْرِ. فَضَرَبَ أَعْدَاءَهُ إِلَى الْوَرَاءِ.
جَعَلَهُمْ عَارًا أَبَدِيًّا. وَرَفَضَ
خَيْمَةَ يُوسُفَ، وَلَمْ يَخْتَرْ سِبْطَ أَفْرَايِمَ (أي العشرة الأسباط). بَلِ اخْتَارَ سِبْطَ يَهُوذَا، جَبَلَ
صِهْيَوْنَ الَّذِي أَحَبَّهُ ... وَاخْتَارَ دَاوُدَ عَبْدَهُ ... لِيَرْعَى
يَعْقُوبَ شَعْبَهُ، وَإِسْرَائِيلَ مِيرَاثَهُ.
فَرَعَاهُمْ حَسَبَ كَمَالِ قَلْبِهِ، وَبِمَهَارَةِ يَدَيْهِ هَدَاهُمْ»
(مز78: 65-72).
«وَمُبْيَضُّ الأَسْنَانِ مِنَ اللَّبَنِ» (تك49: 12)،
إشارة إلى تمتع شعبه بوفرة خير بلاده التي تفيض لبنًا وعسلاً، في كل مدة ملكه
الألفي «قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلِي. شَرِبْتُ
خَمْرِي مَعَ لَبَنِي. كُلُوا أَيُّهَا
الأَصْحَابُ. اشْرَبُوا وَاسْكَرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ» (نش5: 1). هذه هى النِّبوة عن إقامة المُلك في إسرائيل،
النِّبوة التي تَمت جزئيًا على يد داود، والتي ستتم كليًا على يد المسيح ابن داود.
أما
حالة إسرائيل، من بعد داود، مدة سكنهم بكنعان فتنبأ عنها يعقوب هكذا: «زَبُولُونُ،
عِنْدَ سَاحِلِ الْبَحْرِ يَسْكُنُ، وَهُوَ عِنْدَ سَاحِلِ السُّفُنِ، وَجَانِبُهُ
عِنْدَ صَيْدُونَ» (تك49: 13)، وهذه هى حالتهم، من حيث تحولهم من العبادة إلى
المكسب عن طريق المتاجرة برًا وبحرًا؛ «قَلْبُهُمْ ذَاهِبٌ وَرَاءَ كَسْبِهِمْ»
(حز33: 31)، «لأَنَّهُمْ مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ
مُولَعٌ بِالرِّبْحِ» (إر6: 13)، وقد أصبحت هذه هى الصفة الملازمة لهم إلى الآن.
(يتبع)
حليم أرسناوي