(لو10: 38- 42 ؛ يو11، 12)
كانت
مريم واحدة في عائلة مكونة من ثلاثة أشخاص قيل عنهم: «وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ
مَرْثَا وَأُخْتَهَا وَلِعَازَرَ» (يو11: 5).
كان مسكنهم في بيت عنيا (بيت التعب والعناء)، تبعد عن أورشليم نحو ثلاثة
كيلومترات شرقًا. وكان من امتيازهم أن
يستقبلوا الرب يسوع من حين لآخر، إذ كان يجد راحة وانتعاشًا بين أولئك الذين أحبوه
وخدموه وأكرموه. ذاك الذي أحبهم أولاً
وشاركهم مشاعرهم خاصة في وسط أعماق آلامهم.
”مريم“
معنى اسمها ”عصيان“ أو ”مرار“، إذ كانت من ”أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ“ (أف2: 2)،
لكن قد افتقدتها نعمة الله، فصارت من ”أَوْلاَدِ الطَّاعَةِ“ (1بط1: 14)، ذلك
بالإيمان بالرب يسوع المسيح، وصار من نصيبها أن تجد لذتها وسرورها في الشركة مع
الرب والوجود في حضرته وسماع كلامه. ذُكرت
مريم باسمها في لوقا 10 كما في يو11، 12 ولكنْ متى ومرقس قد سجّلا فقط دهن الرب
بالطيب الكثير الثمن بالقرب من وقت موته.
نقرأ
عن مريم في ثلاثة مشاهد، لكنها غابت في المشهد الرابع، في لوقا 10 رأت مريم في
الرب يسوع النبي، فجلست عند قدميه لكي تسمع كلامه (تث18: 15). في يوحنا 11 رأت فيه الكاهن، فذهبت لكي تبكي
عند قدميه. في يوحنا 12 رأت فيه المَلك،
فسكبت طيبها عليه. لكننا لا نقرأ عنها أنها
عند القبر لأنه آمنت أنه ابن الله (رو1: 4) الذي سيقوم من الأموات.
أولاً: مريم التلميذة (لو10):
في
لوقا 10 نقرأ أن الرب دخل قرية مرثا (بيت عنيا)، فاستقبلته مرثا في بيتها وخدمته،
أما مريم فجاء عنها: «وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ، الَّتِي
جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ» (لو10: 39)،
فمدحها الرب على هذا الفعل بالقول: «اخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ
الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا» (ع42).
وهذه الحادثة وردت بعد مَثل السامري الصالح، وهنا نتعلم أنه بعد أن نخلص،
وقبل أن يجيء المسيح، علينا أن نخدم الرب (مرثا)، ونجلس عند قدميه (مريم) لكي
نتعلّمه، ولكي نفهم فكره. ويصف الروح
القدس مريم بالقول: «الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ»، ويبدو أن هذه
كانت عادتها، كلما سنحت لها الفرصة. ويبدو
أيضًا أن هذا الضيف كان هو كل شيء لها.
وأمامه كان قلبها يجد راحة وشبعًا كاملاً، كما كان هو - له المجد - مسرورًا
بها. وجلوسها عند قدميه يُبيّن أنها صارت
تلميذة له، تتعلَّم منه، كما قال بولس لليهود: «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ ... رَبَيْتُ
فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ
النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ» (أع22: 3).
وبجلوس
مريم عند قدمي المسيح تعلَّمت واجتنت بركات جزيلة: تعلَّمت فكره ومشيئته، لقد فهمت
مريم من جلوسها المتكرر عند قدميه فكره من جهة موته وقيامته، لذا لا نقرأ عنها
أنها كانت عند الصليب ولا عند القبر (كما سبق القول)، لقد فهمت أنه ابن الله الذي
سيقيم نفسه من الأموات (رو1: 4). كذلك عند
قدميه اكتشفت جماله وكماله الأدبي، فعرفت سمو شخصه وعظمة قدره، فأكرمته بطيبها،
وكأنها تقول مع داود: «وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ
أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى
جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي (فيه) هَيْكَلِهِ» (مز27: 4). عند قدميه، تعلَّمت مريم الهدوء والسلام، لا
سيما في مواجهة النقد واللوم اللذين وجها إليها سواء من أختها مرثا، أو من يهوذا
أو بقية التلاميذ. تمتعت بالسلام في وقت
التجربة، إذ مكثت في البيت في هدوء وسلام، منتظرة دعوة الرب لها. ليتنا نطيل المكوث في حضرته ونسمع كلامه لكي
نتمتع بهذه البركات.
ثانيًا: مريم المُجَرَّبة (يو11):
في
يوحنا 11 نقرأ عن قصة مرض وموت لعازر. فقد
شاء الرب في حكمته العجيبة، ولبركة ثلاثتهم، أن يمرض لعازر ثم يموت. وقد حزن قلب الأختين عن موت أخيهما. لكن في هذه التجربة أيضًا تعلَّمت مريم بعض
الدروس عن الرب:
*
سلطانه: إذ «أَرْسَلَتِ الأُخْتَانِ إِلَيْهِ قَائِلَتَيْنِ: يَا سَيِّدُ (صاحب
السلطان)».
*
محبته: قالت الأختان: «هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ». فكم نحتاج أن نثق في محبة الرب في تجاربنا «احْفَظُوا
أَنْفُسَكُمْ فِي مَحَبَّةِ اللهِ» (يه21).
*
حكمته: لم يحضر الرب في الحال متعمدًا، وقال: «هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ
لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ». وقد فهمت مريم هذا، فمكثت في البيت منتظرة
السيد والمعلم.
*
سلامه: «سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ» (يو14: 27)، وهكذا استمرت مريم جالسة بهدوء
في البيت، منتظرة حتى يدعوها هو، بينما خرجت مرثا ولاقته. لقد تيقنت مريم أن الموت لا يمكن أن يجد مكانًا
في محضر الرب.
*
توقيته: «أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ» (إش60: 22)، لقد وجدت
مريم راحة تُخفف عن قلبها المثقل في انتظار الرب.
انتظرته وذهبت إليه في تجربتها، بكت عند قدميه، فاختبرت تعزياته، ونالت ما
رامت.
*
قلبه: «فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي ... بَكَى
يَسُوعُ». إن هاتين الكلمتين «بَكَى
يَسُوعُ»، تُعلنان ما في قلب الرب من حنان.
إنهما لتعزية الحزانى على مدى الأجيال وستستمران حتى يمسح كل دموعهم من أعينهم. لقد تلقت مريم التعزية الكاملة منه برؤية
دموعه.
*
قوته: «وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: لِعَازَرُ، هَلُمَّ
خَارِجًا! فَخَرَجَ الْمَيْتُ». لقد رأته في قدرته وقوته كرئيس الحياة والمحيي،
الذي أعاد الحياة لميت قد أنتن. ليتنا
نثبت في محبته وننتظره حتى لو تأنى علينا، سينصفنا سريعًا.
ثالثًا: مريم الساجدة (يو12):
تسجل
الأناجيل الثلاثة؛ متى ومرقس ويوحنا، حادثة سكب مريم للطيب على رأس الحبيب. وهذه الحادثة وضعها الروح القدس عند الحديث عن
غدر الكهنة وتفاهة التلاميذ وخيانة يهوذا، على سبيل المفارقة والمباينة. ففيما كان الأشرار يتآمرون عليه في أورشليم، كان
هناك مشهدًا مختلفًا تمامًا في بيت عنيا.
لم يكن له مكان في الهيكل، لكن وجد هذا المكان في بيت سمعان الأبرص. أنكروا عليه الكرامة الملكية، فوجد مَن عرفته
كالمَلك فسكبت طيبها على رأسه. إذ ميَّزت
المسيا في شخص يسوع، فأكرمته، كأنها تقول: «مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ
أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ» (نش1: 12).
ونحن لا نستغرب إذ يفيض قلب مريم بالسجود للرب والتكريس له، وبذل كل ما هو
غالٍ وثمين في طريق محبتها له، إذ قد عرفته لا كمَن أحبهم فقط، بل أحسنَ إليهم في
طريق هذه المحبة، وكمن هو القيامة والحياة، بل كمَن هو ابن الله المُرسَل من الآب
لهذا العالم. وما فعلته مريم نرى فيه صورة
لسجود المؤمنين الآن:
*
توقيت السجود: «قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى
بَيْتِ عَنْيَا ... فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ
كَثِيرِ الثَّمَنِ» (يو12: 1-3). يربط
الروح القدس بين عيد الفصح (يشير إلى موت المسيح)، وسكب الطيب، فلا سجود حقيقي
بالانفصال عن صليب المسيح.
*
مكان السجود: «فِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ
الأَبْرَصِ» (مر14: 3)، فالذين تطهروا من نجاسات الخطية، من نصيبهم الآن وهم في
هذا العالم، أن يقدّموا سجودهم للآب ولابنه، وسيَكمل سجودُنا في بيت الآب.
*
غرض السجود: «صَنَعُوا لَهُ (للمسيح وليس للعازر المقام) هُنَاكَ عَشَاءً». إن غرض سجودنا الوحيد "يسوع وإياه
مصلوبًا"، شخصه وعمله.
*
تكلفة السجود: إن سجود مريم لم يكن سجودًا مجانيًا، بل سجودًا ثمينًا
مُكلفًا، إذ «أَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا (نصف اللتر) مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ
كَثِيرِ الثَّمَنِ» (يو12: 3).
*
شهادة السجود: «فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ» (يو12:
3). إن رائحة السجود الحقيقي للمسيح تفوح
منها رائحة المسيح الذكية للخارج. ومَن
الذي لم يشعر بهذا حقًا ولو في مقياس ضعيف، حينما يجتمع مع القديسين مِن حول
الرب؟!
*
مقاومة السجود: اعترض يهوذا الإسخريوطي وبقية تلاميذ المسيح على ما فعلته
مريم وكانوا يؤنبونها. فما أكثر الذين
يكدرون سجود القديسين. دعونا لا ننشغل
بهم، ولا نعطهم فرصة ليقطعوا علينا فرصة سجودنا.
*
ذكرى السجود: «فَقَالَ يَسُوعُ: اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي
قَدْ حَفِظَتْهُ» (يو12: 7)، «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ
بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ
هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا» (مت26: 13).
أحبائي
... ليت الروح القدس - ونحن نتأمل في شخصية مريم - يُشوِّق قلوبنا للوجود باستمرار
في محضر الرب، لكي نجتني الهَنا في حديثنا تحت ظله، ونظل هكذا إلى أن يجيء.