عدد رقم 2 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
توقيتات الله  

يقول الرّبّ: «أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ» (إش60: 22). إنّ هذه الكلمات تملأ قلوبنا بالتّعزية، وبكلّ هيبة ووقار نقول: إنّ الربّ، عندما يُعطي وعدًا، فهو ملزم أن يُتمّمَه في وقته، لأنّه «إِلهُ أَمَانَةٍ لاَ جَوْرَ فِيهِ» (تث32: 4). لذا علينا ألّا نتعجّل، لكن ننتظره بصبر وتسليم، حتّى وإن تأنّى علينا، ففي حكمته هو، له وقته الّذي فيه سيُتمّم مواعيده. وبحقّ قال أحدهم: إنّ الله يمشي متمهّلًا، لكنّه لا يصل أبدًا متأخّرًا. فيا ليتنا نتعلَّم أن ننتظر الرّبّ، ونصبر له. وكلمة الله زاخرة بالقدّيسين والقدّيسات الّذين انتظروا الرّبّ وتوقيتاته، والله أمين من جهة وعوده، ونفعل حسنًا إن انتبهنا إلى ذلك: «مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيدَ» (عب6: 12). لذلك دعونا نتأمّل في بعض الأمثلة لأشخاص انتظروا توقيتات الله، فتمَّم لهم المواعيد الّتي أعطاها لهم:

(1)     إبراهيم:

دعا الربُّ إبراهيم للخروج من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه، ووعده بأن يُباركه، ويُكثر من نسله، ويجعله أُمَّة عظيمة (تك12)، فأطاع إبراهيم الربَّ وخرج كما قال له الربّ، لكنّ الربّ تأنّى في إعطائه نسلًا، حتّى أنّه عاتب الربَّ قائلًا: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟ ... إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلًا، وَهُوَذَا ابْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي» (تك15: 2، 3). وكان ردّ الربّ عليه: «لاَ يَرِثُكَ هذَا، بَلِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ هُوَ يَرِثُكَ» (تك15: 4). لكن إبراهيم لم ينتظر الربّ، وأراد أن يحلّ المشكلة بطريقته، فسمع لكلام سارة امرأته، ودخل على هَاجر جاريتها، وأتى منها بإسماعيل. ولكن لم يكن هذا بحسب فكر الربّ. وبعد هذا الأمر انتظر الربّ على إبراهيم حوالي 14 سنة، قبل أن يظهر له مرّة ثانية، ليُعلن له: «إِنِّي أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ» (تك18: 10). ولما جاء الوقت المُعيَّن من قِبَل الربّ، أسرع به، فهكذا «افْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ، وَفَعَلَ الرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ. فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللهُ عَنْهُ» (تك21: 1، 2). فما أعظم الهنا الّذي يُتمّم كلامه ومواعيده، في وقته. حتّى بالرّغم من عدم انتظارنا، وضعف ثقتنا فيه، لكنّه الصّادق والأمين.

(2)     يوسف:

هو الابن المحبوب من أبيه يعقوب، الّذي صنع له قميصًا مُلوّنًا. وهو الّذي أراه الربّ حُلمَين، فأخبر أبيه وإخوته بهما، «فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: أَلَعَلَّكَ تَمْلِكُ عَلَيْنَا مُلْكًا أَمْ تَتَسَلَّطُ عَلَيْنَا تَسَلُّطًا؟ ... فَانْتَهَرَهُ أَبُوهُ وَقَالَ لَهُ: مَا هذَا الْحُلْمُ الَّذِي حَلُمْتَ؟ هَلْ نَأْتِي أَنَا وَأُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ لِنَسْجُدَ لَكَ إِلَى الأَرْضِ؟» (تك37: 5-10). وبعد هذين الحلمَين، سارت الأمور مع يوسف عكس المُتوَّقع، فقد بِيع عبدًا إلى أرض مصر، وبعد ذلك ظُلِم ودخل السّجن، وطالت المدّة، وفقد الأمل في كلّ شيء، إلى ما يقرب من 13 سنة من الانتظار، وسط ظروف الألم والمذلّة والتعب. لكن إلهنا عظيم، ففي وَقْتِهِ أُسْرِعَ بِهِ. ولماء جاء الوقت المُعيَّن من الربّ، أخرجه الربّ من السّجن، وملَّكه على عرش مصر، وهكذا كُتِبَ عنة: «أَرْسَلَ أَمَامَهُمْ رَجُلًا. بِيعَ يُوسُفُ عَبْدًا. آذَوْا بِالْقَيْدِ رِجْلَيْهِ. فِي الْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ، إِلَى وَقْتِ مَجِيءِ كَلِمَتِهِ. قَوْلُ الرَّبِّ امْتَحَنَهُ. أَرْسَلَ الْمَلِكُ فَحَلَّهُ. أَرْسَلَ سُلْطَانُ الشَّعْبِ فَأَطْلَقَهُ. أَقَامَهُ سَيِّدًا عَلَى بَيْتِهِ، وَمُسَلَّطًا عَلَى كُلِّ مُلْكِهِ» (مز105: 17-21). ما أعظم إلهنا في إتمام مواعيده في وقتها!

(3)     خروج الشّعب من مصر:

لقد أعطى الربُّ وعدًا لإبراهيم قائلًا: «اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ» (تك15: 13، 14). وهذا ما حدث بالفعل مع الشّعب؛ نزل إلى أرض مصر، وظلّوا في العبوديّة في معاجن الطّين وتسخير فرعون حوالي 100 عام، ولكن لما جاء ميعاد الربّ لخروجهم وتحريرهم من قبضة فرعون، ظهر الربُّ لموسى في العُليَّقة، وأرسله لإخراج الشّعب من أرض مصر (خر3: 7). وبالفعل ذهب موسى كما قال له الربّ لكي يخرج الشّعب، وبالرّغم من كلّ محاولات فرعون لمنع الشّعب من الخروج، باءت كلّ محاولاته بالفشل. ولما جاء الميعاد المُعيَّن من الربّ، أخرجهم بيد قويّة وذراع رفيعة، فشقّ البحر أمامهم، وعبَّرهم، وأخرجهم من أرض العبوديّة. فما أعظم وأروع إلهنا الّذي فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ!

(4)     الملك داود:

لقد أرسل الربّ صموئيل النّبيّ ليمسح واحد من أبناء يسّى البيتلحميّ ملكًا على إسرائيل، فاختار الرّبّ داود الصّغير (١صم ١٦). ولكن بعد أن مُسح داود للمُلك، لم يملُك مباشرةً، بل مرَّ بفتره آلام ومطاردة من شاول الملك، لمدّة سنوات طويلة، قضاها داود متنقّلًا من مغارة إلى مغارة، ومجتازًا في ضيقات كثيرة، وتسرَّب إليه اليأس والفشل كثيرًا، حتّى أنّه قال مرة فِي قَلْبِهِ: «إِنِّي سَأَهْلِكُ يَوْمًا بِيَدِ شَاوُلَ، فَلاَ شَيْءَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أُفْلِتَ إِلَى أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، فَيَيْأَسُ شَاوُلُ مِنِّي فَلاَ يُفَتِّشُ عَلَيَّ بَعْدُ فِي جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ، فَأَنْجُو مِنْ يَدِهِ» (1صم27: 1). وهكذا هرب إلى هناك، وانقطعت شركته مع الربِّ، ومع شعبه، لمدّه 16 شهرًا. إلّا أنّ الربَّ ردَّ نفسه، وأرجعه، وجاء الوقت المُعيَّن من قِبَل الربّ، وهكذا قُتِلَ شاول، وجاء جميع شيوخ إسرائيل إلى حبرون ومسحوا داود ملكًا على كلّ إسرائيل «كَانَ دَاوُدُ ابْنَ ثَلاَثِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، وَمَلَكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فِي حَبْرُونَ مَلَكَ عَلَى يَهُوذَا سَبْعَ سِنِينٍ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَفِي أُورُشَلِيمَ مَلَكَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا» (2صم5: 4، 5). وهكذا تمَّم الربُّ كلامه لداود، وفِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ.

(5)     كَالِبُ بْنُ يَفُنَّةَ:

كَالِبُ بْنُ يَفُنَّةَ هو أحد أبطال الإيمان؛ ذهب مع الجواسيس لتجسّس أرض كنعان، وجاء وأخبر موسى بكلام عكس ما قاله باقي الجواسيس، الّذين قالوا إنّنا لا نقدر أن نصعد ونمتلك الأرض، لأنّ «الشَّعْبَ السَّاكِنَ فِي الأَرْضِ مُعْتَزٌّ، وَالْمُدُنُ حَصِينَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا. وَأَيْضًا قَدْ رَأَيْنَا بَنِي عَنَاقَ هُنَاكَ» (عد14: 28). «لكِنْ كَالِبُ أَنْصَتَ الشَّعْبَ إِلَى مُوسَى وَقَالَ: إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا لأَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَيْهَا» (عد14: 28). ويذكر الكتاب عن كَالِب ستّ مرّات أنّه اتَّبَعَ تَمَامًا الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ. وهكذا أعطى الربّ وعدًا لكَالِب أنّه - هو ويشوع بن نون - الوحيدان من كلّ الجيل الّذي خرج من أرض مصر، اللّذان سيدخلان أرض كنعان. وهكذا ظلّ كَالِبُ بْنُ يَفُنَّةَ ينتظر الربّ لمده 45 سنة. وبعد دخول الأرض وامتلاكها، طالب كَالِب بحبرون، وهكذا «صَارَتْ حَبْرُونُ لِكَالَبَ بْنِ يَفُنَّةَ الْقَنِزِّيِّ مُلْكًا إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهُ اتَّبَعَ تَمَامًا الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ» (يش14: 14). فما أروع هذا البطل الّذي ظلّ ينتظر الربّ 45 سنة، إلى أن نال الموعد، بحسب كلام الربّ، لأنّ هبات الربّ هي بلا ندامة.

أيّها الأحبّاء: إنّ درس انتظار الربّ ومواقيته من أصعب الدّروس، ولكنّ الربّ قادر بنعمته أن يُعلّمنا هذا الدّرس، فننتظره بصبر وتسليم، ونحن نعلم أنّه فِي وَقْتِهِ يُسْرِعُ بِهِ.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com