عدد رقم 2 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (16)  

 الأصحاح الرّابع

ذكرنا فيما سبق أنّه بدءً من الأصحاح الرّابع نجد الجامعة الملك وقد نزل من "برجه العالي العاجي" لينظر حوله، في معايشة حياتيّة للنّاس، متأمّلًا في معاناتهم وآلامهم. وفي هذا الأصحاح (جا4) سجل لنا سليمان ملاحظاته ومشاهداته من زيارته لأربعة أماكن:

(1) قاعة المحكمة (جا4: 1-3).                                (2) الأسواق والمولات (جا4: 4-8).

(3) الطّرق السّريعة (جا4: 9-12).                            (4) القصر الملكيّ (جا4: 13-18).

وقد تأمّلنا في عددنا السّابق بزيارة سليمان لقاعة المحكمة (جا4: 1-3). ونواصل تأمّلاتنا في:

ثانيًا: سليمان في الأسواق والمولات (جا4: 4-8):

لقد شعر سليمان بالضّيق والحزن بسبب ما رآه في ساحات القضاء، وذهب إلى أماكن الأسواق العامّة، ليُشاهد رجال الأعمال أثناء تأدية أعمالهم. وبالتّأكيد هو لن يُحبَط هناك، إنّ التّعب والعمل وبذل الجهد بأمانة، إنّما هي عطايا من الله للإنسان؛ فحتّى آدم - قبل السّقوط - كان عليه أن يعمل وهو في جنّة عدن (تك2: 15). ولقد عمل ربّنا المعبود نجّارًا، عندما كان هنا على الأرض (مر6: 3). ولقد تأمّل سليمان وأخذ بعَين الاعتبار أربعة أنواع مختلفة من رجال الأعمال:

(أ) الرّجل المجتهد الحسود (ع4).                (ب) الرّجل الكسول (ع5).

(ج) الرّجل المتوازن المعتدل (ع6).              (د) الرّجل المستقلّ الوحيد المتوَّحِد (ع7، 8).

(‌أ)         الرجل المجتهد الحسود (ع4):

«وَرَأَيْتُ كُلَّ التَّعَبِ وَكُلَّ فَلاَحِ عَمَل أَنَّهُ حَسَدُ الإِنْسَانِ مِنْ قَرِيبِهِ. وَهذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع4)؛ كان من الطّبيعيّ أن يجد سليمان عاملًا يعمل بجدّيّة. وأَلم يمتدح الملك فضائل العمل باجتهاد في سفر الأمثال؟ وهذا الرّجل المُجتهد - الّذي رآه سليمان - لم يكن مشغولًا في عمله فحسب، بل كان ماهرًا في عمله، وناجحًا، وكلّ ما كان يعمله يدلّ على كفاءته؛ لقد كان يُجيد تقنيّات مهنته.

هذا فيما يتعلَّق بيديّ هذا العامل المُجتهد؛ ولكن ماذا عن حالة قلبه؟

هنا شعر سليمان بالإحباط وبخيبة الأمل، مرّة ثانية! فلقد اكتشف أنّ السّبب الوحيد في إتقان هؤلاء الرِّجال لأعمالهم، واستخدامهم لمهاراتهم، واجتهادهم في عملهم، كان الحسد وروح المنافسة مع الآخرين، ولكسب مزيد من الأموال أكثر ممّا يحصل عليه الآخرون. لم يكن الغرض من عملهم إنتاج مُنتجات جميلة ونافعة، أو لمساعدة النّاس، بل ليظلّوا في مُقدِّمة المنافَسة، والبقاء في الصّدارة. وهكذا يصل سليمان مرّة أخرى إلى استنتاجه المُتكرّر: «وَهذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع4).

لم يضع الله عنصر الأنانيّة، في عمل الإنسان وتعبه، لكنّها جاء نتيجة الخطيّة الّتي دخلت قلب الإنسان. فنحن نشتهي ما لدى الغير، ولا نكتفي بالرّغبة في الحصول على هذه الأشياء، بل نذهب إلى أبعد من ذلك، ونُريد المزيد. إنّ الحسد واشتهاء ما للغير وروح المنافسة، كثيرًا ما يأتون معًا.

إن المنافسة الشّريفة في حدّ ذاتها، ليست خطيّة، ولكنّها تُصبح خطيّة عندما تتحوّل إلى رغبة أن "أكون الأوّل" أكثر من أن "أكون أمينًا"؛ هنا تأتي المتاعب والمشاكل! والتّنافس التّقليديّ بين الفِرَق الرّياضيّة، قد يكون أمرًا مُفيدًا، ولكن عندما تتحوّل المنافسة إلى شغب، تكون الخطيّة قد تسلّلت إلى المشهد. وهكذا يأتينا التّحريض: «لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ، وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ الإِثْمِ، فَإِنَّهُمْ مِثْلَ الْحَشِيشِ سَرِيعًا يُقْطَعُونَ، وَمِثْلَ الْعُشْبِ الأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ» (مز37: 1، 2).

(‌ب)     الرّجل الكسول (ع5).

«اَلْكَسْلاَنُ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَهُوَ طَاوٍ يَدَيْهِ» (ع5)؛ ينتقل سليمان من الحديث عن أمر سيّء، إلى الحديث عن نقيضِه تمامًا، وبدأ يدرس حالة الرَّجل الّذي ليس له أيّ طموح على الإطلاق. ويا للتّناقض!

وكان من الصّعب على سليمان أن يرى شخصًا كسولًا؛ فهو لم يكن لديه أيّ تعاطف مع الكسالى، الّذين يجلسون طوال النّهار، وأيديهم مطويّة، ولا يفعلون شيئًا على الإطلاق (أم18: 9؛ 19: 15؛ 24: 30-34).

إنّ الكسل طريق بطيء ومُريح نحو تدمير الذّات: «اَلْكَسْلاَنُ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَهُوَ طَاوٍ يَدَيْهِ» (ع5)؛ والمقصود أنّ "الكسلان يُجلِب الخراب على نفسه"! «قَلِيلُ نَوْمٍ بَعْدُ قَلِيلُ نُعَاسٍ، وَطَيُّ الْيَدَيْنِ قَلِيلًا لِلرُّقُودِ، فَيَأْتِي فَقْرُكَ كَسَاعٍ وَعَوَزُكَ كَغَازٍ» (أم6: 10، 11). وهكذا قال الرّسول بولس: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا» (2تس3: 10)، «لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ» (أف4: 28).

كان الدّافع وراء الرّجل المجتهد الكادح، هو الحسد والمنافسة، وهكذا وقع في شرك المنافسة على كسب المزيد من المال، ولم يعد لديه أيّ وقت فراغ. وعلى النّقيض، كان الرّجل الكسول مدفوعًا باللّذة والرّاحة والمتعة، وليس لديه وقت للعمل والإنتاج، ومن ثمّ مآله الخراب.

(‌ج)      الرّجل المتوازن المعتدل (ع6):

«حُفْنَةُ رَاحَةٍ خَيْرٌ مِنْ حُفْنَتَيْ تَعَبٍ وَقَبْضِ الرِّيحِ» (ع6)؛ هنا نجد رجلًا حياته متوازنة؛ وهو يأتي في الوسط بين الحالتين المتناقضتَين السّابقتَين. هذا الرّجل كان مُثمرًا ناجحًا في عمله، لكنّه كان حريصًا أيضًا على قضاء بعض الوقت في الهدوء والرّاحة. إنّه لم يتورّط في صراع المنافسة، لكنّه أيضًا لم يحاول الهرب من مسؤوليّات الحياة العاديّة. فما الفائدة من أن تمتلئ اليدان بالمكاسب والأرباح، إذا كان هذا سيُكلّف الحرمان من الهدوء وراحة البال، ولربّما يُكلّف الصّحّة أيضًا؟! «اَلْقَلِيلُ مَعَ مَخَافَةِ الرَّبِّ، خَيْرٌ مِنْ كَنْزٍ عَظِيمٍ مَعَ هَمٍّ» (أم15: 16)، «اَلْقَلِيلُ الَّذِي لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ مِنْ ثَرْوَةِ أَشْرَارٍ كَثِيرِينَ» (مز37: 16)، «وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ» (1تي6: 6). من الأفضل أن يكون لك مكسب في يد، والهدوء وراحة البال في اليد الأخرى: «حُفْنَةُ رَاحَةٍ خَيْرٌ مِنْ حُفْنَتَيْ تَعَبٍ وَقَبْضِ الرِّيحِ» (ع6؛ 2تس3: 10-13؛ 1تي6: 6-10).

وهكذا فالرّجل المجتهد (ع4)، يعتقد أن المال سيُجلب له الرّاحة والسّعادة والسّلام، ولكن ليس لديه وقت للتّمتّع به! والرّجل الكسول (ع5)، يعتقد أن عدم القيام بأيّ شيء سيُجلِب له السّلام والرّاحة، ولكن أسلوب حياته لن يؤدّي إلّا إلى دماره. أمّا الرّجل العاقل المُتوازن (ع6)، فإنّه يتمتّع بعمله وثمرة تعبه؛ وهكذا فبإمكانك أن تأخذ ما تُريد من الحياة، ولكن يجب أن تدفع أوّلًا.

(‌د)        الرّجل المستقلّ الوحيد (ع7، 8):

«ثُمَّ عُدْتُ وَرَأَيْتُ بَاطِلًا تَحْتَ الشَّمْسِ: يُوجَدُ وَاحِدٌ وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ وَلاَ أَخٌ، وَلاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ تَعَبِهِ، وَلاَ تَشْبَعُ عَيْنُهُ مِنَ الْغِنَى. فَلِمَنْ أَتْعَبُ أَنَا وَأُحَرِّمُ نَفْسِي الْخَيْرَ؟ هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَأَمْرٌ رَدِيءٌ هُوَ» (ع7، 8)؛ في الأعداد السّابقة بحث الجامعة ضربة مُرَّة ضُرِبَ بها القلب البشريّ، وهي العمل المُضني لكي يتفوّق على الآخرين؛ وهذا هو الحسد (ع4). وبحث أيضًا ضربة الكسل الّتي تُجلِب الخراب على الإنسان (ع5). أمّا هنا فموضوع تأمّله هو ضربة أرهب وأقسى، وهي متعة جمع المال، في ذاك البخيل الوحيد الّذي ليس له أقارب يعتمدون عليه، أو يطلبون العون منه. وليس له شركاء ليُساعدوه في عمله، وهو لم يكن يرغب في أيّة مساعدة. ومع ذلك يكافح ويتعب ويحرم نفسه الخير والتّمتّع بالثّروة الّتي أن في جمعها متعة وغبطة. لقد كان يُريد كلّ الأرباح لنفسه. لكنّه كان مُنهمكًا للغاية في عمله، ولم يتوفّر له أي وقت ليتمتّع بمكاسبه. إنّه يبدأ مشروعًا، وسرعان ما يتبعه بمشروع آخر «وَلاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ تَعَبِهِ»، وإذا مات هذا الشّخص، ليس له عائلة لترث ثروته؛ أي أنّ كلّ تعبه باطل!

العجيب أنّ هذا الشّخص لم يتوقّف إطلاقًا ليسأل نفسه: مِنْ أجل مَنْ أبذل كلّ هذا الجهد المُضنيّ في العمل؟! مَنْ الّذي سيستفيد مِنْ تعبي هذا؟! ولماذا أحرم نفسي من التّمتّع بالحياة، لكي أُكوّم المزيد من المال؟! «لِمَنْ أَتْعَبُ أَنَا وَأُحَرِّمُ نَفْسِي الْخَيْرَ؟». وما أكثر أمثال هذا الرّجل في يومنا هذا! «إِنَّمَا كَخَيَال يَتَمَشَّى الإِنْسَانُ. إِنَّمَا بَاطِلًا يَضِجُّونَ. يَذْخَرُ ذَخَائِرَ وَلاَ يَدْرِي مَنْ يَضُمُّهَا» (مز39: 6)، «الْجَاهِلُ وَالْبَلِيدُ يَهْلِكَانِ، وَيَتْرُكَانِ ثَرْوَتَهُمَا لآخَرِينَ» (مز49: 10). ويا ليتنا لا ننسى الغنيّ الغبيّ! (لو12: 16-21). ولكن «طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ، وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ. لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ، طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ» (مز128: 1، 2).

كان الرّجل المجتهد (ع4)، على الأقلّ يُوفّر فرص عمل للآخرين. وكان الرّجل الكسول (ع5)، يستمتع بأوقات الفراغ والرّاحة. ولكن هذا الرّجل المُستقلّ المتوَّحِد، فلم يُساعد أحدًا، ولم يُساعد نفسه! وهكذا كان ما توصّل إليه سليمان هو: «هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَأَمْرٌ رَدِيءٌ هُوَ» (ع8). إنّ الله يُريدنا أن نعمل، ولكن أن نعمل بالرّوح الصّحيحة، ولأجل أغراض صحيحة. ويا لغبطة من كانت حياته متوازنة متكافئة!

وللحديث بقيّة‎ ... إن شاء الرّبّ وعشنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com