عدد رقم 1 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
فخاخ المجرّب  

هل سمعت عن "الطُّعم"؟

الطُّعم كلمة يستخدمها كلّ مَنْ ذهب لصيد السّمك، فبعد أن يُحدّد الصّيّاد مكان ونوعيّة صيده، واحتياج الفريسة، يبدأ في تجهيز الطُّعم المناسب، فالصّيد في المياه العذبة يختلف عنه في المياه المالحة، فلكلّ نوع طٌعم خاص، ثمّ يضعه في "الفخّ" وينتظر حتّى يقتنص صيده، وربّما يأخذ هذا وقت طويل منه، لكنّه حتمًا سيسعد بصيده.

كثيرًا ما حذّرنا الكتاب من صاحب المكايد (أف 5: 11) - الصَّيَّاد، كي لا نجهل أفكاره (2كو 2: 11)، بل وأعطانا وعد مُطمئِن "لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ" (مز 91: 3)، فوعد الربّ لا يمنع الفخاخ بل ينجّي منها إذا ما خضعنا له، ولم نجعل من طُعم الصّيّاد فرصة لخِدَاعنا، وربّما أحيانًا، يستخدم الربّ في رحلة البرّيّة هذه الفخاخ لامتحاننا، ولكشف حالة قلوبنا في الخضوع له أو المَيل خلف المُجرّب الّذي يريد إهلاكنا، فعلى مدار 40 سنة جُرِّب بني إسرائيل ببرّيّة سُمّيت أرض حيّات وعقارب (تث 8: 15)، وكان الغرض ليعرف الرّبّ ما في قلوبهم أو بالأحرى يُعرّفهم ما في قلوبهم.

ومعًا سنقف أمام ثلاث فخاخ للمُجَرّبِ (مت 4: 1-11)، ولكن ليس لامتحان المُجرَّب وكشف قلبه، كمثل الشّعب - فحاشا أن يكون في قلبه أي ميل للخطأ بل أراد الرّوح القدس أن يكشف لنا كيف كسر المُجرَّب - ربّنا يسوع - فخّ المُجرِّب بالاستناد فقط على كلمة الله.

ففي مشهد المعموديّة شهد المعمدان له، بل والسّماء أيضًا بيقين هويّة السّيّد مَنْ يكون؟ "هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْت" (مت 3: 17)، فهو نال شهادة السّماء بسروره قبل التّجربة، وبعد 40 يومًا من الصّوم جاع، فجاء الصّيّاد ليطمر ثلاثة فخاخ شرسة:

(1) فخ الاحتياج (عد 3)                        (2) فخ أنصاف الآيات (عد 6)                              (3) فخّ الحقوق (عد 9)

أوّلًا: فخّ الاحتياج (عد 3)

" فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً خُبْزاً" (متى 4: 3)

­          فبعد شهادة السّماء جاء الصّيّاد ليُشكَّكَ في اليقين الثّابت وهو كونه ابن الله، تخيّل! وهو عين ما يفعله معنا، إنّه يشكّك في يقينيّات مثل أمر خلاصنا أو رعاية الرّبّ لنا أو مقامنا في المسيح يسوع... الخ، وليس الغرض إلّا أن نفقد سلامنا وننشغل في إثبات ما هو مُثبَت، وهذا يستغرق وقت وطاقة كان من المُمكن استخدامها في أيّ مجال آخر.

تحذّر لأنّ من ضمن أهداف العدوّ هو تعطيلك عمّا يريد الله أن ينجزه بك، فلا تنشغل لتثبت له ما أكّدته كلمة الله لك.

­          ثمّ بنى "الطُعَمَ" على الخبز والّذي يخاطب احتياج الجوع لدى طبيعة ناسوت ربّنا يسوع - والّذي له طبيعتَين كما نؤمن - لاهوت وناسوت دون انفصال أو امتزاج - فبعد 40 يومًا من الصّوم يقول الكتاب: "جَاعَ أَخِيرًا" (متى 4: 2)، وهنا يبدأ الغزو، ويا للعجب فعندما شهدت السّماء عن كونه ابن الله تجاهل، بل وذهب ليشكّك فيها، ولكن عندما لاحظ الصّوم وما يتبعه من جوع جاء ليشير إلى الخبز! وهو عيّن ما يكرّره معانا، أنّه يعلم عن احتياجنا وما ينقصنا في الحياة، وهذا من كثرة خبرته في التّعامل مع البشر، بل ويستخدم ذلك في حربه معنا.

وأخيرًا خرج الفخّ في صورته النّهائيّة ومغزاه كيف تكون ابن لله وتحتاج للخبز؟ وعلى قياسه أيضًا، كيف يكون أب صالح ويحرم؟ أنّه سلاح التّشكّيك الفتّاك - إن صدّقته ليزرع خصومة في قلبك ناحية الله المُحبّ.

عزيزي أرجو أن تعتبر لعدّة أشياء هامّة:

1.      لكونك إنسان سيصاحبك شعور الحرمان، فلا تعطي إبليس مجالًا ليدخل إليك من نقاط لم تكتمل في حياتك بعد، ليجعلك تقع في الله وتنكر صلاحه بل قُلّ مع بولس: "قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ" (في 4: 12)، ونصيحة إن تدرّبتَ أن تحيا بدون هذا الاحتياج، سوف تحيا فيما بعد في وجوده حتّى وإن غاب، بل والأكثر من ذلك فإن أشبع الله احتياجك فلن يفسدك فيما بعد.

2.      لا تُصدّق كذّاب يُشكّك في أمين يحبّ، بل كن أكثر تأكّدًا من يقينك المؤسَّس على كلمة الله إذ هاجمه إبليس، لأنه لو كان ضلال لما هاجمه الشّيطان.

3.      تعلم من المُعلِم كيف تنجو من الفخّ فهو لم يلتفت إلى التّشكيك في كونه ابن الله، ولم ينخدع ويثبت له بالمعجزة أنّ الحجارة تصير خبزًا مع أنّ في استطاعته أن يفعل ذلك بل وأكثر، لكنّه عَلِمَ أنّ التّشكيك هو مدخل الوقيعة في الله نتيجة احتياج حياتي، وهو الخبز - فبسرعة استلّ سيف كلمة الله فَأَجَابَ: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّه" وهذا ليعلمنا أنّ حياتنا مرهونة، ليس بسداد الاحتياج بل بكلمة الله، فالله في قدرته يستطيع تسديد أعوازنا (مز23: 1)، لكنّه يريد أن نتعلّم أن نحيا بدون أي شيء إلّا كلمته.

عزيزي، لا تعطي فرصة للشّيطان أن يخدعك من بوّابة احتياج حياتيّ، فسيأتي وقت ويسدّده الله أو ربّما يريدك أن تحيا بدونه وذلك حسب إرادته لحياتك، بل كن واثقًا في محبّته فهو لا يمنع خيرًا عنّا بل يريدنا أن نحيا بكلمته ولنصلِّ مع المرنّم: "هذِهِ هِيَ تَعْزِيَتِي فِي مَذَلَّتِي (مُعاناتي) - لأَنَّ قَوْلَكَ أَحْيَانِي" (مز 119: 50).

وإلى أن نلتقي مرّة أخرى، استودعك عزيزي الشّاب لكلمة الله، لتثبت فيك وتجعلك تغلب الشّرّير (1يو 2: 14).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com