«فَرَأَتِ
الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ
لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ
ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا
أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ» (تك 17:3).
«وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ
غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ
مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ
الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ» (أع19: 11، 12).
وردت
كلمة ”مَآزِر“ مرتين في الكتاب المقدس، وما أبعد الفرق بين المَآزِر الواردة
في سفر التكوين 3 والمَآزِر التي نقرأ عنها في سفر الأعمال 19.
المَآزِر
الأولى فكرة شيطانية قدمتها الحيَّة لحواء لإخفاء خطيتهم التي أوقعتهم فيها .. لكن
بالأسف حتى بعد أن لبسوا المَآزِر شعروا أيضًا بالعري.
والحقيقة
أنه مهما حاول الإنسان إخفاء حقيقة خطيته وحياته المملوءة بالشَّر بهذه المَآزِر
لا بد أنه يشعر أنه مازال عريان وخجلان ..
والعجيب
أن حتى هذه الأيام الأخيرة التي أُعلن فيها الحق واضحًا يوجد أُناس تفضل المَآزِر
عن العلاج الإلهي الوارد في تكوين 3: 21 «وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ
لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا». هذا العلاج
الإلهي الذي به تُستر كل الخطايا، وهو غير مُكلِّف للشخص الخاطئ تمامًا، فالرب هو
الذي تكلَّف به.
الأقمصة
من جِلْدٍ جاءت نتيجة ذبيحة (أول ذبيحة في الكتاب) حدثت في جنَّة عدن كدرس للمخطئين
آدم وحواء، ومن بعدهم نسلهم الساقط، أنه لا ستر ولا علاج لهما ولأي إنسان خاطئ من
نسلهما إلا بهذه الأقمصة .. فالمَآزِر التي خاطتها حواء (ممكن تكون لصقتها معًا)
ليست لها فائدة أمام الله .
ونلاحظ
أن العري هو أول نتيجة للسقوط في الخطية .. في مَثَل السامري الصالح (لو 10) عندما
وقع الإنسان النازل من أورشليم (يصور لنا آدم في سقوطه في الخطية)، كانت النتيجة
وقوعه بين اللصوص فحدث العري المُشين.
ومهما حاول الإنسان ستر خطيته، لسوف يجد نفسه في النهاية ما زال عريان أمام
الله. قد يكون مستورًا أما الآخرين بِمَآزِرهِ
الخادعة، لكنه عُريان في عيني الله.
في
سفر الرؤيا والأصحاح الثالث يُكلِّم الرب مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ بالقول:
«لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ»،
ولكن العلاج
الإلهي يأتي بعد هذا مباشرة: «أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ
تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا
بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ» (رؤ3: 18).
عزيزي القارئ: هل لبست هذه
الأقمصة؟ أو بلغة إشعياء 61: 10 «أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَصِ. كَسَانِي رِدَاءَ الْبِرِّ»؟ أو بلغة لوقا
15: 22 ”أَلْبِسُوهُ الْحُلَّةَ الأُولَى“؟ أما ما زلت تتستر بتلك المَآزِر الخادعة،
والتي تجعلك ترضى عن نفسك؟! ... لا تضع
رجاؤك في ستر أوراق التين، فسرعان ما تذبل وتنكشف عريتك!
تحذر ... إن هذه المَآزِر فكرة شيطانية هدفها أن يبعدك الشيطان عن الطريق الوحيد للخلاص
وهو قبول المسيح مخلصًا وفاديًا، وتستطيع أن ترنم عندما تغفر الخطايا وتمحى
الذنوب: ”حبه ستر عيوبي“!
أما المَآزِر الأخرى فهذه نجد فيها قوة الله للشفاء الجسدي ..
ما هي مَآزِر الرسول بولس؟ إنها قطع قماش من ملابسه كان يُصنَع بها «قُوَّاتٍ
غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ (غير المألوفة)»؛ «كَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ
بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ
جَسَدِهِ (أي جَسَد الرسول بولس) بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى،
فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ»
(أع19: 11، 12)؛ إنها ليست قوة الرسول بولس بل هي قوة الله ..
هذه المعجزات تمتاز عن
غيرها بأنها صُنعت من على بُعدٍ، بواسطة أمتعة مَسَّت جسد الرسول بولس، لا كثرة
تلك المعجزات ولا عظمتها، ولم يُذكَر في الكتاب المقدس أن بولس صنع شيئًا من
المعجزات لمدة خمس سنين قبل ذلك، منذ أن أخرج روح العرافة من الجارية في فيلبي (أع
18:16). والقول «عَنْ جَسَدِهِ (أي جَسَد
الرسول بولس)»؛ أي مما لبسه أو مما مس جسده من غير ملبوساته. و”المَنَادِيل“ في أصلها اليوناني تعني ”ما
يُمسح به العرق عن الوجه“، ثم أُطلقت على القطع الصغيرة من المنسوجات مثلما ما
ذُكر في لوقا 19: 20 «يَا سَيِّدُ، هُوَذَا مَنَاكَ الَّذِي كَانَ عِنْدِي
مَوْضُوعًا فِي مِنْدِيل» أو في يوحنا 20: 7 «الْمِنْدِيلَ الَّذِي
كَانَ عَلَى رَأْسِهِ لَيْسَ مَوْضُوعًا مَعَ الأَكْفَانِ، بَلْ مَلْفُوفًا فِي
مَوْضِعٍ وَحْدَهُ».
والمَآزِر
في
الأصل اليوناني هي ما يلبسها الصنَّاع على مقدم الجسد، عند العمل، وقاية لما تحتها
من الثياب. ويحتمل المعنى كل هذا أن تلك
المناديل أو الأمتعة التي استعملها بولس أن الناس استعاروها منه وحملوها إلى
المرضى ليشفوا بها .. ويحتمل أن الناس أتوا بها من بيوتهم ومسوا بها جسد بولس
وأخذوها للمرضى.
وتلك الأمتعة كانت بمنزلة:
”ظِلّ بُطْرُس“ (أع5: 15)، ومنزلة هدب ثوب الرب يسوع (مت9: 20)، ومنزلة الطين الذي
طلَى به المسيح عيني الأعمى منذ ولادته (يو9: 6).
«كَانَ اللهُ
يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ» ... وهكذا نلاحظ
أن الجاعل لتلك المَآزِر هذا الفعل هي قوة الله
العاملة بها للشفاء، وأيضًا إيمان الذي شُفي.
وتلك المناديل والمَآزِر لم تكن لها قوة في نفسها، بل كانت أدلة على قوة الله التي وهبها
لرسوله المحبوب تصديقًا لتعليمه. فتعلَّم
أهل أفسس بذلك أن لصلاة الإيمان ومنديل من الرسول قوة أعظم من قوى كل تعاويذهم
وسحرهم وتمائمهم.
قارئي العزيز: تذكر أن مَآزِرَ
آدم وحواء لم تُجدِ نفعًا، لكن علاج الله هو الذي يشفي مرض الخطية. تذكر أن الله بنعمة من عنده جعل مَآزِرَ
ومناديل بولس تؤكد صدق الرسالة التي يبلغها بولس للخطاة والوثنيين، لكن نلاحظ دقة
النص، فلا يقول إن بولس قام بهذه المعجزات غير المألوفة، بل «كَانَ اللهُ
يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ».
يوجد عند الله الحل
المثالي لمشكلة عُريك وهو أن تحتمي في ذبيحة المسيح وتُغمَر بحبه الذي يستر كل
عيوبك وتكتسي ببر الله، ولا تفعل مثلما فعل آدم وحواء، فمَآزِرْهما لم تلغ العُري
بل أثبتت عليها خطيتها، وكان الله مجهِّز ومُعد الأقمصة من جلد التي تستر وتغطي. فأرجو ألا تسير في طريق المَآزِر وطريق الأعمال وطريق الأفكار البشرية، بل خذ قرارك، وتعال لمَن
عنده الْحُلَّةَ الأُولَى وثِيَاب الْخَلاَصِ ورِدَاء الْبِرِّ، فتنجو من عقاب
الخطية، وتنال الحياة الأبدية، وأنت مُبرَّر ومغفور الخطايا ..
صفوت نظير