(لو17: 11-19)
أكبر
معجزة إبراء سجّلها الكتاب المقدس.
يحدثنا
الكتاب المقدس عن 21 شخصًا أبرص (3 × 7)، أي شهادة كاملة عن نجاسة الإنسان، روحًا
ونفسًا وجسدًا. لكن شكرًا لله، فقد جاء
أخيرًا مَن استطاع أن «يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ» (أي14: 4). وفي هذه المعجزة طهر دفعة واحدة عشرة رجال
برص!!
حدثت
هذه المعجزة أثناء ذهاب الرب إلى أورشليم (على الأرجح في رحلته الأخيرة، حيث كان
عتيدًا أن يُصلب هناك)، فاجتاز الرب في وسط السامرة والجليل، هذه المناطق
المحتقرة، كأنه - له المجد - يعرض خلاصه وبركته لآخر مرة على النفوس وهو عالِم
بمقدار الخسارة التي لا تُعوَّض، والتي ستقع على الذين يصرون على تجاهله.
وفيما
هو داخل إلى قرية، استقبله عشرة رجال برص.
ونفهم أن تسعة مِن هؤلاء كانوا يهودًا، وواحدًا سامريًا. وبحسب الظروف العادية، كنا نتوقع أن نرى التسعة
في جانب والعاشر في جانب آخر، «لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ
السَّامِرِيِّينَ» (يو4: 9)، وينظرون إليهم نظرة الاحتقار. لكن الشيء الذي عنده يتساوى جميع البشر هو:
الخطية «لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ
الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ» (رو3: 22، 23).
وطالما
اشترك العشرة في النجاسة، فلم يعد أمامهم جميعًا سوى شيء واحد مشترك أيضًا هو رحمة
الله (رو10: 11، 12). ولهذا فإن العشرة
البرص «وَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، وَرَفَعوُا صَوْتًا قَائِلِينَ: يَا يَسُوعُ،
يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا!» (لو17: 13).
وما
من أحد صرخ إليه وضاعت صرخته في الهواء «لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ
يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى. لأَنَّهُ لاَ
فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا
لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ
يَخْلُصُ» (رو10: 11-13).
لكن
الرب في هذه المرة، وبخلاف المعجزة السابقة، لم يلمسهم ليطهرهم. فهو - له المجد - يقدر أن يشفي بلمسة، كما يقدر
أن يشفي بدون لمسة. فكلمته كافية تمامًا
للبرء. غير أنه في هذه المرة أراد أن يوضح
أن التطهير أو الشفاء هو بالإيمان. ولذا
فإنه «قَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ
لِلْكَهَنَةِ» (ع14). ورغم أنه لم
يكن حدث فيهم أي تغيير، فقد كان الأمر إليهم أن يذهبوا. هذا هو دليل الإيمان. ويقول البشير لوقا: «وَفِيمَا هُمْ
مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا» (ع14).
في
معجزة تطهير الأبرص (مت 2:8-4 ؛ مر40:1-45 ؛ لو12:5-16)، نفهم أن الخلاص هو من
مجرد النعمة. وفي هذه المعجزة نفهم أن
الخلاص هو بالإيمان. ويقرن الرسول بولس
الأمرين معًا، فيقول: «لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ،
بِالإِيمَانِ» (أف2: 8)، وأيضًا «مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ
بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً
بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ» (رو3: 24).
«فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ
يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. وَخَرَّ
عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا لَهُ، وَكَانَ سَامِرِيًّا» (ع15، 16).
وهنا
نحن أمام أمرين: أمر لم يعمله هذا الرجل، وأمر عمله.
أما
الأمر الذي لم يعمله، فهو أنه لم يذهب إلى الكاهن. لقد رجع إلى الرب يسوع. ولم يوبخه الرب على ذلك، ولا طلب منه أن يعود
فيذهب، ذلك أن مَن يعرف قيمة شخص الرب لا تكون له بعد حاجة إلى أي
إنسان. لقد كان في القول: «اذْهَبُوا
وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ» امتحان مزدوج: نجح العشرة جميعًا في
الجزء الأول، لكنّ واحدًا فقط نجح في الجزء الثاني. لقد انفتحت بصيرته، وعرف أن المسيح هو الكل في الكل،
فلماذا يذهب إلى إنسان آخر! وهل بعد الله
الظاهر في الجسد يحتاج إلى شيء آخر؟ ولهذا
رجع، والرب مدحه.
أما
الشيء الثاني الذي عمله هذا الرجل، فهو أنه سجد
للرب. والرب في هذا أيضًا لم يُوبخه على
ما فعل. لقد رفض الملاك سجود يوحنا الرسول
له (رؤ19: 10؛ 22: 9)، ورفض بطرس الرسول سجود كرنيليوس له (أع10: 26)، لأن الوصية
الصريحة هي: «لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (مت4:
10). والمسيح يعرف هذه الوصية جيدًا، فلقد
سبق أن قالها للشيطان، رافضًا كل مجد العالم، لكيلا يسجد لغير الله. أفلم يكن المسيح على حق عندما قبل السجود من
ذلك السامري؟ بل ومن كثيرين قبل ذلك وبعده
(مت2: 11؛ 8: 2؛ 9: 18؛ 14: 33؛ 28: 9، 17؛ رؤ1: 17)؟! كلا. إن
الذي طهر الأبرص بكلمة هو الذي قبل منه السجود، لأنه في الحالتين هو الله الظاهر
في الجسد.
والرب
لم يلم هذا السامري، بل لام التسعة «فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: أَلَيْسَ
الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ
التِّسْعَةُ؟ أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ
يَرْجِعُ لِيُعْطِيَ مَجْدًا ِللهِ غَيْرُ هذَا الْغَرِيبِ الْجِنْسِ؟» (ع17،
18). وكم من أناس يفرحون بعطايا
الله. أما هذا السامري فقد فرح بالله نفسه
صاحب العطايا، فعاد إلى الرب كيما بسجوده عند رجليه يعطي مجدًا لله.
ولا
زال سؤال الرب يتردد حتى اليوم «أَيْنَ التِّسْعَةُ؟»؛ ألم ينقذك أيها
القارئ من مخاطر متنوعة؟ وشفاك من أمراض
عديدة؟ ورحمك مرارًا. فلماذا لم ترجع لتعطي المجد لله؟ ألعلك نسيت القول: «ادْعُنِي فِي يَوْمِ
الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي» (مز50: 15)؟!
«ثُمَّ قَالَ (الرب) لَهُ: قُمْ وَامْضِ، إِيمَانُكَ
خَلَّصَكَ» (ع19). فأولاً إيمانه شفاه
كما شفى زملاءه، لكنه في لقائه مع الرب في المرة الثانية فإنه، دون الباقين، سمع
قوله الحلو. البشر يتمتعون ببركات الله
وعطاياه الزمنية، فهو يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. أما نعمة الخلاص الأبدي، فلا يتمتع بها سوى
القليلين.
لقد
انفرد لوقا وحده بذكر هذه المعجزة، لأن إنجيل لوقا هو الذي يبرز نعمة الله. وأين تظهر عظمة هذه النعمة بصورة أوضح مما تظهر
به في هذه المعجزة التي فيها طهر الرب عشرة دفعة واحدة، ثم عملت النعمة في أردئهم،
لكي تتعظم، فطهرت قلبه بالإيمان كما طهرت من قبل جسده بالإيمان أيضًا؟!
ولقد
ذكرنا أن هذه المعجزة تمت على الأرجح في رحلة الرب الأخيرة إلى أورشليم. ولذا فقد قصد الرب فيها أن يوضح غروب النظام
القديم، الهيكل والكاهن، ليحل محله النظام الجديد «رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ
إِلَى اللهِ» (عب7: 19). وكعادة لوقا
في ترتيبه الموضوعي للأحداث، فإنه بعد أن أوضح غروب النظام القديم كله في هذه
المعجزة، تحدث في الأعداد التالية مباشرة عن القضاء الذي سيقع على ذلك النظام (ع
22-37).
هذا
يذكرنا برسالة العبرانيين. ففي عبرانيين 8
يتحدث الرسول عن العهد القديم الذي عتق وشاخ وهو قريب من الاضمحلال. ثم في عبرانيين 9 يتحدث عن العهد الجديد، من
ثَمَّ يتحدث في عبرانيين 10 عن الساجدين (مثل هذا السامري) وهم مُطهرون مرة، لا
يكون لهم أيضًا ضمير خطايا.
ولذلك
فهيكل النظام القديم (أي الهيكل الحرفي) قد انتهى، وسجودنا الآن هو في السماء
(عب9: 24؛ 10: 19)، وكهنوت النظام القديم (أي الكهنوت التوسطي) قد انتهى تمامًا. وسجودنا المسيحي الآن هو عند قدمي المسيح
نفسه. فهل إذ ذاك تبقى بعد حاجة إلى وسطاء
؟!
عندما
كان ذلك السامري نجسًا وقف مع التسعة الآخرين «مِنْ بَعِيدٍ» (ع12)، لكن
بعد أن طهر وصارت له ثقة بالاقتراب، فقد «خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ
رِجْلَيْهِ» (ع16).
وهذا
السامري بخلاف المرأة السامرية (يو4: 20)، لم يسأل أين يسجد، أفي جبل جرزيم أم في أورشليم؟ لأنه عرف أن السجود يكون عند قدمي الذي طهره.
وهكذا
فإن الروح القدس قد قاد ذلك السامري هنا إلى السجود عند رجلي المسيح، تمامًا كما
قاد المسيح قبل ذلك المرأة السامرية للسجود بقوة الروح القدس إلى الآب.
يا
لها من صورة سريعة لكنها جميلة في هذا الفصل للسجود المسيحي! سجود المُطهَرين مرة،
الأمر الذي أُعلن بعد ذلك بأكثر وضوح في رسائل العهد الجديد.