حزقيا هو أحد الملوك
الأتقياء الّذين أقامهم الرّبّ واستخدمهم في نهضة عظيمة في مملكة يهوذا في القرن
الثّامن قبل الميلاد (حوالي سنة 726 ق.م.)، وقد سرد الرّوح القدس تاريخه في أسفار
الملوك الثّاني (الأصحاحات 18-20)، وأخبار الأيّام الثّاني (الأصحاحات 29-32)،
وإشعياء (الأصحاحات 36-39).
حزقيا والإرث الثّقيل
الّذي ورثه:
كان آحاز أباه ملكًا
شرّيرًا جدًّا، تمادى في إغاظة الربّ، إذ أوقد في وادي ابن هنوم، وأَحرَق بنيهِ
بالنّار حسب رجاسات الأمم، ولم يكتفِ بهذا، بل جعل الشّعبَ يبتعد جدًّا عن الربّ،
فقد تركوه وحوّلوا وجههم عن مسكن الربّ وأعطَوا قَفًا (2أخ 29: 6)، أي جعلهم
ينصرفون عن أمور الربّ ثمّ «أَغْلَقُوا أَيْضًا أَبْوَابَ الرِّوَاقِ وَأَطْفَأُوا
السُّرُجَ». ويا للعجب، وكأنّ الهيكل مكانًا لفعل الشّرّ، لذا لا غرابة أنَّ الشّرارة
انطفأت، ثمّ أيضًا: «لَمْ يُوقِدُوا بَخُورًا وَلَمْ يُصْعِدُوا مُحْرَقَةً فِي
الْقُدْسِ لإِلهِ إِسْرَائِيلَ» (2أخ 29: 7)، أي توقّفت الصّلوات وتوقّف السّجود. لكنّ
نعمة الله وجدَت له أُمًّا تقيّة هي: «أَبِيَّةُ بِنْتُ زَكَرِيَّا» (2أخ 29: 1)،
ولا شكّ أنّها أنقذَتْهُ من أن يُحرَق بالنّار مثل إخوته، ثمّ أيضًا علّمتْهُ
شريعة الربّ، فأصبح حزقيا بحقّ «شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ» (زك 3: 2). إنّ
الأمّ التّقيّة كانت وراء الملك العظيم الّذي استخدمه الربّ في واحدة من أعظم النّهضات
في تاريخ شعب الله.
تطهير هيكل الرّبّ:
بدأ حزقيا الشّاب ذو
الخمس والعشرين سنة فورًا في تطهير بيت الربّ، إذ في السّنة الأولى من مُلكِهِ، في
الشّهر الأوّل، فتح أبواب بيت الربّ ورمّمها وأدخل الكهنة واللّاويين إلى هناك،
وبدأ يعترف بخطايا وذنوب أبيه، ثمّ أعلن أنّه مزمع أن يأخذ مسارًا مختلفًا تمامًا:
«فَالآنَ فِي قَلْبِي أَنْ أَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ
فَيَرُدُّ عَنَّا حُمُوَّ غَضَبِهِ» (2أخ 29: 10).
جيّد أن يُبكِّر كلّ
شابٍّ في تقديم حياته وإمكانيّاته للربّ، فيحفظه الربُّ من الشّرّ، ويجعله إناءً
للكرامة، ويستخدمه لمجده. إنّ وصيّة الكلمة لنا: «قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ
فِي قُلُوبِكُمْ» (1بط 3: 15).
بدأ اللّاويّون بتطهير
بيت الربّ، وأخرجوا كلّ النّجاسة الّتي فيه، وطرحوها في وادى قدرون، واستغرق هذا
العمل ستّة عشر يومًا، والكتاب يذكر أسماء هؤلاء اللّاويّين الأربعة عشر، برهانًا
على قيمة هذا العمل في عينيّ الربّ. لم يكن كافيًا تطهير بيت الربّ، لكن كان لا بّد
أن تعود عبادة الربِّ إلى الهيكل، لذا فبمجرّد أن كَمُل التّطهير، بدأ حزقيا في
تقديم الذّبائح، ولكنّه لم يأخذ لنفسه دور الكهنة، بل طلب من الكهنة بني هارون أن
يُصعدوا الذّبائح على مذبح الربّ.
فِطنَة حزقيا:
أمر حزقيا الكهنة
بتقديم ذبيحة خطيّة عن المملكة وعن المَقْدِسِ وعن يهوذا، ثمّ تقدّموا بتيوس ذبيحة
الخطيّة أمام الملك والجماعة، ووضعوا أيديهم عليها. وذبحها الكهنة وكفّروا بدمهم
على المذبح تكفيرًا عن جميع إسرائيل لأنّ الملك قال أنّ المحرقة وذبيحة الخطيّة
هما عن كلّ إسرائيل (2أخ 29: 21-25). ثمّ أوقفَ اللّاويينَ في بيت الربّ بآلات
الغناء حسب أمر داود وجاد رائي الملك وناثان النّبيّ، لأنّ من قِبَل الربّ الوصيّة
عن يد أنبيائه. ثمّ أمر بإصعاد المحرقة على المذبح. وعند ابتداء المحرقة ابتدأ
نشيد الربّ والأبواق بواسطة آلات داود ملك إسرائيل. وعند انتهاء المحرقة خرّ الملكُ
وكلُّ الموجودين معه وسجدوا (2أخ 29: 27-29). إنّ المحرقة تمثّل ما يعنيه موت
المسيح بالنّسبة لله، ولذا ابتدأ عندها نشيد الربّ. ما كان من الممكن التّرنيم قبل
المحرقة، وبالمثل لم يكن ممكنًا أن تكون هناك عبادة حقيقة لله الآب ولا فرح حقيقيّ
للإنسان إلّا على أساس كمال عمل المسيح في الجلجثة.
ممّا عمله حزقيا نتعلّم
أنّ النّهضات المباركة في تاريخ شعب الله، استخدم فيها الربُّ ملوكًا أتقياء، واتّسمت
بصفة عامّة بثلاثة أشياء:
(1) الاهتمام ببيت الله (2أخ 29: 3-19).
(2) الرّجوع إلى كلمة الله والتّمسُكِ بها (2أخ 29: 30: 5).
(3) وضع كلّ شعب الله في الاعتبار (2أخ 29: 24؛ 30: 6-27)، إذ أنّ حزقيا قال إنّ
الذّبائح هي كلّ إسرائيل.
عيد الفصح الّذي عمله
حزقيا:
فهم حزقيا من كلمة
الله أهمّيّة صُنع عيد الفصح، فأرسل إلى جميع إسرائيل ويهوذا، وأيضًا إلى أفرايم
ومنسَّى، أن يأتوا إلى بيت الربّ في أورشليم ليعملوه. لأنّ الشّعب لم يكونوا مستعدّين
ولا الكهنة لم يكونوا قد تقدّسوا بالقدر الكافي، فعملوا الفصح في الشّهر الثّاني
كما سمَحَت الشّريعة بذلك (عد 9: 11). وكان قلب حزقيا متّسعًا لكلّ إسرائيل، فأرسل
السّعاةَ برسائل من عنده إلى كلّ الأماكن (2أخ 30: 6-9). وتلخّصت هذه الرّسائل في
5 أمور:
(1)
«ارْجِعُوا إِلَى
الرَّبِّ إِلهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ»: وهذا يعني التّوبة.
(2)
«لاَ تُصَلِّبُوا
رِقَابَكُمْ كَآبَائِكُمْ، بَلِ اخْضَعُوا لِلرَّبِّ (مدّوا أيديكم للرّبّ)»؛
بمعنى ضعوا أيديكم في يد الرّبّ بثقة كاملة، وهذا يعني الإيمان.
(3)
«وَادْخُلُوا
مَقْدِسَهُ» أي مكان حضوره.
(4)
«وَاعْبُدُوا الرَّبَّ
إِلهَكُمْ» أو اخدموه.
(5)
«لأَنَّ الرَّبَّ
إِلهَكُمْ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ» أي اعرفوا صفاته الحلوة.
قابل الأغلبيّة من الشّعب
هذه الرّسائل بالاستهزاء، لكن البعض من أشير ومنسّى وزبولون تواضعوا، وأتوا إلى أورشليم.
وهكذا حتّى الآن يضحك المتديّنون على رسالة نعمة الله بسبب كبريائهم! أمّا المتّضعون
والشّاعرون بحاجتهم، فتجاوبوا مع دعوة الرّبّ. وكيف يمكن عبادة الرّبّ بفرح، دون
تواضع حقيقيّ؟!
واجتمع الشّعب إلى
أورشليم وقاموا وأزالوا كلّ المذابح الوثنيّة ثمّ ذبحوا الفصح. وحتّى الكهنة واللّاويّون
طلبوا وتقدّسوا وأدخلوا المحرقات إلى بيت الرّبّ. ويا ترى على أيّ أساس تمّ تطهير
كلّ الشّعب؟ لقد تمّ بواسطة الفصح الّذي صنعوه ودم الذّبائح الّتي قدّموها.
وهكذا فإنّ نعمة الله
أعدّت لنا شيئًا أعظم، وهو دم المسيح، الّذي له الفعاليّة الدّائمة للتّطهير:
«وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (1يو 1:
7).
ثمّ ما أجمل أن نرى
حزقيا يصلّي عن الشّعب، لأنّ كثيرين منهم أكلوا الفصح دون أن يكونوا قد تطهّروا - كما
هو مكتوب- وقال: «الرَّبُّ الصَّالِحُ يُكَفِّرُ عَنْ كُلِّ مَنْ هَيَّأَ
قَلْبَهُ لِطَلَبِ اللهِ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِهِ، وَلَيْسَ كَطَهَارَةِ
الْقُدْسِ. فَسَمِعَ الرَّبُّ لِحَزَقِيَّا وَشَفَى الشَّعْبَ» (2أخ 30:
18-20).
آثار النّهضة الإلهيّة
(2أخ 31):
إذ استقامت قلوب الشّعب
قدّام الربّ في حالة القداسة، توَّلدت فيهم القوّة لمزيد من التّخلّص من آثار
الأصنام. ونتيجة لذلك ظهر السّخاء في العطاء. وقد أتى الشّعب بالباكورات والعشور
بكثرة، حتّى أنّهم وضعوها في الصُّبَرِ أيّ الأكوام. ولما سأل حزقيا الكهنة عن هذه
الأكوام أجابه عزريا الكاهن الرّأس قائلًا أن منذ بدأ جلب التّقدمات فإنّهم جميعًا
أكلوا وشبعوا وفَضُل عنهم بكثرة (أنظر ع 10)، ويا لها من صورة رائعة كما ينبغي أن
يكون عليه السّخاء المسيحيّ في عصر النّعمة. ونحن لنا تحريض الكتاب، إنّ من يزرع
بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد. ولقد كان حزقيا مثالًا لشعبه إذ أعطى هو أيضًا حصّة
من ماله للرّبّ.
إنّ الرّبّ يلاحظ عطاءنا وإن كنَّا أسخياء أم لا. ثمّ
أنَّ سخاءَنا يُقدِّم قدوة مؤثّرة في إخوتنا. ويلخّص الكتاب نهضة حزقيا بكلمات
جميلة: «هكَذَا عَمِلَ حَزَقِيَّا فِي كُلِّ يَهُوذَا، وَعَمِلَ مَا هُوَ
صَالِحٌ وَمُسْتَقِيمٌ وَحَقٌّ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِهِ. وَكُلُّ عَمَل ابْتَدَأَ
بِهِ فِي خِدْمَةِ بَيْتِ اللهِ وَفِي الشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِيَطْلُبَ
إِلهَهُ، إِنَّمَا عَمِلَهُ بِكُلِّ قَلْبِهِ وَأَفْلَحَ» (2أخ 31: 20، 21).