عدد رقم 6 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
المسيح وكَفْرَنَاحُوم  

أولاً: انتقال المسيح إلى كَفْرَنَاحُوم:

يوضح البشير مَتى خروج الرب لحياة الخدمة الجهارية بالقول: «تَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ» (مت4: 13).  فهو قد ترك القرية التي قضى فيها سنوات كثيرة من عمره، وجاء ليسكن في كَفْرَنَاحُوم، المدينة الصاخبة التجارية على شاطئ بحيرة جنيسارت، حيث كان مزمعًا أن يصنع كثيرًا من المعجزات ويدلي بمعظم تعاليمه.  وفي ذلك الوقت «كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً» (لو3: 23).

كان امتياز عظيم لتلك المدينة أن ترى ابن الله ساكنًا فيها بعض الوقت «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ.  الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ» (مت4: 16).  لكن يا لها من مسؤولية!  «فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيرًا يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ» (لو12: 48).  وكَفْرَنَاحُوم لم تقبل المسيح، بل هناك - كما في المواضع الأخرى - رُفِضَ واحتُقِرَ أيضًا «حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ!  وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! ... وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ!  سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ.  لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ.  وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ» (مت11: 20-24).

فلا سَدُوم ولا كَفْرَنَاحُوم بقي منهما شيء اليوم.  وكَفْرَنَاحُوم لم يبق بها سوى خرائب «فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟» (عب10: 29).  بل أيضًا كم عقابًا أشر ينتظر أولئك الذين يرفضون اليوم إنجيل النعمة، ويتحولون عن ذاك الذي تعلموه ربما منذ طفولتهم.  حقًا «مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!» (عب10: 31)!!

وإذ كانت كَفْرَنَاحُوم هي مركز خدمة الرب في الجليل، فقد سُميت «مَدِينَتِهِ» (مت9: 1)، وكثيرًا ما نراه في مناسبات مختلفة يأتي إلى البيت الذي كان يسكنه.

ثانيًا: دعوة التلاميذ في كَفْرَنَاحُوم:

في كَفْرَنَاحُوم وما حولها، أراد الرب أن يضم إليه من بداية خدمته تلاميذ دعاهم هو بنفسه، فتركوا كل شيء وتبعوه؛ بُطْرُسُ وَأَنْدَرَاوُسَ «لِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ»، أيضًا «يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ ... لِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ» (مت4: 20، 21)، «لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى (مَتَّى الْعَشَّارُ) ... قَامَ وَتَبِعَهُ» (مر2: 14)؛ يا لها من طاعة لدعوة السَيِّد!  وهم في اتباعهم له كانوا يشاهدونه، وهو للوقت يستجيب للنداءات، وأيضًا يُسدد مختلف الحاجات.

وبالقرب من كفر ناحوم أيضًا «صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ.  وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا» (مر3: 13، 14).  لنلاحظ أن التلاميذ لم يختاروا من أنفسهم أن يتبعوا السيد، بل هو الذي دعاهم واختار «الَّذِينَ أَرَادَهُمْ».  ولما ذهبوا إليه فهو الذي أقامهم، لكن لا ليرسلهم ليكرزوا أولاً، بل قبل كل شيء «لِيَكُونُوا مَعَهُ»؛ فكل خدمة مثمرة، وكل خدمة مباركة ومؤثرة، لا تكون إلا نتيجة مترتبة على الوجود في حضرته والشركة الدائمة معه.

في لوقا14: 25-35 يذكر الرب ثلاثة شروط للتلمذة له، هي الشروط التي تتضمن سر الحياة المباركة المنتصرة.  إن كل من يسمع دعوة الرب يسوع: «اتْبَعْنِي أَنْتَ!» يجب عليه أن «يَحْمِلْ صَلِيبَهُ» (مر8: 34)، فمعرفة اتحادنا مع المسيح في موته شيء، ومعرفة الصليب اختباريًا شيء آخر.  أما هذه الشروط الثلاثة فهي متضمنة في القول: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا.  وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا.  فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا» (لو14: 225، 26، 33).

فدائرة الروابط العاطفية القوية ينبغي أن يكون المسيح مركزها، وله الأولوية فيها.

وأيضًا النفس ينبغي أن لا تُحسب ثمينة إذا طُلبت تضحيتها لأجل الرب. صحيح أن الموت لأجل المسيح هو نعمة خاصة للبعض وليست للجميع، ولكن إنكار الذات هو شرط أساسي لمن يريد أن يكون تلميذًا له.

والشرط الثالث هو أن «كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا»؛ هذا الشرط يجمع في آن واحد جميع مجالات التضحية لأجل المسيح.  إنه شرط يسري على «كُلُّ وَاحِدٍ»، ولا يستثنى منه تلميذ.

فهل عقدنا العزم وحسبنا النفقة لأن نكون تلاميذ للمسيح*؟

ثالثًا: عمل القوات في كَفْرَنَاحُوم:

تسرد لنا الأناجيل نحو أربع وثلاثين معجزة صنعها الرب.  لكن يوحنا يكتب قائلاً: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ» (يو20: 30؛ 21: 25).  وأغلب هذه الآيات صُنعت في كَفْرَنَاحُوم وما جاورها.  هناك بكلمة شفي عبد قائد المئة (مت8: 5-13)، وهناك أمسك بيد حماة بطرس فتركتها الحمى «فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ» (مت8: 15).  هناك أيضًا لما صار المساء قدموا إليه مجانين كثيرين، وجميع المرضى؛ فشفاهم (مت8: 16).  وهناك سُمع أنه في بيت، فجاء إليه قوم يحملون مفلوجًا، ولسبب الجمع نقبوا السطح وأنزلوه إلى الوسط قدام يسوع «فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ» غفر خطايا المفلوج وشفاه (مر2: 1-12).

هناك في كَفْرَنَاحُوم أيضًا حدثت حكاية الدرهمين (مت17: 24-27) التي تبرهن من الجهة الواحدة تواضع يسوع المسيح الذي يقبل أن يدفع الجزية وهو رب الهيكل، واضعًا نفسه في مستوى واحد مع بطرس في هذا الالتزام، ومن الجهة الأخرى تبرهن على مجد الخالق الذي يستطيع أن يأمر سمكة فتأتي له.  إن كل ما في الأرض مدين له قبل يكون هو مدينًا للناس.  وتأمل كلماته التي بها وبخ بطرس الذي وضعه في نفس مستواه، تجدها كلها ”ذوقًا صالحًا“، فهو يقول له: «أَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ» ولا يقول «أَعْطِهِمْ عَنَا».

رابعًا: تعاليم المسيح في كَفْرَنَاحُوم:

كان ربنا يسوع يتكلَّم بأمثال للجموع.  لقد وضح لهم الكلمة حسبما استطاعوا أن يدركوا.  وفي كَفْرَنَاحُوم نطق الرب بأمثال كثيرة، منها أمثال متى13، وكان يكيّف كلامه وفقًا لسامعيه، فيختار من الأمثال ما هو من صميم حياتهم اليومية.  فلم يتكلَّم في الجليل، كما تكلم في اليهودية، ولم يتكلَّم إلى الجموع بنفس الأسلوب الذي خاطب به تلاميذه.  وفي هذا مثال لنا، حتى نقدم الكلمة بقدر ما تستوعبها أفهام السامعين، فلا نكلم أطفالاً كما نكلم البالغين، ولا جهالاً كما نكلم أولاد الله.  هذا ما سلكه بولس في سفر الأعمال، فهو لم يخاطب الأثينيين كما خاطب اليهود.

وإن كان الرب خاطب الجموع بأمثال، لكن تلاميذه كان يفسر لهم كل شيء (مت13: 10-15).  وأكثر من ذلك كان يعلم تلاميذه بطريقة مباشرة حسب قياس إيمانهم.  هناك في كَفْرَنَاحُوم علَّمهم عن الاتضاع (مت18: 1-14)، وفي كَفْرَنَاحُوم أيضًا تكلَّم إليهم عن الخبز الحي النازل من السماء (يو6: 24-59).

 (يتبع)



* أن معنى التلمذة للمسيح هو تغيير المركز أو المحور، فسابقًا كانت الذات هي المركز والمحور، أما الآن فالمسيح هو المركز، وهو كل شيء.  إن هذا يعنى الشيء الكثير.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com