(رو8: 29)
الآب له ابن واحد حبيب لديه، من الأزل، صانع مسرّته
وفرحه ولذّته في مسكونة أرضه (أم8: 30، 31)، وعندما كان في الجسد، وهو في سنّ الثّلاثين،
وقبل أن يصنع آية واحدة، وقبل أن يبدأ الخدمة التّجواليّة، جاءت شهادة السّماء له:
«هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (مت3: 17). وكانت هذه
الشّهادة دليلًا على رضى السّماء عليه، وشبعها به، خلال الثّلاثين سنة الأولى. ولأنّ
الوحي لم يذكر عنها سوى موقف بسيط، عندما كان في سنّ الثّانية عشرة (لوقا 2)، سُميّت
هذه السّنوات، بالسّنوات المجهولة في حياة الرّبّ، لكن بالتّأكيد لم تكن مجهولة في
عينيّ السّماء، فكانت السّماء تُسرُّ به، وهو يعمل في مهنة النّجارة، ويعيش في النّاصرة،
القرية المحتقرة والفقيرة. وشهدت السّماء عنه مرّة ثانية في مشهد التّجلّي، قُبَيل
الصّليب مباشرة، أي في نهاية الخدمة التّجواليّة، حيث جاء الصّوت على جبل التّجلّي:
«هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا»
(مت17: 5).
أراد الآب أن يملأ بيته بأبناء كثيرين "مُشَابِهِينَ
صُورَةَ ابْنِهِ"، فوضع مشروعًا عظيمًا، تكلَّم عنه الرّسول بولس بالرّوح
القدس في (رومية 8)؛ فبعدما ذكر أنّنا «نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ
تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ
مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ» (رو 8: 28)، ذكر أنّ هذا الخير مرتبط بالمقاصد
الأزليّة الّتي بدأت منذ الأزل، عندما اختارنا. وفي الزّمان عندما دعا وبرَّر، وفي
المستقبل عندما مجّد، وحتّى عندما تكلَّم عن المجد قال: «هؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ
أَيْضًا» (رو8: 30)، لأنّه لا يوجد شيء يُعطل الله عن إتمام مقاصده ومشوراته
من نحونا، ففي المستقبل القريب سيمتلئ بيت الله أبينا بكثيرين، مشابهين صورة
المسيح، عندما نكون على صورة جسد مجده ويكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين.
وهذا لن يتحقّق فقط عندما نصل بيت الله أبينا، لكن سيتحقّق
كذلك في الزّمان عندما نُظهِر حياة المسيح - بشكل أو بآخر - في العطاء والغفران،
وفي الصّفات المتنوّعة من صفات المسيح الأدبيّة.
قال بولس لمؤمنيّ كنيسة كورنثوس، وهي من أصعب الكنائس الّتي
تعامَل معها: «أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ»
(2كو10: 1). من أين لبولس هذه الوداعة والحِلم، ذاكَ الّذي كان قبل الإيمان ينفثُ
تهدّدًا وقتلًا (أع9: 1)؟! لأنّ بولس كان شعاره: «أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ
الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غل2: 20)، وهو الّذي حرّض مؤمنيّ أفسس بالقول:
«لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ» (أف3: 17).
سُكنى الرّوح القدس في قلوبنا تعطينا الإمكانيّة لإظهار
حياة المسيح، وهذا ما صلّى الرّسول بولس لأجل كنيسة أفسس: «بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي
رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ ... لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ
بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي
الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ»
(أف3: 14-17). ولكي تتحقّق هذه المشابَهة أيضًا، علينا بالتّأمّل في حياة الربّ،
ولا سيّما ما دوّنَتْهُ عنه البشائر الأربع.
قال أحد الأحبّاء: "أنا أقرأ في الكتاب المقدّس
والكتاب كلّه حلو، لكن ما أحلى أن أزور يوميًّا الأرض البهيّة الّتي يتكلَّم فيها
الوحي مباشرة عن سيرة المسيح". وكان يعني بها البشائر الأربع؛ فالتّأمّل في
مجده الأدبيّ، أي أدبيّات الربّ يسوع الّتي وَضُحت من خلال سلوكه، هذا يجعلنا نتغيّر
إلى تلك الصّورة عينها: «وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ
بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ
عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ» (2كو3:
18).
ربّما يسوق البعض ثلاثة أعذار يقول عنها إنّها تعطّله عن
إظهار حياة الربّ يسوع:
المُعطِّل الأوّل: التّجارب: استفا نوس من الشّخصيّات الممتلئة من الحكمة والإيمان
ومن الرّوح القدس ومن كلمة الله، وهذا كلّه بشهادة الكتاب المقدّس عنه (أع6: 3،
5)، ولأنّه دارس لكلمة الله، لخّص العهد القديم كلّه في أصحاح واحد (أع7). ولأنّه
ممتلئ من الرّوح القدس والإيمان، تمّ اختياره من ضمن سبعة للخدمات الماليّة والتّوزيع.
وكان في أوج خدمته للربّ وعطائه، وفي وقت استشهاده وفي وسط جوّ المقاومة الشّرسة
له، نظروا إليه وشخّصوا ورأوا وجهه كوجه ملاك (أع6: 15)، ومن غيظهم قاموا برجمه. ومع
أوّل حجر سقط عليه، تبرهن له أنّه بينه وبين الموت خطوات، بل لحظات، وفي وقتها لم
يكن الإعلان الخاص بأنّ الربّ في مجيئه للاختطاف، سيقيم الرّاقدين، لأنّ هذا أُعلن
بالوحي لاحقًا (1كو15؛ 1تس4)، وربّما هذا يبرّر المناحة الّتي عملها المؤمنون على
استفانوس بعد استشهاده.
ومع الآلام الشّديدة والّتي هي فوق الاحتمال والطّاقة،
يكتب الرّوح القدس أنّ استفانوس صلّى وقال: «يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ
الْخَطِيَّةَ» (أع7: 60)، وهو في هذا شَابَهَ ربّ المجد الّذي غفر لصالبيه من
فوق الصّليب.
ومن هنا نقول:
إنّ التّجربة أعطت لاستفانوس الفرصة لإظهار حياة المسيح ومشابهة مجده الأدبيّ، فما
رأيناه في مشهد رجم استفانوس، لم نرَ مثله في حياته. إنّ التّجربة الّتي تقول عنها
إنّها تعطّلك عن إظهار حياة المسيح، ستعطيك الفرصة الثّمينة لتشابهه في هذه
الحياة.
المُعطِّل الثّاني: نقص الإمكانيّات: في (أعمال 4: 13) نقرأ عن بطرس ويوحنا وهما في قمّة
معاناتهما ومواجهتهما للاضطهاد هذه الكلمات: «فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ
بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ
وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ». ومن
المعروف أنّهما كانا يعملان في مهنة صيد السّمك، وفي الأصحاح الّذي قال فيه بطرس:
«لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ» (أع3: 6)، وفي الجزء الّذي فيه رآهما النّاس أنّهما
من البسطاء بدون مؤهّلات علميّة، ظهرت فيهما حياة المسيح، فعرفاهما أنّهما كانا مع
يسوع. فهذا يوضّح أنّ نقص الإمكانيّات لا يعطّل إظهار حياة المسيح فينا. فقد تكون
الإمكانيّات الصّحيّة أو الأموال أو المستوى التّعليميّ والدّرجة العلميّة قليلة،
أو قد يكون المستوى الوظيفيّ أو السّكن محدودًا، كلّ هذه ليست معطّلات، لأنّ
الإمكانيّات لإظهار حياة المسيح ليست بالموارد البشريّة، بل بوجود حياة المسيح
فينا.
المُعطِّل الثّالث: الحرمان: كتب الرّسول بولس في (1 كورنثوس 9 : 5): «أَلَعَلَّنَا
لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَجُولَ بِأُخْتٍ زَوْجَةً كَبَاقِي الرُّسُلِ
وَإِخْوَةِ الرَّبِّ وَصَفَا؟»؛ هذا يوضّح الحرمان الّذي عانى منه الرّسول بولس،
وهو في طريق الخدمة، ليس فقط حرمانه من الحرّيّة، حيث قضى فترات طويلة بالسّجن،
لكن حرمانه أيضًا من أن تكون له مُعينة نظيره، تدعمه وتشاركه تحدّيّات الخدمة. لكن
هذا الحرمان لم يعطّله أن يقول: «أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا
فِيَّ» (غل2: 20). وهكذا نحن قد نُحرم من أمور أساسيّة في الحياة، لكن هذا لا
يعطّل إظهار حياة المسيح، وأن نصبح رائحة المسيح الذّكيّة، ليُظهِر بنا رائحة معرفته
في كلّ مكان، مع الفارق أنّ حرماننا إجباريًّا، لم يكن لنا دخل فيها، وكلّ واحد من
قُرّاء هذه السّطور عنده حرمان بشكل أو بآخر، لكنّ الرّسول بولس كان حرمانه من الزّواج
اختياريًا، لكي يركض في خدمة الرّبّ، ويثابر بلا ارتباك.
من هنا نستنتج أنّه لا التّجارب ولا نقص الإمكانيّات ولا
الحرمان، يُمكن أن تُعطّلنا أن نكون من الآن ونحن في الجسد، مُشابهين صورة ابن
الله.