(خلفيّة العهد الجديد)
أنتم ملح الأرض
«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ،
إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ» (مت 5: 13).
سأل أيوب قديمًا: «هَلْ يُؤْكَلُ الْمَسِيخُ بِلاَ مِلْحٍ، أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ الْبَقْلَةِ؟» (أي 6: 6). المسيخ هو ما طعم له، ومرق البقلة قد تعني أيضًا بالعبريّة بياض البيضة (أي الزلال). وجواب السّؤالين هو "لا"، لأنّه لا يمكن أن نتمتّع بتناول أيّ طعام دون تمليح. تعالوا معًا في جولة سريعة في موضوع الملح:
(1) مصدر الملح: كان الملح قديمًا ضروريًّا للطّعام أكثر من أيّامنا، نظرًا لارتفاع ثمن التّوابل ونُدرة وجودها، فكان يُجمع من السِّباخ - وهي الأراضي الّتي يتراكم عليها الملح وخاصّة قرب البحار (صف 2: 9). وفي أرض كنعان كان الملح موجودًا بكثرة في منطقة البحر الميّت الذي يسمّى بالعبريّة "يَمْ هَمِيلَحْ" أيّ بحر الملح (عد 34: 12).
(2) استخدامات الملح: في العصور القديمة كانت أجساد الأطفال الرُضّع تُملّح (تُدلَّك بالملح) لتقوية الجِلد (حز 16: 4)، لكنّ استعمال الملح بالأكثر كان لتمليح الطّعام، إمّا لأكله أو لحفظه من الفساد. في العبادة اليّهوديّة كانت كلّ القرابين تملّح بملح، الّذي يسمّى "ملح عهد الله" (لا 13؛ مر 9: 49)، وكانت رفائع الأقداس الّتي تُعطى للكاهن تُسمّى ميثاق (عهد) ملح (عد 18: 19). ونقرأ أيضًا أنّ الله اعطى داود المُلك بعهد ملح (2أخ 13: 5)، إشارة الى دوام العهد ونقاوته.
(3) قيمة الملح: أصل كلمة راتب "سالاري" (Salary) بالإنجليزية من كلمة "سالاريوم" (Salarium) اللاتينيّة وهي من الجذر "سال" (Sal) أي ملح. ويظهر أنّه خُصّص مبلغًا من المال للجندي الرّوماني لشراء الملح، والّذي كان سلعة باهظة الثّمن في روما القديمة. لكن ما حدث عندما قلّت قيمة الملح؟ لم يكن الجنود العثمانيّون يجبون ضرائب على الملح وعندما كان يأتي موعد دفع الضّريبة كان التّاجر العربيّ لدى بلوغه حاجزًا عثمانيًّا للضريبة ليعلن عن ما يحمله بالقول: "توز"، أي ملح بالتّركيّة، ويقصد أنّ ما معه هو مجرّد كيس ملح لا ضريبة عليه. تطوّرت الكلمة حتّى أصبحت "طُز"، الّتي تقال باستهزاء لما لا قيمة له.
(4) فساد الملح: في نهاية القرن الأول للميلاد دار نقاشٌ حول ما ينبغي عمله إذا فَسُدَ الملحُ. كانت إجابة الرّابي يهوشع: "إذا فَسُدَ الملحُ يُصلح بمشيمة (الحبل السّرّي) بغلة". قالوا له: "وهل للبغلة أصلاً مشيمة (فهي لا تلد)؟"، فأجابهم: "وهل يفسد الملح أصلاً؟".
من النّاحية العلمّيّة، الملح كمادّة لا يفسد، لكن إن لم يكن نقيًّا أو اختلط بمواد أخرى، فعندها يمكن أن يفسد. والمؤمنون هم ملح الأرض، لكن إن فسد ملحهُم (فقد ملوحته) بسبب اختلاطه بالتّراب (العالم الشّرّير) فلا يصلح بعد لشيء. من معاني كلمة فسد باليونانية "موراينو" (μωραίνω) (مت 5: 13)؛ صار غبيًّا، فهل يمكن لمؤمن أن يفتقر إلى الذّكاء الرّوحيّ والحذر ممّا قد يُفقده طعمه المُميّز؟! خسارة!
(5) تساؤلات مِلحيّة مُلِحّة:
* إن كانت كلّ ذبيحة تملّح بملح، فهل نقدّم باستمرار أجسادنا ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، وهل نعيش في كلّ ما يخصّ الله بنقاوة وعدم فساد؟
* هل لنا ملح في نفوسنا، أي أنّنا نعيش ونسلُك بقداسة؟ وهل اختلافنا فكريًّا وسلوكيًّا عن أهل العالم واضح؟ إن كنتَ تعمل للرّبّ بهدوء وأنت بنقاوة الملح، ثق أنّ بصمة الرّبّ في حياة من حولك ستصل من خلالك. دعه يكون حاضرًا فيك لتكون أنت عاملًا لا يُخزى، ولا ترضى بحياة رخاوة لا تُمسك صيدًا!
* أنت وأنا الملح الحافظ للعالم، فهل نكهتُنا (طعمُنا) واضحةً؟ ليتنا لا نفقد مذاقَنا (ملوحَتَنا) فنصير بلا فائدة، فنفشل في تحقيق غرض الله الّذي أوجدنا لأجله. قيل عن أمثال هؤلاء: «لاَ يَصْلُحُ لأَرْضٍ وَلاَ لِمَزْبَلَةٍ، فَيَطْرَحُونَهُ خَارِجًا» (لو 14: 35). إن فقدنا تأثيرنا في العالم بحياة وشهادة نقيّتَين فنحن في خطر أن نُداس من النّاس فنفقد كرامتنا أيضًا.
* حتّى اليوم نقول: بيننا خبز وملح، لكنّنا روحيًّا «نَأْكُلُ مِلْحَ دَارِ الْمَلِكِ» (عز 4: 14)؛ ملك الملوك الّذي به نحيا ونتحرّك ونوجد. فهل كلامُنا أيضًا مُصَلَّحٌ بملح (كو 4: 6)، مقدّسٌ، مُتّزن وبنّاء. ليته يكون كلامًا صحيحًا غير ملوم، لكي يخزى المُضاد، الّذي يسعى جاهدًا لتسميم النّفوس وهو "يَزَرَعَهَا مِلْحًا" (قض 9: 45)!