عدد رقم 2 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الحديث الأخير والكنز الوفير  

للربّ يسوع حديثَين؛ الأوّل في بداية خدمته: عظة الجبل (مت 5-7). والحديث الأخيـر: حديث العلّيّة (يو 14-17).

والحديث الأخير الوداعيّ لأحبّائه التّلاميذ قبل ذهابه مباشرة إلى الصّليب، في اللّيلة الّتي أُسلم فيها، يمتلأ بكنز وفير من التّشجيعات والتّطمينات لنا أن نتأمّلها ونشكره عليها.

وفي هذا الحديث كلَّمهم الربّ عن سبعة أمور رائعة، هي بالحقّ كنوز رائعة. وسوف أستخدم أحبّائي أفعال التّفضيل الّتي في اللّغة العربيّة لبيان قوّة وعظمة ما تكلَّم به السَيِّد:

(1)      كلَّمهم عن أجمل مكان: «فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ» (ع 2)؛ وتجاوزًا نقول عنه مكان، لكن ما تعنيه الكلمة هو ذات محضر الله، كما يقال في (عبـرانيين 10: 19) «لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ». هل خطر ببالك - قارئي العزيز - أنّنا كمؤمنين سنقضي الأبديّة في ذات محضر الله: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ» (رؤ21: 3). تأمّل معي هذا الامتياز الرّائع. في بداية حياتنا، لم يكن لنا مجرّد حقّ الاقتـراب! فكم وكم سنساكن الله بكلّ عظمته ومجده! هل يوجد مكان أجمل أو أروع من هذا المكان؟!

ولكي نصل إلى هذا المكان قام بعمليّة إعدادنا لقضاء الأبديّة السّعيدة: «أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا» (ع 2). إن هذا الإعداد المزدوج يعني ذهابه إلى الصّليب ليعدّنا ويؤهّلنا لهذا الوجود، والإعداد الثّاني هو إعداد المكان وتهيئته لقبول مليارات المؤمنين. بدون الإعداد الأوّل لن يمكننا أن نبقى لحظة في بيت الآب؛ فكان لا بدّ أنّ حبّة الحنطة تقع في الأرض وتمّت لكي يأتي الثّمر الكثير، ثمر من ذات صنف الحبّة؛ خلائق جديدة خلاف ما كنا عليه.

قرأت أنّ إحدى الشّركات السّياحيّة في أمريكا أعلنت عن رحلة سياحيّة للقمر وقيمة التّذكرة 50 مليون دولار لمدّة شهر، واستدركت الشّركة في الإعلان منوّهة أنّ هذا المبلغ ليس كلّه ثمن التّذكرة، بل هو ما يتكلَّفه الفرد من بدلة أوكسجين خاصّة، وأنواع أكل مُعيَّنة.

وعندما قرأت هذا شكرتُ الربّ وسجدتُ أمامه، فنحن لن نتكلّف شيئًا، ولن تكون الرّحلة شهرًا، بل لقد تكفَّل الربّ بإعداد كلّ شيء، ودفع الكلفة على الصّليب، والمدّة المتاحة إلى أبد الآبدين!

(2)      ثمّ كلّمهم عن أحلى خبـر: «آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ» (ع 3). أحبّائي هل يوجد خبـر أحلى من هذا الخبر الربّ آت وسريعًا؟ إنّ اشتياق المؤمن الحقيقيّ هو مجيء الربّ لاختطاف المؤمنين. ليس رجاؤنا هو الموت، بل رجاؤنا مجيء ربّنا يسوع ثانية، ليخلّصنا الخلاص النّهائيّ، حيث تنتهي البرّيّة بكلّ ما فيها من آلام وأوجاع ودموع. كانت هذه الأشواق لدى مؤمنيّ الكنيسة الأولى لذلك كانت تحيّتهم لبعض «مَارَانْ أَثَ»، أيّ "الرَّبُّ آتٍ". هل نحن لنا هذه الأشواق لتحقيق هذا الرّجاء المبارك؟

(3)      بعدها قدّم لهم أخلص نصيحة: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي» (ع 6). لا طريق آخر يُوصلنا إلى بيت الآب إلّا الإيمان بالربّ يسوع المسيح وبعمله الكامل، وكفّارته على الصّليب. حقًّا يُتعب الإنسان نفسه لو فكّر أن يسلك طرقًا أخرى، ويستخدم وسائطًا أخرى، حتّى لو بدت في الظّاهر أنّها لا غبار عليها وترضي مَن يفعلها، إلّا أنّ الكتاب حدّد أنّ المسار والطّريق إلى السّماء هو واحد لا يتغيّر ولا لِبس فيه؛ إنّه الإيمان بشخص الربّ يسوع إيمانًا قلبيًّا، ولا يوجد طريق آخر سواه.

(4)      شجّعهم بسماعهم أصدق وعد: «وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ» (ع 13). لنا أحبّائي أن نسأل ونطلب لأنّنا نتكلَّم مع إله يسمع ويستجيب. لكن طلباتنا لا بدّ أن تتوافق مع الطّبيعة الجديدة الّتي نلناها في المسيح، ولا بدّ أن تكون حسب مشيئته، وإلّا نسمع ما كتب يعقوب في رسالته: «تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ» (يع4: 3). هكذا لنا أن نطلب طلبات تتّفق مع إرادة الله ولمجده، ولامتداد عمله وملكوته. لنا أن نطلب من أجل المؤمنين والخدام، لنا أن نصلّي من أجل الحكّام والمسؤولين، وكلّ مَن هو في مَنْصِب، لنا أن نطلب من أجل المرضى ومَن هم في ضيق واحتياج من شعب الربّ.

(5)      كلّمهم عن أمجد عطيّة: «وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ» (ع16). كان الربّ على وشك أن يغادر التّلاميذ، وعندما كان معهم كان يهتمّ بأمورهم وحفظهم، لكنّه سيصعد إلى السّماء بعد إكمال العمل، فقال لهم مرّة: «لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى» (ع 18)؛ شكرًا للربّ على أنّه أرسل الرّوح القدس ليمكث فينا ويرشدنا ويعزّينا ويعلّمنا ويذكّرنا بكلّ ما قاله لنا، عطيّة مجيدة غالية لا يعرفها العالم.

(6)      ثمّ كلّمهم عن أسمى شركة: «اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي» (ع 21)؛ لنا أحبّائي هذه العلاقة والصّداقة الحبّيّة الغالية الّتي تكلَّم عنها الرّسول يوحنا بافتخار وإعزاز، فقال: «أَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (1يو1: 3). تخايل معي قارئي العزيز: نحن التّـراب والمُزدرَى والغيـر موجود، لنا هذه العلاقة والشّركة، يا لسمو النّعمة الّتي أوصلتنا لهذه الشّركة السّامية!

(7)      أخيرًا كلّمهم عن أغلى سلام: «سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ» (ع 27)؛ لقد أعطانا - تبارك اسمه - هذين النّوعين من السّلام: الأوّل السّلام الّذي حصلنا عليه بعمله على الصّليب، سلام مع الله. لقد تمّت المصالحة: «فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (رو5: 1).

هَذَا سَلَامٌ لِي شَرَاهْ
كَالنَّهْرِ يَجْرِي فِي صَفَاهْ

رَبُّ الْفِدَى بِالصَّلْبِ
يُرْوِي ظَمَاءَ الْقَلْبِ

والنّوع الثّاني من السّلام هو سلامه الشّخصيّ: «سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ»؛ نتمتّع به في ظروف وأهوال البرّيّة ومصاعبها. نجد هذا السّلام يحفظ قلوبنا وأفكارنا في المسيح يسوع؛ ذات سلام الله نفسه. لقد تمتّعت به المرأة الشّونميّة قديمًا عندما أرسل رجلُ الله ليسألها: «أَسَلاَمٌ لَكِ؟ أَسَلاَمٌ لِزَوْجِكِ؟ أَسَلاَمٌ لِلْوَلَدِ؟ فَقَالَتْ: سَلاَمٌ» (2مل4: 26). نحتاج هذه الأيّام الّتي امتلأت بالقلاقل والاضطرابات والهموم أن تمتلئ قلوبنا بهذه السّلام. «قُولُوا لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ!» (إش3: 10).

ما أعجبك سيّدنا المبارك، في وسط ليلة الأحزان والآلام، وشبح الصّليب والموت الّذي ينتظرك، تهتمّ وتُطَمْئِنُ أحبائَك بهذه التّشجيعات المباركة: «لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي».

صفوت نظير

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com