عدد رقم 5 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
قانونية أسفار الكتاب المقدس  

ما هي قانونية أسفار الكتاب المقدس، وكيف تقررت؟

إن كلمة ”قانونية“ أو ”قانون“ (كانُون - canon ، هي  كلمة يونانية وليست عربية، معناها في القاموس ”مسطرة قياس“، وأيضًا معناها العصا المستقيمة أو العمود.  واستُعملت في أوائل عهد المسيحية إشارة إلى  السند أو الشريعة أو استقامة الرأي.  ولقد استعملت كثيرًا جدًا في العهد الجديد، ففي رسالة فيلبي ٣: ١6 نقرأ: «وَأَمَّا مَا قَدْ أَدْرَكْنَاهُ، فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذلِكَ الْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذلِكَ عَيْنَهُ»، نجدها تترجم بالإنجليزية Rule.

وقال أيضًا الرسول بولس الرسول في غلاطية ٦: 16: «فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ (according this Rule) عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ الله»

ولو أخذنا كلمة Rule بالإنجليزية، فمعناها قانون، دستور، عهد، لا مجال للبحث فيه، التقيد بالأنظمة، مسطرة وقياس، كل هذه معانٍ للقانون لا تخرج أيضًا عن نفس المعنى.

ولقد كان القديس ”إيريناوس“ يُسمي الأسفار المقدسة كلها ”قانون الحق“.  والقديس اكليمندس الإسكندري دعاها ”القانون الإنجيلي“.  ويوسابيوس يسميها ”القانون الكنسي“، ويراد بذلك أنها ”القانون الذي يتضمن الحق“.

وكما رأينا فإن كلمة ”القانونية“ في عبارة ”الأسفار القانونية“ مستمدة من كلمة يونانية تعني ”مسطرة قياس“، مما يدل على أنه كانت هناك شروط معينة - سواء عند اليهود في العهد القديم، أو الكنيسة في العهد الجديد - لقبول أي سفر إلى جملة الأسفار القانونية؛ فلقد أعطى الله لشعب إسرائيل قديمًا، وللكنيسة الأولى بعد ذلك القدرة على التمييز بين ما هو من الله، وبين ما هو من اختراع وتأليف بشري.  ليس أن مجمع اليهود قديمًا، أو الكنيسة في العهد الجديد هي التي اختارت الأسفار، بل إنها فقط ميَزتها وعرفتها، وإذا ذاك فإنها قبلتها بكل توقير.

إذن فتقدير قانونية الأسفار جاء نتيجة وحيها، وليس بقرار بشري أو استحسان إنساني.  إن كتابات الرُّسُل - كما رأينا - قُبِلَت من الكنيسة في البداية، وقت أن كان الرُّسُل لا يزالون موجودين. ثم عندما جاء دور تقرير قانونية الأسفار، فإن الكنيسة لم تقرر ما تقبله وما ترفضه، بل إنها انحنت في تقدير واعتبار لما كان فعلاً بين أيديها.

فمثلًا لا نقرأ إطلاقًا أن الكنيسة اجتمعت لكيما تقرر كم إنجيلاً يلزمها أو يكفيها، بل إذا كان بين أيدي القديسين أربعة بشائر، بالإضافة إلى سفر الأعمال والرسائل وسفر الرؤيا، مزودة بسلطان الرُّسُل والأنبياء، وداخليًا بشهادة الروح القدس، فقد ضمت هذه إلى جملة الأسفار القانونية.

الكنيسة إذًا ليست هي مخترعة القانونية، بل مكتشفة لها، وهي ليست مهيمنة عليها، بل تابعة لها، وليست قاضية عليها، بل شاهدة لها، ليست سيدة عليها، بل خادمة لها.

إن كتابات الآباء الأولين في القرون الثلاثة السابقة لتقرير تلك القانونية تؤكد لنا أن هذا ما كان بالفعل مقبولًا من جموع المؤمنين من قبل ذلك. فمثلاً:

§          نجد ترتليان (نحو عام ٢٠٠م.) الذي كان أول من استخدم تعبير العهد الجديد لتمييزه عن أسفار العهد القديم، قد أعطى نفس تقدير الوحي لكل من الكتاب المسيحى( أسفار العهد الجديد)، والكتاب اليهودى (أسفار العهد القديم )عندما قال: ”ما أسعد الكنيسة، فهى لديها مجموعة أسفار الناموس والأنبياء مع كتابات البشيرين والرسل“.  ثم قال: ”ويل لمن يضيف أى جزء إلى المكتوب أو يحذف أى جزء منه“.

§           جوستين الملقب بالشهيد، والذي قُطِعت رأسه في روما عام ١٦٥ م ، الذي قال: ”كما صدّق إبراهيم صوت الله وحُسِب له ذلك برًا، هكذا أيضًا يؤمن المسيحيون بصوت الله الذي وُجِه إليهم مرة أخري بواسطة رسل المسيح، ونودي به بالأنبياء، الذين كتاباتهم تُقرأ كل أحد في الاجتماعات العامة“.

وبذلك نتعلَّم أن قانونية أسفار الكتاب المقدس كانت مقررة وقت كتابتها ومصادَقًا عليها من جميعهم، ولم تكن في انتظار مجامع لتحدد مدى قانونيتها.  لكن بظهور بعض البدع ورغبة العدو في التشكيك في كلمة الله، أخذ رجال الله في عقد مجامع للتأكيد على قانونية وصحة ما بين أيديهم من أسفار واستبعاد الأسفار الأخرى المزيفة.

لكن يظهر هنا سؤال هام وهو: متى وكيف ولماذا اتخذت الكنيسة قرار تحديد قانونية الأسفار؟

أولاً: قانونية أسفار العهد القديم:

دعني عزيزي القارئ أذكرك بما قلناه سابقًا (ارجع لنقطة جمع أسفار الكتاب المقدس في العدد السابق ) عن جمع أسفار العهد القديم:

* بعدما كتب موسى التوراة (أسفار الناموس الخمسة)، وسلمها للشعب، جاء بعده يشوع بن نون وصادق عليها.

* ثم تابع الأنبياء بعد ذلك كتابة أسفارهم، وصادق بعضهم على ما كتب قبلهم.

* جاء دور عزرا الكاتب بعد عودة الشعب من السبي البابلي، حيث كُلِّف عزرا الكاتب بجمع هذه الأسفار وتجميعها في كتاب واحد. هذا الكتاب سمي بين اليهود ”الكتاب“، وكان يُعتبر كلمة الله الموحى بها.

* وصولًا إلى شهادة المسيح نفسه على قانونية العهد القديم حين قال: «فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي» (يو٥: ٣٩).  وفي لقائه مع تلميذي عمواس ومع التلاميذ المجتمعين في الْعِلِّيَّةِ يوم القيامة: «ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ ... وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ.  حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ» (لو24: 27، 44، 45).

* مجمع جامنيا ( ٩٠ م.)، حيث عقد مجمع في جامنيا - أو يامنيا (مدينة يهودية شمال غرب أورشليم بين يافا وأشدود) -  وأكّد المجمع قانونية كل الأسفار التي كانت تعتبر كأسفار الوحي الإلهي، وهي نفس الأسفار التي نعرفها اليوم.

إن قانونية أسفار العهد القديم لم تكن قرارًا بشريًا، ولكن شهادة واعترافًا بوحيها من الله.

ثانيًا: قانونية أسفار العهد الجديد:

كما قلنا سابقًا، تم اعتماد أسفار العهد الجديد كوحي إلهي مع نهاية العصر الرسولي.  ويقال إن الله أطال عمر يوحنا الرسول إلى نحو مئة سنة لتسجيل الكلمات الأخيرة من الكتاب المقدس.  ويوحنا سلّم الكتاب المقدس للآباء ليصل إلينا بحفظ الله.

لكن يذكر ”جوش ماكدويِل“ في كتابه ”برهان يتطلب قرارًا“ عدة أسباب قادت المؤمنين في العصور الميلادية الأولى لتحديد قانونية أسفار العهد الجديد، منها:

- أن ماركيون الهَرطوقي (حوالي ١٤٠ م) كوّن أسفارًا في قائمة  من عنده وأخذ ينشرها، فكان لزامًا على الكنيسة أن توقف تأثيره المدمّر بتحديد الأسفار القانونية الحقيقية للعهد الجديد.

- بعض الكنائس استخدمت كتبًا إضافية في العبادة، وهذا أيضًا استلزم تحديد الأسفار القانونية.

- منشور دقلديانوس بتدمير الكتب المقدسة للمسيحيين (سنة ٣٠٣م )، فكان لزامًا على المسيحيين أن يعرفوا أي الكتب هي التي تستحق أن يُستشهد فيها في سبيلها باعتبارها وحي الله، لا مجرد كتب تفسيرية أو تاريخية.

- في نهاية القرن الرابع عقد مجمع هبّو سنة ٣٩٣م  وأقر قانونية الأسفار المقدسة، ثم تلاه مجمع آخر في قرطاجة (تونس) سنة ٣٩٧م.  ومن ذلك التاريخ ما عادت تُناقَش مسألة قانونية أسفار العهد الجديد.

وباستثناء ثيودور مُوبسِيدِسْتِيا (الذي أُدين في المجمع المسكوني الخامس في القسطنطينية سنة ٥٥٣م )، لا يوجد مرجع واحد ممن يسمَّون بآباء الكنيسة طوال القرون الثمانية الأولى في المسيحية، إلا واعترفوا بقانونية الأسفار المقدسة، إلا طبعًا أصحاب الهَرطَقات وأعداء المسيحية

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com