يقول
المرنِّم: ”ويُدهِشُكَ ربّي
بما قد فعل“.
عندما نُطالع بعض الفصول الكتابية قد تنتابنا بعض الدهشة والتعجب، فعلى
سبيل المثال:
(1)
في تكوين 14 كيف لرجلٍ مُسنٍّ (أبرام العبراني) ومعه فقط ثلاثمائة وثمانية عشر
من الغلمان أن يهاجم أربعة ملوك منتصرين، ويتبعهم إلى دان ثم حُوبة حتى
شمال دمشق، وينقسم عليم ليلاً هو وعبيد، فيكسرهم، ويسترجع كل الأملاك، ولوطًا أخاه
وأملاكه والنساء وأيضًا الشعب؟! لا
تتعجب ... إنها يد الله ومعونة القدير وليست قوة أبرام ولا غلمانه.
(2) في سفر
القضاة 6 جدعون الرجل الذي قال عن نفسه: «هَا عَشِيرَتِي هِيَ الذُّلَّى
فِي مَنَسَّى، وَأَنَا الأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي»،
كيف له - ومعه ثلاثمائة رجلٍ فقط - أن يُحارب المِدْيانيين الذين يصفهم الكتاب
بأنهم «كَالْجَرَادِ فِي الْكَثْرَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ وَلِجِمَالِهِمْ عَدَدٌ» (ع
5)؟ كيف يتسنى له أن يهاجم هذه الجيوش الجرّارة
بهذا العدد القليل، وليس معه سلاحٌ سوى جرارٍ فارغةٍ ومصابيحٍ وأبواق؟! لا عجب ... إنه وعد الرب «إِنِّي أَكُونُ
مَعَكَ، وَسَتَضْرِبُ الْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُل وَاحِدٍ» (ع16).
(3) في
1صموئيل الأول 17، داود، غلامٌ لا يتجاوز عمره سبعة عشر أو ثمانية عشر عامًا، وليس
معه سوى عصًا ومِقْلاعٍ وخمس حجارةٍ مُلس، يقف أمام رجلٍ مُدجَّجٍ بالسلاح، رهيب
المنظر، قد أرعب الملك وقائد الجيش والشعب! كيف يكون هذا؟! وبضربة واحدة أنهى هذه الأسطورة المخيفة ... لا عجب ... إنها
يد الله، لا يد داود، الذي لم يكن إلا أداةً بسيطة استخدمها الرب!
لكن في دانيآل 3 تزداد حيرتنا وتعجّبنا أكثر من الأحداث المذهلة: ثلاثة رِجَال في مقتبل العمر
يواجهون أشرس ملوك العهد القديم - نَبُوخَذْنَصَّرَ - الذي يقول
عنه دانيآل في الأصحاح الخامس: «فَاللهُ الْعَلِيُّ أَعْطَى أَبَاكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلَكُوتًا وَعَظَمَةً
وَجَلاَلاً وَبَهَاءً. 19وَلِلْعَظَمَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا
كَانَتْ تَرْتَعِدُ وَتَفْزَعُ قُدَّامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ
وَالأَلْسِنَةِ. فَأَيًّا شَاءَ قَتَلَ، وَأَيًّا شَاءَ اسْتَحْيَا، وَأَيًّا
شَاءَ رَفَعَ، وَأَيًّا شَاءَ وَضَعَ»
(ع 18، 19)
واجهوه بثباتٍ دون خوفٍ أو تهيّب، ونادَوه باسمه مجرّدًا
من أيّ لقبٍ قائلين: «يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ
يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ
يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
وَإِلاَّ فَلِْيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ
نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ» (ع16-18).
وما
فعله هؤلاء الثلاثة أمام الملك نَبُوخَذْنَصَّر يفوق كلّ تصوّر، ويستدعي التأمّل،
لأنّ فيه دروسًا حيّة لنا نحن أيضًا، إذ قد نُواجِه أتونًا مشابهًا: ضيقاتٍ أو
صعابًا أو أزماتٍ طاحنة. فلننظر إلى
الأسباب التي ثبّتهم:
1
- لقد قرأوا خروج 20، وعلموا أن أول وصية هي: «لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً
مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي
الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. 5لاَ تَسْجُدْ
لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ»، فكيف
لهم أن يكسرون أولى الوصايا؟!
2
- كانوا على درايةٍ بمَن هو إلههم ، فقد صلُّوا له في الأصحاح السابق، ليُعرِّفهم
سرّ حلم الملك مع دانيآل رفيقهم ـ وهو
أوّل اجتماع صلاة جماعيّ في الكتاب المقدّس ـ وكُشِف لدانيآل السرّ في رؤيا الليل. فكيف
يخالفون هذا الإله العظيم ويسجدون لتمثالٍ من ذهب؟!
3 - يعلمون أن إلههم حيٌّ في السماء، لا كهذا التمثال، مهما بلغ
طوله (ستّون ذراعًا)، وعرضه (ستّ أذرع)، فهو صنم لا يتكلّم ولا يُجيب ولا يشعر. وهكذا قالوا: «هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا
الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ
الْمُتَّقِدَةِ»؛ إنه موجود، حيّ، يسمع ويقدر.
4 - يعلمون
أن إلههم قدّوس وغيور. فتذكّروا ما حدث في صموئيل الأول 5 عندما أخذ الفلسطينيون ”تابوت
الله“، وأدخلوه إلى بيت إلههم داجون، فسقط داجون أمام تابوت الربّ، ثم في اليوم
التالي سقط ورأسه ويداه مقطوعة! فهل
يتركون الإله الحيّ الحقيقيّ ليسجدوا لصنمٍ باطل؟!
5
- كانوا قد قرأوا مزمور 44: 22: «لأَنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ الْيَوْمَ
كُلَّهُ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ»، وهي الآية التي اقتبسها بولس
في رومية 8: 36. لم يروا في أنفسهم شيئًا في سبيل الأمانة للربّ. قال بولس:
«لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي» (أع 20: 24).
وهكذا يجب أن يكون توجّه كلّ مؤمنٍ يوميًا
6 - نعم، هم
خضعوا ـ حتى كأسرى - للقوانين البابلية - كما يوصينا الكتاب بالخضوع للسلطة، لكن
بما لا يتعارض مع القوانين السماوية، لأنه «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ
مِنَ النَّاسِ» (أع 5: 29).
7 - أخيرًا، يزول العجب إن علمنا أنهم كانوا
مُدرِكين أنّ إلههم قادر أن يُنقذهم، لكنهم قالوا: «وَإِلَّا»؛ أي حتى إن لم يفعل،
فهم راضون تمامًا، لأنهم سيكونون عنده بلا شكّ.
لقد كانت شهادتهم درسًا خالدًا عن الأمانة لله، وكلفتها، ومكافأتها. وإن كنا نندهش من جرأتهم، فلنتذكّر أن سرَّ
ثباتهم هو ثقتهم بإلههم الذي لا مثيل له بين الآلهة.
لقد
أجبروا ذلك الملك الوثنيّ القاسي على الاعتراف بإلههم، فقال: «تَبَارَكَ
إِلهُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ، الَّذِي أَرْسَلَ
مَلاَكَهُ وَأَنْقَذَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ اتَّكَلُوا عَلَيْهِ وَغَيَّرُوا
كَلِمَةَ الْمَلِكِ وَأَسْلَمُوا أَجْسَادَهُمْ لِكَيْلاَ يَعْبُدُوا أَوْ
يَسْجُدُوا لإِلهٍ غَيْرِ إِلهِهِمْ ... إِذْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ يَسْتَطِيعُ أَنْ
يُنَجِّيَ هكَذَا».
قارئي العزيز، قولًا
جميلاً يستحقّ التأمّل: ”عندما نادى الملك على الثلاثة شَدْرَخ ومِيشَخ
وعَبْدَنَغُو ليخرجوا من الأتون، لم يخرج الرابع الشبيه بابن الآلهة، وكأن الروح
القدس يقول لنا: إن الرابع - الإله الحي الحقيقي - ما زال موجودًا، ليُنقذ كلّ مَن
يجتاز في أيّ أتونٍ، من أيّ نوعٍ، وفي أيّ درجةٍ”.
«حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: الرَّبُّ مُعِينٌ لِي
فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟
...
يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى
الأَبَدِ»
(عب6:13، 8).
صفوت نظير