«فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ
أَنَا أَيْضًا:
أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ»
(1كو
3:15)
بعد القبض على المسيح في بستان جتسيماني ومحاكمته أمام
قيافا والسّنهدريم، والاستهزاء به، كانوا قد لفّقوا تهمةً ضدّ يسوع، والآن
سيأخذونه إلى المحكمة العليا. اعتقدوا أنّهم سيربحون القضيّة أمام المحكمة الرّومانيّة.
كان لدى بيلاطس قصر في أورشليم، إلّا أنّ مركزَ رئاسته كان في قيصريّة، على البحر
الأبيض المتوسّط. كان متواجدًا في أورشليم بمناسبة العيد، لأنّ المدينة كانت تعجُّ
بالنّاس، وكان يخشى من حدوث أعمال الشّغب والمظاهرات.
«حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ
أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى
رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ» (مت27: 3). لقد أتى يهوذا ويسوع موجود، لماذا لم يطلب
الغفران؟ بدلًا من ذلك توجّه إلى الرّؤساء. قالوا له: نحن لا نحتاجك يا يهوذا
الآن، لقد حصلنا على مرادِنا، وأنت حصلت على المال. وهكذا يذهب هذا الرّجل ويخنقُ
نفسَه مع أنّه كان بإمكانه أن يتوجّه للرّبّ ويتوب طالبًا الغفران منه.
«فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: «لاَ
يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ» (مت27: 6). يا لهم من مرائين! ولكنّهم بشرائهم الحقل
تمَّموا النّبوّة الموجودة في سفر (إرميا 1:18-4)، والمُقتبسة من سفر (زكريا 11:
12، 13). وقد نـُسبت لإرميا لأنّ الأخيـر، في زمن الرّبّ يسوع، كان أولَ كتب
الأنبياء فكان اليهود معتادين أن يشيروا إلى مجموعة النّبوّات باسم السّفر الأوّل
من القائمة. المثيـر في الموضوع أنّ الرّبّ يسوع كان حاضرًا عندما أعاد يهوذا
المال. كان الرّبّ يسوع في طريقه للموت، حتّى لأجل يهوذا. لقد أعطاه الرّبّ فرصةً
للتّوبة، ولكنّه لم يأت.
والآن يقف المسيح أمام بيلاطس البنطيّ. كان رؤساء الدّين
يحاولون أن يتخلّصوا من يسوع لما اعتبـروه تجديفًا، عندما قال عن نفسه أنّه ابنُ
الله، وأنّهم سيرون ابنَ الإنسان آتيًا في مجده. كان، حسب هذه التّهمة، يستحقُّ
الرّجمَ بالحجارة، ولكن لم تسمح روما لليهود آنذاك بتنفيذ حكم الموت على أيّ أحد. من
أجل ذلك، كان عليهم أن يسلّموه لبيلاطس بتهمةٍ تنفعُ في المحكمة الرّومانيّة،
فاختاروا الخيانة وأنّ يسوع زعم بأنّه ملك اليهود. وماذا كان ردُّ فعل يسوع على
هذه التّهمة؟ «سَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلًا: أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ
لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ تَقُولُ» (مت27: 11). اخترعوا تهمًا عديدة ضدّه، ولكن
الرّبّ لم يأبه بالرّدّ عليها. كان حَملَ الله الّذي لم يفتح فمه أمام ذابحيه.
من الواضح أن بيلاطس شعر بسخافة طلب الرّؤساء لعقوبة
الموت، لا سيّما وأنّ يسوع لم يحرّض الثّورة على روما. وهكذا يجد بيلاطس نفسه في
معضلة، فهو يريد أن يرضي رؤساء الدّين ليحافظ على السّلام في المدينة، ولكن في
الوقت ذاته شعر بأنّه لا يقدر أن يصدر حكمًا تعسّفيًّا على الرّبّ. فالتجأ الى
حلٍّ ظنه مخرجًا له، مُستخدمًا عادةً له أن يطلق سجينًا في الفصح؛ فخيّر الجموع
بين يسوع وباراباس المجرم الكبير. اعتقد بيلاطس أنّهم سيطلبون إطلاقَ سراح يسوع
لما يوجد من فرق بينه وبين باراباس. ولكن خاب ظنّه لأنّ رؤساء الدّين أخذوا
يحرّضون الجموع على يسوع. لذلك تراجع بيلاطس ولم يدرك مدى الانحطاط الّذي وصل إليه
الدّين: «قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي
يُدْعَى الْمَسِيحَ؟ قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: لِيُصْلَبْ» (مت27: 22).
تخيّل قاضيًّا رومانيًّا يسأل الجمع ماذا يُفعل بالسّجين!
كان بيلاطس القاضي، وكان عليه أن يصدر الحكم. يُخبرنا إنجيل متى أنّ بيلاطس دعا
يسوع ليتحدّث معه على انفراد عدّةَ مرّات، وكأنّه كان يقول للرّبّ: إذا تعاونت معي
سأخرجُك من هذه الورطة، وسأُخرجُ نفسي أيضًا. ولكن المسيح لم يكن يدافع عن نفسه. وعندما
نحلّل هذه المحاكمة السّخيفة نستنتجُ أنّ بيلاطس كان هو المتّهم، ويسوع القاضي. كان
على بيلاطس أن يصنع قرارًا سريعًا لذا سأل النّاس: «فَمَاذَا أَفْعَلُ
بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟». وجاءه الجواب لاذعًا: «قَالَ لَهُ
الْجَمِيعُ: لِيُصْلَبْ»! لم يستطع أن يناقشَهم «فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ
أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً
وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلًا:«إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا
الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ» (مت27: 24).
أراد بيلاطس أن يتنصّل من الموضوع، ولكن إلى أين! لا
يمكنك أن تهربَ من المسيح يا صديقي، فلا بدّ من مواجهته يومًا ما. عليك أن تتّخذ
قرارًا حاسمًا بشأنه. وبالرّغم من أن بيلاطس غسل يديه، إلّا أن وصمةَ العار لحقت
به إلى الأبد.
وهكذا ينـزل بيلاطس إلى مستواهم، ويقبل بطلبهم، وأصبح
الرّبّ لعبةً بين أيدي الجنود: «فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا
وَضَفَرُوا إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي
يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ
يَا مَلِكَ الْيَهُودِ» (مت27: 28، 29). يا له من أمرٍ مشين ذلك الّذي فعلوه
بالرّبّ! ويا لها من إهانات وآلام تحمّلها لأجلي ولأجلك!
لقد استغلّ الجنود الفرصة ليلهوا قليلًا قبل الصّلب. بما
أنّه سيموت في كلّ الأحوال، بإمكانهم أن يشوّهوه، ويعملوا فيه ما أرادوا. كانوا
يلعبون معه لعبة رومانيّة، وهي أن يصفقوه بعد أن يغمّضوا عينيه، ثمّ يطلبوا منه أن
يكتشف من ضربه. وقد ضربوه مرارًا، لدرجة أن وجهه تشوّه ونزف كثيرًا. كما قال عنه
إشعياء: «كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا
أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ» (إش 14:52).
لقد تعرّض المسيح إلى ذلٍّ رهيب وعذاب مُذيب!
«وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ
جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى: مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» - إنّه مكانٌ يشبهُ الجمجمة فعلًا - «أَعْطَوْهُ
خَّلًا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ
يَشْرَبَ» (مت27: 33، 34). كان هذا الشّراب يساعد على احتمال الألم، ولكنّ الرّبّ
رفضه لأنّه أراد أن يحمل الألم إلى آخر قطرةٍ منه، ويتحمّل أوجاعنا بكامل مداها: «وَلَمَّا
صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا
قِيلَ بِالنَّبِيِّ: اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا
قُرْعَةً» (مت27: 35). وهذه النّبوّة مأخوذة من المزمور الثّاني والعشرين، والّتي
تُبيّن صورة للموت بالصّلب: «يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى
لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ» (مز22: 18). وهكذا يُصلب البريء بين لصّين.
وعندما نجحوا في صلب ابن الله، قد نظنّ أنّهم بعدما
حصلوا على مرادهم، سيذهبون إلى بيوتهم، ويتركوه بسلام، ولكن لا. ظلّ رؤساءُ الدّين
هناك يسخرون به: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ
يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ
الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ» (مت27: 42). هذه جملة حقيقيّة. فلو أراد أن
يخلّصَك ويخلّصَني، كان لا بدّ له أن يموت هو. ولو نزل المسيح من على الصّليب، فلا
بدّ لنا أن ندفعَ نحن عقاب خطايانا.
نعم يا أخي، نحن خطاة مستحقّين الموت، والمسيحُ أخذ
مكاننا، تمامًا كما أخذ مكان المجرم باراباس. تُرى هل لو نزل من على الصّليب كانوا
سيؤمنون به؟ لا أظنّ ذلك. «وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ
صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ» (مت27: 44). يذكر لنا متـى حادثة صلب اللّصين
بجانب المسيح، وأنّهما سخرا به مثل الجميع. ولا يذكر لنا أنّ أحدَهما طلب الخلاص
قبل أن يموت. السّبب بسيط، فالملكوت الّذي يحكي عنه متّى سيكون على الأرض، أمّا
اللّص التّائب فقد ذهب إلى السّماء ليكون مع الرّبّ.
عُلّق يسوع على الصّليب في السّاعة الثّالثة، أي في التّاسعة
صباحًا حسب توقيتنا. وعند الظّهر أي بعد ثلاث ساعات، كان الإنسان قد عمل كلَّ ما
أراد في المسيح. وعند الظّهر حلّت الظّلمة على الأرض وأصبح الصّليب مذبحًا يُقدَّم
عليه ابنُ الله، حملُ الله الّذي يرفع خطيّةَ العالم. يا له من مشهدٍ تقشعرُّ له
الأبدان! «إِيلِـي، إِيلِـي، لِمَا شَبَقْتَنِـي؟ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا
تَرَكْتَنِي؟» (مت27: 46). نجد الجواب على هذا السّؤال في المزمور الثّاني
والعشرين: «إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ
كَلاَمِ زَفِيـرِي؟ ... وَأَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ
إِسْرَائِيلَ» (مز22: 1، 3). عندما وُضعت خطيّتي على المسيح، كان على الله أن
ينسحب. كان يجب أن يُتـرك المسيح ويموت، إذا ما أراد أن يحمل خطيتـَنا.
في الأناجيل الأربعة كان الحدث وكأنّ الله قد أرخى الظّلمة
على السّاعات الثّلاث الأخيرة من حياة يسوع على الصّليب، وقال: هذا شيء لا يمكنكم
أن تنظروا إليه، لأنّه أبعد من مستوى فهم الإنسان وإدراكه. لا يمكنكم أبدًا أن
تسبروا غور الآلام الّتي تكبّدها المسيح. كان الموضوع عبارة عن مسألة قضائيّة بين
الله الدّيّان العادل في السّماء، والرّبّ يسوع المسيح كالبديل على الصّليب. لقد
غدا الصّليب مذبحًا ذُبح عليه حمل الله الّذي يرفع خطيّةَ العالم
«وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ
إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ» (مت27:
47)؛ لماذا؟ ليُتمّمَ النّبوّة: «وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي
عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَل» (مز69: 21). وهكذا «صَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ
عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ» (مت27: 50)؛ «أَسْلَمَ
الرُّوحَ»، أي أطلقها طوعًا واختيارًا. لقد مات المسيحُ من أجلك عزيزي، فما هو
ردُّ فعلك لذلك اليوم؟
فيرنر
ماكي