إدانة
الآخرين: هي خطيّة من ضمن الخطايا المؤثّرة على حياتنا الرّوحيّة،
وللأسف ربّما لا نعتبرُها خطيّة. وفي هذا المقال المختصَر سنذكر لماذا لا يحقّ لنا
أن ندين الآخرين؟ وأسباب الإدانة ونتائجها.
لماذا لا يحقّ لنا أن ندين
الآخرين؟
توجد
أسباب كثيرة، لأجلها لا يليق بنا إدانَة الآخرين:
1.
لأنَّنا
لا نملِك السُّلطان الَّذي يحقُّ لنا به أن ندين الآخرين:
فهذا
السُّلطان هو حقّ الله وحده، وعندما نَدينُ فنحن نتعدَّى على سلطان الله، حتَّى
ولو كان الآخر مخطئًا أو تعتري حياته الضَّعفات. وهذا ما ذكره الوحي: «مَنْ أَنْتَ الَّذي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ
لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ» (رو 14:
4)، فهذا العبد الَّذي ندينه ليس عبدًا لنا لكنَّه عبد للسَّيد، والسَّيِّد وحده
له الحقُّ في أن يدينه لأن السَّيِّد هو مَنْ اشتراه بموته: «لأَنَّهُ لِهَذَا مَاتَ الْمَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ،
لِكَيْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ» (رو 14:
9)، ولهذا يعقِّب مرَّة أخرى ويقول: «وَأَمَّا أَنْتَ فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ
أَنْتَ أَيْضًا لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ
أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ» (رو 14: 10).
والوقوف
أمام كرسيّ المسيح جاء في الوحي المقدَّس بالارتباط بالمكافأة، وبالارتباط
بالتَّحذير من إدانَة الآخرين لكنَّنا للأسف ظننَّا أنَّه عندنا من
الخبرة ما يؤهِّلنا للحُكم في الأمور والأشخاص والتَّصرُّفات، ونسينا أنَّنا بهذا
نسلب الله حقَّه.
وعن
هذا عبَّر أحدهم بالقول: "يُخجلني ما حقَّقتُه من خبرة في التقاط العيوب، فقد
صارت رؤية الأخطاء تسليَتي وهوايتي القبيحة!".
2. في الإدانَة كسر لوصايا إلهيَّة:
هناك
وصايا صريحة تحذِّر من إدانَة الآخرين، منها ما جاء في موعظة الرَّبِّ على الجبل:
«وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ
تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا
يُغْفَرْ لَكُمْ» (لو 6: 37). وفي رسالة يعقوب
الَّتي تكلَّمت عن البرِّ العمليّ ورد: «لاَ يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ.
الَّذي يَذُمُّ أَخَاهُ وَيَدِينُ أَخَاهُ يَذُمُّ النَّاموس وَيَدِينُ النَّاموس»
(يع 4: 11). فليتنا نُعبِّر عن محبّتنا للرَّبِّ بحفظ وصاياه، وليست فقط وصاياه
الَّتي تدعونا لفعل أمور إيجابيَّة، بل أيضًا وصاياه الَّتي تُحذِّرُنا من أمور
سلبيَّة.
3.
لأنَّنا
لا نعرف الدَّوافع:
«السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا» (تث
29: 29). فالأعمال الظَّاهرة الَّتي ندينها توجد وراءها دوافع غير مرئيَّة لا
نستطيع أن نعرفَها لكنَّها معروفة لدى الله، وأيَّة أحكام نصدرها قابلة للخطأ، إذ
أنّها تفتقد إلى الدَّلائل المؤكَّدة، وأعتقد أنَّ القارئ يشاركني الرَّأي في
أنَّه توجد أمثلة كثيرة في كلمة الله للأحكام الخاطئة نتيجة الحكم على الدَّوافع، وأوضح مثال على ذلك كلام هارون ومريم على موسى في سفر العدد
الأصحاح الثَّاني عشر. هذا الكلام، صدر بدافع الغيرة الجسديّة.
4. في
الإدانَة انشغال بعيوب الآخرين:
وبالتَّالي
تناسِي العيوب الشخصيَّة. إن كان هناك شخص أعرف عنه كلّ شيء، فهذا الشَّخص هو أنا:
«لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاس
يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذي فِيهِ؟»
(1كو 2: 11)، وقد شبَّه الرَّبُّ انشغالنا بعيوب الآخرين بشخص في عينه خشبة، لكنه
نظر بانتباه إلى قَذَى في عينَيْ أخيه. أي إنَّ الخطيَّة من النَّوع نفسه
(الخطيَّة في العين)، لكن مع الفارق أنَّ حجم الخطيَّة عنده أكبر بكثير من حجمها
عند أخيه، وهذا ما فعله المشتكون على المرأة الَّتي أُمسكت وهي تزني. كانوا غارقين
في ذات الخطيَّة الَّتي أدانوا المرأة عليها، وعندما كُشفت أفكارُهم في محضر
الرَّبِّ، وبدلًا من أن يتوبوا، خرجوا واحدًا فواحدًا.
إبليس
يشغلنا بعيوب ونقائص الآخرين حتَّى لا ندين أنفسنا، فيتمُّ فينا القول: «جَعَلُونِي نَاطُورَةَ الْكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي
فَلَمْ أَنْطُرْهُ» (نش 1: 6)، لهذا إن كان هناك
شخص يستحقُّ أن أدينه وأحكم عليه فهُوَ أنا. وهذا ما يسمِّيه الكتاب امتحان
النَّفس، لكنَّنا للأسف نرى عيوب النَّاس الصَّغَيرة جدًّا ضخمة جدًّا،
ولا نرى إطلاقًا عيوبنا الكبيرة الواضحة. وفي هذه الحالة نحن نشبه من ترك ميّته
وذهب ليبكي ميّت جاره!!
5. الإدانَة خطيَّة:
فبالرُّجوع إلى تشبيه القذى والخشبة، يمكن أن نفهم أنَّ
الخطيَّة عند أخي تُشبَّه بالقذى في العين، والخشبة في عينِي هي إدانتي له، فواضح
أنَّ إدانتنا للآخرين خطيَّة أبشع في عينَيِ الرَّبِّ من أخطاء الآخرين ذاتها.
6. في الإدانَة اعتراف ضمنيٌّ بأفضليّتنا:
بعدما ندين آخرين لأجل خطايا وقعوا فيها، سيأتي الوقت
الَّذي فيه نسقط فيما أدنَّا الآخرين عليه. وسنتذكَّر ما فعلناه تجاه من أدنَّاهم.
وساعتها سنعرف أنَّنا لسنا أفضل منهم. فلولا عمل نعمة الله فينا، لسقطنا فيما هو
أشرّ ممَّا سقطوا هم فيه.
7. مكان الحُكم الصّحيح هو كرسيّ المسيح:
وهذا ما أوضحه الرَّسول بولُس لإخوة كورنثوس عندما قال:
«إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ حتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ
الَّذي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ
يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ» (1كو 4: 5). والعبارة الَّتي سبقت
هذه الآية تفيد بأنَّ بولُس لم يكن يأبَهْ بأحكام البشر فيه، ولا بما يكتبه
التَّاريخ عنه، ولم يكن يأمن حتَّى لأحكامه الشّخصيَّة في نفسه، فقال: «فَإِنِّي
لَسْتُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي. لَكِنَّنِي لَسْتُ بِذَلِكَ مُبَرَّرًا.
وَلَكِنَّ الَّذي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرَّبُّ» (1كو 4: 4)، فلا أحكام الآخرين
فينا عادلة، ولا أحكامنا في الآخرين عادلة، ولا أحكامنا حتَّى في أنفسنا عادلة
دائمًا، ولكنَّنا ننتظر اليوم الَّذي فيه سيظهر الرَّبُّ الأحكام العادلة ليس فقط
في الكلمات بل حتَّى في آراء القلوب والدَّوافع.
نلاحظ أنّ الإدانة في البداية تكون داخليّة أي
في الفكر (تنظر)، وبعدها تتطوّر إلى إدانة كلاميّة: «تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي، دَعْنِي أُخْرِجِ
الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ» (لو 6: 42). وفي كلّ الأحوال هي خطيّة. والمثال
الواضح لخطيّة الإدانة بالفكر في (لوقا 7) عندما أدان الفريسيّ شخص الربّ نفسه،
وأدان المرأة الخاطئة. وكم من المرّات الّتي فيها نقع نحن أيضًا
في إدانة الآخرين مع أنّنا نظهر أمامهم بمحبّة، لكنّنا ندينهم في داخل قلوبنا
وأحيانًا أخرى في غيابهم.
ثانيًا: أسباب الإدانة
(1) أوقات الفراغ: أوصى
بولس تيطس من جهة العجائز أن يكنّ غير ثالبات (غير ماسكات السّيرة) (تي 2: 3)، حيث
أن الفراغ يقود إلى الكلام الكثير و"كَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ
مَعْصِيَةٍ" (أم 10: 19)،
ونفس الأمر أوصى لأجله بولس في (2تس 3: 10-12)، حيث أوصى بالعمل في وقت وجد فيه
أناسًا فضوليّون يسلكون بلا ترتيب (أعتقد أنّ السلوك بلا ترتيب هنا هو مسك السّيرة).
(2) الإسقاط: أي
عندما لا أقدر على أن أدين الخطيّة في نفسي أقوم بالبحث عن آخرين يحملون نفس نوع
الخطيّة، حتّى وإن كانت بصورة أقلّ (تشبيه الخشبة والقذى) وأبتدئ في انتقادهم بشدّة،
والحكم الّذي أشفقتُ على نفسي فيه أُنفّذه في الآخرين بكلّ قسوة وبكلّ شدّة.
(3) الذّات: إنّ الذّات
لا تكتفي بأن تكون معبوديّ أنا فحسب، بل تريد أن تحظى بعبادة الآخرين أيضًا، وإن
وُجد في المشهد مَنْ يهدّدها كمعبود تقوم بإزالته بكلّ الطّرق الممكنة، ومن ضمنها
الإدانة حيث تعمل على تشويه صورة هذا الشّخص لدى الآخرين حتّى تظلّ هي المعبود
الأوحد.
(4) عدم المحبّة: هي آفة
تجعلنا نظنّ السّوء ونُقبِّح، أي نذكر عيوب الآخرين.
(5) السّلبيّة: المتفرّجون
هم دائمًا ناقدون، لأنّ السّلبيّ لا يفعل شيئًا، لذلك فهو لا يُخطئ. أمّا لو فعل
فسيشعر بمدى الصّعوبة فيُقدِّر الآخرين، فعلينا بالإيجابيّة في كلّ شيء لكي نلتمس
الأعذار للآخرين، ولا ندينهم في تحرّكاتهم حتّى وإن أخطأوا.
ثالثًا: نتائج الإدانة
(1) ضعف الحالة الرّوحيّة: تتسبّب
خطيّة الإدانة في تعطيل الشّركة، ممّا يسلُبُنا التّعزيات والأفراح، وبالتّالي لا
نجد تعزية حتّى في محضر الله.
(2) توتّر علاقتنا بالآخرين:
فالمحبّة تقرّبنا من بعضنا البعض، أمّا نقص المحبّة فيجعلنا نبتعد عن بعضنا البعض،
ومن ثمّ تبدأ الإدانة.
(3) انتقال العدوى: إدانة
الآخرين مرضٌ مُعدٍ، فكما أنّ هناك عدوى روحيّة مباركة بيننا، كذلك الأمراض الرّوحيّة
تسبّب عدوى فيما بيننا، فإذا رآك أحد المؤمنين تدين آخرًا، ربّما يتقوّى ضميره الضّعيف
ونراه هو أيضًا في موقف آخر يدين وبنفس الأسلوب.
(4) الحصاد: "بِالْكَيْلِ
الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ لَكُمْ" (مر 4: 24)، أي
ستحصد من نفس نوع الزّرع إذ سينطبق عليك مبدأ الزّرع والحصاد، وستحصد في موقف لاحق
انتقادًا من الآخرين سواءً بحقّ أو بدون حقّ.