عدد رقم 5 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
شخصيات مجهولة الاسم (3)  

 الساقي والخباز

 (تكوين 40)

في سفر التكوين قدم لنا الروح القدس شخصين كانت بدايتهما واحدة، أما نهايتهما فعلى طرفي النقيض.  فالبداية أن كليهما أذنب، فوُضعا في السجن قصاصًا لهما.  أما النهاية فهي أنه في يوم واحد رفع فرعون رأس واحد منهما ورد إليه اعتباره، والآخر رفع رأسه عنه، وعلقه على خشبة!!

هذان هما ساقي ملك مصر والخباز، اللذان وُضعا في حبس بيت رئيس الشرطة في بيت السجن، المكان الذي كان يوسف ابن يعقوب محبوسًا فيه.  ولقد بدأ مساريهما في الاختلاف عندما حلم كلاهما حلمًا في ليلة واحدة.

حُلم في ليلة واحدة!  وهل حياتنا تزيد كثيرًا - في ضوء الأبدية التي لا تنتهي - عن كونها حلمًا؟!  ألم يقل آساف عن المتكبرين «كَحُلْمٍ عِنْدَ التَّيَقُّظِ يَا رَبُّ، عِنْدَ التَّيَقُّظِ تَحْتَقِرُ خَيَالَهُمْ» (مز73: 20).  فإذا كانت البداية لكل البشر واحدة وهي أنهم خطاة (مز51: 5)، وأجرة الخطية هي موت (رو6: 23)، لكن ليست النهاية في كل الأحوال واحدة، فهي تنتهي سريعًا إلى أحد مصيرين: إما بيت الآب للفرح في السماء مع المسيح (يو14: 2، 3)، وإما الموت الثاني؛ بحيرة النار والكبريت «الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ» (مت25: 41)،

لما دخل يوسف إلى الساقي والخباز في الصباح وجدهما مغتمان، لأنهما لم يكونا يعرفان حلميهما، أو بالحري لا يعرفان مصيرهما.  أليس عجيباً أن جماهير لا تُحصى من البشر لا تعرف مصيرها الأبدي، ومع ذلك فهي تمارس حياتها بصورة عادية، وكأن أمر الأبدية هين، أو أن خسارة النفس أمر يمكن تعويضه!!  أليس من الحكمة أنك إن لم تكن تعرف مصيرك الأبدي أن تتوقف عن الاشتراك في ملذات الحياة ومباهجها، بل ألا تأكل أو تشرب حتى تُجيب أولاً على هذا السؤال: أين ستكون في الأبدية؟

ونلاحظ أن الروح القدس لم يسجل لنا اسمي هذين الشخصين.  وبالتالي نحن لا نعرف من هما.  لعل السبب أنهما أكثر من مجرد اسمين لرجلين؛ إنهما قائدان يسير خلفهما ما لا يُحصى من البشر.  ونحن نوقن أنه إن لم يكن لقصة هذين الرائدين معنى رمزي، لما كان مكانها الكتاب المقدس، بل كتب القصص والروايات.

فما هي إذًا المعاني التي نستخلصها من حلم رئيس السقاة صاحب النهاية السعيدة؟  لقد قال ليوسف: «كُنْتُ فِي حُلْمِي وَإِذَا كَرْمَةٌ أَمَامِي» (تك40: 9).  والكرمة كما نفهم من يوحنا 15: 1 تُشير إلى المسيح (يو15: 1).  فإذا كان المسيح أمامك في الحياة الحاضرة، فالسلام والفرح سيكونان من نصيبك هنا، وفي الأبدية.

«وَفِي الْكَرْمَةِ ثَلاَثَةُ قُضْبَانٍ»  - والرقم 3 يُحدثنا عن القيامة  - «وَهِيَ إِذْ أَفْرَخَتْ طَلَعَ زَهْرُهَا، وَأَنْضَجَتْ عَنَاقِيدُهَا عِنَبًا» (ع10).  ما أجمل صورة حياة القيامة التي نراها في الفروخ والزهور والثمر.  وأليس المسيح المُقام كافيًا لفرح المؤمن؟!  في عشية يوم القيامة رأى التلاميذ يسوع المُقام «فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ» (يو20: 20).

فرعون أيضًا فرح.  لذا ما أن عصر رئيس السقاة من العنب في الكأس وأعطاه لفرعون حتى قبلها منه ورفع رأسه (ع11، 13).

 قيل عن الخمر أنها «يُفَرِّحُ اللهَ وَالنَّاسَ» (قض9: 13).  أية خمر هذه؟  إنها عصير الكرمة، أو بلغة يعقوب «دَمِ الْعِنَبِ» (تك49: 11؛ انظر أيضًا تث32: 14)؛ صورة لدم الكرمة الحقيقية ربنا يسوع المسيح.  ولهذا فإن الخمر في كأس العشاء، نرى فيها دم المسيح المسفوك لأجلنا على الصليب (مت26: 27-29).

نعم، دم المسيح - ولا شيء آخر سواه - يُعطيني القبول أمام الله.  إن له كل التقدير عنده «أَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ» (خر12: 13).  لاحظ أن الذي يرى الدم ليس أنا بل الله.  أنا عليَّ فقط أن أُصدِّق الطريق التي رسمها الله لاقترابي إليه، أما هو وحده فهو الذي يُقدِّر ذلك.  لأن نفس الإنسان هي فى دمه (لا17: 11-14)، وبالتالي فقيمة دم المسيح تساوي قيمة حياة المسيح، أو قيمة شخصه.  فمن إذاً يُقدِّر قيمة شخصه، أو قيمة عمله سوى الله؟

أما رئيس الخبازين فلم يكن هذا طريقه.  إنه لم يرَ الكرمة في حلمه، إذ كانت رأسه مشغولة بعمله هو.  لقد قال ليوسف: «كُنْتُ أَنَا أَيْضًا فِي حُلْمِي وَإِذَا ثَلاَثَةُ سِلاَلِ حُوَّارَى عَلَى رَأْسِي.  وَفِي السَّلِّ الأَعْلَى مِنْ جَمِيعِ طَعَامِ فِرْعَوْنَ مِنْ صَنْعَةِ الْخَبَّازِ» (تك40: 16، 17).  ما أكثرهم في هذه الأيام، أولئك الذين في محاولاتهم اللاهثة لإرضاء الله بأعمال البر الذاتي، لم يعد أمامهم متسع من الوقت ليتأملوا فيما عمله المسيح على الصليب؛ ذلك العمل الذي أرضى الله.  ولا ليسمعوا ندائه الحلو «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (مت11: 28).  مساكين؛ ما أتعبهم في حاضرهم!  وما أبأسهم في آخرتهم!  مثل صاحبنا المسكين الذي في الحلم ثلاثة سلال على رأسه، وبعد الحلم تعلَّقت رأسه لتأكلها طيور السماء!

أليست هذه القصة هي تكرار لقصة قايين وهابيل في تكوين 4.  فهابيل - قائد مسيرة الإيمان - وضع ثقته في الذبيحة؛ في الدم.  لذلك فهو «وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!» (عب11: 4).  ولقد رفع الله رأسه، بعكس قايين - صاحب مبدأ الأعمال - الذي سقط وجهه إلى الأرض، حتى قال له الله: «إنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟»، أي ألا أرفع وجهك أنت أيضًا؟

آه ... متى يتعلم الإنسان أن أفضل أعماله؛ أعمال بره، هي نجسة في نظر الله (إش64: 6)، وأنها لهذا غير مقبولة البتة.  أن تدخل إلى قصر أعظم ملك أو رئيس بخرق قذرة، أسهل ألف مرة من أن تقف أمام الله بأعمالك.  لكن الأعجب من هذا أن هذه الأعمال - التي يجهد الإنسان نفسه ليعملها - هي ليست مطلوبة!  الله يريد أن يُخلصك بدون أعمالك على الإطلاق (راجع مع الصلاة هذه الآيات رومية 4: 5-8؛ 11: 6؛ أفسس2: 8؛ 2تي1: 9؛ تي3: 4-7 ... إلخ).

إن الله لا يطلب منك صنعة الخباز؛ أي ما تصنعه أنت، بل يُقدِّم لك ما صنعه المسيح «قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ» (خر14: 13)، «فِي الْوَقْتِ يُقَالُ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَنْ إِسْرَائِيلَ مَا فَعَلَ اللهُ» (عد23: 23).  ويُختم مزمور 22 بكلمة النصرة الحلوة «يَأْتُونَ وَيُخْبِرُونَ ... بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ» (مز22: 31).  وهي نفس كلمة «قَدْ أُكْمِلَ» التي قالها الرب من فوق الصليب (يو19: 30).  حقًا لقد «صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا» (عب1: 3).  فهل تستريح على عمله، وتخلص مثل رئيس السقاة؟  أم تُصِر على أعمالك وتهلك مثل رئيس الخبازين؟

وهل يمكن أن الله يقبل صنعة الخباز وحلوياته وفيها مبدئان لا يُطيقهما الله؛ أعني العسل والخمير (انظر لاويين 2: 11).  إن الله لا يجد شبعه لا في العسل؛ نتاج تعب النحلة في الحقل، ولا في الخمير؛ أي الانتفاخ للظهور بأكبر من الحقيقة.  ويبدو أن هذين المبدأين مرتبطان معًا.  فالذي يحاول أن يتبرر بمجهوداته، يريد أن يفتخر على الناس، مثل الفريسي في صلاته؛ تحدث عن مجهوده لإنتاج العسل «أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ».  ثم الخمير «لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ» (لو18: 11، 12).  وحسنًا قال الرب للفريسيين: «أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ!  وَلكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ.  إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ» (لو16: 15).

وهكذا صاحبنا المسكين: كدَّس كل صنعته في السل الأعلى فقط لكي يظهر للناس.  كل همه ماذا يرى الناس فيه؟  وماذا يقولون عنه؟  ونسي الله!! 

إن فرعون لم يأكل من صنعته لأن طيور السماء أكلتها، وفيما بعد أكلت طيور السماء رأسه أيضًا.  ليس الله هو الذي يشبع من أعمال البر الذاتي بل الشيطان، الذي ترمز إليه طيور السماء مر4: 4، 15).  وقريبًا ستشبع بصاحب الأعمال نفسه!!

*******

نظير يوسف البريء الذي سُجن معه مذنبان، كان الصليب الذي عُلق عليه ربنا يسوع البار، مُبرّر الفجار، وكاشف الأسرار.  وصُلبا معه أيضًا شخصان مجهولا الاسم كذلك.  ومع أنهما في البداية كانا مثل بعضهما، يعيران الرب يسوع، لكن انتهى مصيرهما نهايتين.  واحد رفع عينيه وهو في الهاوية، في العذاب، ورأى الآخر من بعيد، مع يسوع مُخلّصه الحبيب، وبينهما هوة عظيمة قد أُثبتت.

وهكذا نحن أيضًا - أيها الأحباء - بكلمة الحياة التي نحملها، والإنجيل الذي نقدمه؛ فإننا كيوسف نقسم العالم فريقين: الذين يخلصون والذين يهلكون «لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ للهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ.  لِهؤُلاَءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ» (2كو2: 15، 16).

فالإنجيل يُعلن خلاص مَن يقبله، وفي نفس لوقت يُعلن هلاك من يرفضه.  وبعد الإعلان العجيب «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (يو3: 16)، ترد الكلمات الفاصلة «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيد ... الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ» (يو3: 18، 36).

وتحقق الحلمان، كما أخبر يوسف، وفي اليوم الثالث.  واليوم الثالث هو يوم ظهور الحقائق واتضاح الأمور .  وهكذا مر اليومان بسرعة.  أما بالنسبة لنا فمنذ صليب المسيح وبداية بشارة نعمة الله، قد مر أكثر من ألفي عام، وقد أصبح اليوم الثالث وشيكًا جدًا (انظر 2بطرس3: 8).  فما هو نوع حلمك أيها القارئ العزيز؟  ووراء أي من هذين الرائدين تسير؟

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com