«هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ
السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ
الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ»
(رؤ1:2).
إن
تاريخ الكنيسة على الأرض، مرسوم تخطيطي في الرسائل السبع الموجهة للكنائس السبع في
سفر الرؤيا (ص2، 3). فهذه الكنائس السبع
المذكورة بأسمائها في هذين الاصحاحين، تُمثل بصفاتها سبع أحقاب تاريخية مرت فيها
الكنيسة حتى الآن.
وقد
اختيرت هذه الكنائس من بين جملة كنائس كانت قائمة في آسيا في ذلك الوقت، لصفات
خاصة في كل منها، تميّز بالتتابع كل الحالات التي ستجتازها الكنيسة من تاريخ نشأتها
على الأرض، إلى يوم تؤخذ للسماء، تاركة خلفها صورة ميتة.
وهذه
الكنائس السبع هى:
(1)
أفسس بمعنى المحبوبة أو
المشتهاة.
(2)
سميرنا بمعنى المُر.
(3)
برغامس بمعنى الزواج
بالإكراه.
(4)
ثياتيرا بمعنى مسرح تمثيل.
(5)
ساردس بمعنى بقية حياة.
(6)
فيلادلفيا بمعنى المحبة
الأخوية.
(7)
لاودكية بمعنى القضاء على
الشعب.
وفي
كل هذه الكنائس السبع نسمع التحذير السباعي الهام: «مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ».
والرسائل
الموجهة إلى السبع الكنائس تنقسم كل منهما إلى ثلاثة أقسام:
الأول:
الصورة التي يظهر فيها الرب ذاته، وتختلف في كل رسالة عن الأخرى تبعًا لحالة
الكنيسة الموجه إليها الخطاب.
الثاني:
الحكم على حالة الكنيسة.
الثالث:
الوعود المطمئنة للغالبين في وسط الكنيسة.
(1) كنيسة أفسس (رؤ1:2ـ7)
معناها النبوي ”المحبوبة“ أو ”المشتهاة“، ومدتها العصر
الرسولي (33م إلى 100م)
«اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ
أَفَسُسَ: هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ،
الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ: أَنَا عَارِفٌ
أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ
الأَشْرَارَ، وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا
رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ. وَقَدِ
احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ
مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ
أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي
آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ. وَلكِنْ عِنْدَكَ هذَا: أَنَّكَ تُبْغِضُ
أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا أَيْضًا. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ
الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ
فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ
فِرْدَوْسِ اللهِ» (رؤ2: 1-7)
بدأت
هذه الفترة بنشر نور الحق المسيحي في ربوع العالم المظلمة من عهد الرسل إلى نهاية
أيام الشيوخ المتقدمين الذين عاصروهم.
ومن
الإشارة إلى هذه الكنيسة في سفر الأعمال (أع20: 29، 30) نرى علة الانحطاط والحالة
التي ميّزها الرب فيها، هى أنها تركت محبتها الأولى أعني إهمال وفقدان الشركة القلبية
مع الرب، التي هى النبع الحقيقي للتقديس، ولكل خدمة مقبولة. وهذه هى الخطوة الأولى في انحطاط الكنيسة. وما كان يلاحظ ذلك غير الرب، الذي يعتبره سقوطًا،
ويُطالب بالتوبة والرجوع منه، وإلا يُزحزح منارتها من مكانها.
ومدة
هذه الكنيسة في التاريخ تبدأ من عصر الرسل إلى نهاية حياة من عاصروهم من الآباء
أمثال أكليمندس وأغناطيوس وبوليكاربوس وديوناسيوس وإنيانوس أول بطاركة الإسكندرية
بعد مرقس البشير.
وكان
معاصرًا لها من القياصرة الرومان طيباريوس وكاليغولا وكلوديوس ونيرون وفسباسيان
وتيطس ودومتيان ونرفا وتراجان.
*******
(2) كنيسة سميرنا (رؤيا
8:2ـ11)
معناها النبوي ”المُر“، ومدتها عصر الاضطهاد (100م إلى
313م)
«وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ
سِمِيرْنَا: هذَا يَقُولُهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ:
أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضَيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ.
وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ
مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ. لاَ تَخَفِ
الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ
مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا،
وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ
فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ. مَنْ
لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ
فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي» (رؤ2: 8-11).
كانت
الكنيسة في ذلك العصر واقعة تحت الاضطهادات المتنوعة. والرب يشجعها على تحمل الاضطهاد
لأنه الواسطة لإظهار كل شيء على حقيقته، والوسيلة لتقريب النفس إلى الرب الذي
يحثهم أن يكونوا أمناء إلى الموت فسيعطيهم إكليل الحياة.
وسيان
اعتبرنا ضيق العشرة أيام إحصاء فعليًا لعشرة اضطهادات وقعت على الكنيسة في تلك
المرحلة، أو اعتبرناها فترة محدودة لا يتعداها الاضطهاد، فذلك لا يؤثر على
الحقيقة. فإن بعض الشراح يعدها كناية عن
عشرة اضطهادات متنوعة وقعت فيها الكنيسة. كما
وأن العاشر والأخير كانت مدته عشر سنوات كاملة.
فالاضطهاد الأول وقع سنة 81 م أيام حكم الإمبراطور فسباسيان، الذي خلف
نيرون الطاغية، والذي في أيامه خربت أورشليم وهدم الهيكل.
الاضطهاد
الثاني وقع سنة 96 م في أواخر حكم الإمبراطور دومتيان الذي في أيامه نُفى الرسول
يوحنا إلى جزيرة بطمس، وهناك كتب سفر الرؤيا.
الاضطهاد
الثالث وقع في سنة 107م في أوائل حكم الإمبراطور تراجان.
الاضطهاد
الرابع وقع سنة 177م في حكم ماركوس أوركوس أورليوس.
الاضطهاد
الخامس وقع سنة 192م في آخر حكم كومودوس.
الاضطهاد
السادس وقع سنة 230 م في حكم ألكسندر سيفورس.
الاضطهاد
السابع وقع سنة 251 م في أول حكم فالريان.
الاضطهاد
الثامن وقع سنة 258 م في آخر حكم فالريان.
الاضطهاد
التاسع وقع سنة 284م في أول حكم دقلديانوس، وبه ابتدأ تاريخ الشهداء القبطي
المعروف بمصر.
الاضطهاد
العاشر استمر من سنة 303 م إلى سنة 313م ومدته عشر سنوات، وقد وقع في مدة حكم
دقلديانوس وبعد استقالته، وهذا هو ختام الاضطهادات العامة.
وقد
بدأ اضطهاد المسيحيين بعنف في حكم نيرون الطاغية (54 م- 68 م)، إذ في سنة 64 م
شبّت النار في روما، ودام اللهيب ستة أيام بلياليها حتى جعل نصفها رمادًا. وشاع حينذاك أن نيرون أمر بذلك الحريق لكي تخلو
المدينة من أبنيتها العتيقة ليعيد بناءها على نظام أبدع. وأنه من على سطح قصره كان يشاهد ذلك المنظر
المؤلم وهو يتغنى بقصيدة نظمه عنوانها ”نهب ترواده“. ولكي يحول عنه الظنون، اتهم المسيحيين بالمؤامرة
على إحراق المدينة إتمامًا لنبواتهم، حيث كانوا يبشرون بمجيء المسيح ثانية وهلاك
العالم الشرير واحتراق الأرض بالنار (2بط3: 11-13). فكان هذا الاتهام مبررًا لإثارة أقسى الاضطهادات
في تاريخ الكنيسة. فقد دهنت أجساد
الكثيرين من المسيحيين بالزيت وأشعلت فيهم النار ليلاً، لكي يقوموا مقام المصابيح في
الحدائق الملكية.
وفي
الاضطهاد العاشر في أواخر حكم دبوكلتيان (دقلديانوس) وقع على المسيحيين أعنف الاضطهادات
التي أوقعها الأباطرة الوثنيون على الكنيسة وآخرها. فكان المسيحيون يُطرحون في السجون العميقة
ويُلقّون أمام السباع في الملاعب ويُحَرقون بالنار الخفيفة. ويُماتون بطرق أخرى كثيرة مما وسع التفنن في
القساوة. وكل هذا لم يزعزع إيمانهم.
وكانوا يرحبون بالموت لينقلوا سريعًا إلى السعادة الأبدية. وما أبداه الشهداء من التقوى والثبات في تحمل
الآلام قد جاء بالكثيرين إلى دائرة هذا الإيمان المضطهد. وكان المسيحيين في جميع هذه الاضطهادات يلجأون
إلى المغائر والسراديب التي تقع تحت مدينة روما، وكانوا هناك يدفنون موتاهم، ويرسمون
على حوائط القبور رموز رجائهم، وآثارها موجودة إلى الآن.
(يتبع)
حليم
أرسناوي