اثنا عشر خطابًا أُلقيَت في مؤتمراتٍ للمؤمنين الشبّان
(1)
تَلاَمِيذِي
موضوعي هو التلمذة، ولا
أعرف نصًّا كتابيًّا أكثر تشجيعًا للتلاميذ من مزمور ٢٣. هذا المزمور معروفٌ جدًّا حتى إنكم ربما
تستطيعون جميعًا أن تُردِّدوه دون خطأ، لكن كثيرًا ما تُعطينا الأجزاء التي نعرفها
جيِّدًا من الكتاب أعظم المنفعة. ليت الأمر
يكون هكذا الآن.
لا يمكن أن يكون هناك
تلاميذ بلا قائد، وقائدنا هو الرب، الراعي الصالح للخراف. ولكن لا يكون أحدٌ
تلميذًا للرب ما لم يكن خروفًا مُخلَّصًا، وأول جملة في هذا المزمور تتضمَّن هذه
الحقيقة.
«الرَّبُّ رَاعِيَّ»
على هذه الجملة تتعلَّق
كلُّ بركة في المزمور، وهي بركات عديدة. ولكن لاحِظْ، لم يَقُل: ”الرَّبُّ رَاعٍ“، بل
قال: «الرَّبُّ رَاعِيَّ»؛ إن الأمر شخصي، شخصيٌّ جدًّا، وعميق، وحصريّ.
قال لي شابٌّ ذات يوم: ”أنا
لا أحب الأسلوب الشخصي الذي تطرح به الأمور“.
فأجبتُه: ”ولهذا السَّبب
أنت لست مُخلَّصًا“.
إن لم تستطع أن تقول: «الرَّبُّ
رَاعِيَّ» - مُستخدمًا ياء الملكية - فأنت غير مُخلَّص. أنت لا تعرفه،
ولست تلميذًا له. كيف تدخل إلى هذا المقام؟
كانت هناك فتاة مريضة
جدًّا، ومضطربة للغاية بشأن خلاص نفسها. وأرسل
لها أحدهم - بالبريد - بطاقةً كُتِبَت عليها آية كتابية ، كان نصُّها: قال
الرب يسوع: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً،
وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي» (يو10:
27، 28).
قرأت الفتاة تلك الكلمات
العجيبة، وقالت في نفسها: “ليتني أستطيع أن أقول إني واحدةٌ من خِرافه، لكنتُ سعيدة جدًا“. لكنها لم تستطع أن تقول ذلك، فألقت البطاقة
جانبًا متنهِّدة بحزن.
وبينما كانت البطاقة تسقط على
الغطاء انقلَبَت، فرأت من خلال دموعها المتساقطة أن هناك كلمات على الوجه الآخر لم
تكن قد انتبهت لها؛ قرأتها، وإذا بها: «صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ
وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ
لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ» (1تي1: 15).
عندئذٍ أشرق النور في
نفسها، وهتفت قائلة: ”إن لم أكن خروفًا، فأنا خاطئة، وَالْمَسِيحُ يَسُوعَ جَاءَ
إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ، إذًا قد جاء ليُخلِّصني أنا“.
ثم فهمت أن الخطاة الذين يُخلِّصهم
ربُّنا يسوع هم الخراف التي «لَنْ تَهْلِكَ إِلَى الْأَبَدِ». يا لسلامة جميعكم، أيها الحملان في قطيع
المسيح، ما أروعها! لقد مات ليُخلِّصكم،
وهو حيٌّ ليحفظكم. اليد التي حطَّمت قوَّة
الموت تُمسككم في أمانٍ أبدي. المحبة الأزلية وكلُّ القدرة الإلهية غير المحدودة،
تجتمعان في الراعي الصالح الذي بذل نفسَه عنكم. أنتم آمنون إلى الأبد.
قال الرب: «أَنَا هُوَ الرَّاعِي
الصَّالِحُ» (يو10: 11). تستطيع أن تَحشُد في هذه الصفة كلَّ ما تحتملُه من
معانٍ جميلة، فجميعها حقٌّ فيه. لو
أرَيْتَني إنسانًا يدَّعي أنه راعٍ، ومع ذلك يفقد خرافه باستمرار، لقلتُ إنه راعٍ رديء لا
يستحق الاسم إطلاقًا؛ لأن الراعي ليس مَنْ يُضيِّع الخراف،
بل مَنْ يحفظها. الرب هو الحارس الصالح للخراف.
كنت أتكلَّم عن الأمان
الأبدي لخراف المسيح، وفي نهاية الاجتماع قال لي رَجُلٌ، وهو رجلٌ صالحٌ أيضًا: ”أنا
لا أتَّفق معك إطلاقًا. لقد قلتَ لنا إنه
عندما يخلُص الإنسان مرَّةً، فهو مُخلَّص إلى الأبد. أمَّا أنا فأؤمن أنه، كَالْخِنْزِيرَةِ، قد يعود
إلى التمرُّغ في الوحل“.
فقلتُ له: ”إذًا أنت خنزير“.
احمرَّ وجهه، وظننتُ أنه
سيغضب جدًّا، لكنَّ وجهه انفرج عن ابتسامة جميلة، وهو يقول: ”لا، بالطبع لست كذلك.
لقد فهمت الآن؛ لستُ خنزيرًا، بل خروف“.
يوجد فرق شاسع بين الخروف
والخنزيرة. الخنزيرةُ المغسولة تُمثِّل
الإنسان الذي لم يُولَد ثانية، لكنه أصلح مظهره خارجيًّا. قد يكون ترك عاداتِه
السيئة - وربما صار ممتنعًا عن المسكرات، وربما صار متديّنًا بعض الشيء - لكن لم
يحدث عمل نعمةٍ داخليٌّ في نفسه؛ طبيعته هي هي، ولذلك نجده عاجلاً أم آجلاً يعود
إلى الوحل مرة أخرى. الخنزير يحب القذارة.
أذكر أنني قرأت عن
إمبراطور صينيٍّ معيَّن كانت لديه مَيْلَةٌ عجيبة للخنازير. وكان لديه خنزيرٌ مُفضَّلٌ جدًّا، له خادمٌ
خاص، ويلبَس معطفًا من الحرير. وذات يوم
أفلت من رقابة خادمه، واندفع يتمرَّغ بفرح في الوحل، بالمعطف الحريري وكلِّ شيء! لماذا؟ لأن هذه هي طبيعة ذلك الحيوان.
لكن حين يأتي رجل أو امرأة
إلى المسيح، يكون هناك عملٌ داخلي؛ يولَدون ثانية، ويَنَالون طبيعةً جديدة تكره
الخطيَّة: هؤلاء هم خِرافه.
الجملة الثانية متعلِّقة
بالأولى: «فَلَا يُعْوِزُنِي شَيْءٌ».
إن وجدنا عبارة «لَنْ
تَهْلِكَ» في يوحنّا ١0: 28، نجد «لَنْ يَعْطَشَ» في يوحنّا ٤: 14:
«لَنْ تَهْلِكَ» و«لَنْ يَعْطَشَ». الذين يخلِّصهم الراعي الصالح، يَخْتِمُهم أيضًا: يُعطيهم الروح القدس. والروح الساكن فيهم هو «ينْبُوعَ مَاءٍ
يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (يو4: 14). المسيح هو مُعطي «المَاءٍ
الحَيٍّ»، هكذا قال لتلك الخاطئة التعيسة المُتعَبة عند بئر السامرية، وكلامه باقٍ
لنا.
نحن بطيئون في فَهْمِ فقرنا الروحي واعتمادنا الكامل على الرب من أجل شبع القلب وارتوائه. وكثيرًا ما نرجع إلى الوراء لأننا لا نُسلِّم
الذات بالكامل للمسيح. نظن أن في
استطاعتنا أن نجد بعض الخير في ذواتنا، وبعض الشبع فيما نحن عليه.
ونحن بطيئون أيضًا في
التعلُّم: كم يُعطينا الرب مجانًا بسخاءٍ وغنى! «فَلَا يُعْوِزُنِي شَيْءٌ»؛ «لَنْ
تَعْطَشَ». يا لها من كلمات عظيمة لنُمسِكَ بها بالإيمان، وعندئذٍ نكتشف اختباريًا
- بقوَّة الروح القدس - كم هي حقيقية هذه الكلمات:
«فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ
يُرْبِضُنِي»:
حين يشبع القلب، توجد الراحة،
وقبل ذلك لا. قَلَقُ العالم هو نتيجة
البحث الباطل عن الشِّبع. وبعُمقٍ يُحدِّثنا
سليمان في سِفْر الجامعة عن قصة سعي الإنسان الباطل، ويا للتباين بينه وبين ما
نراه في سِفْر نشيد الأنشاد، حيث يستطيع القلب أن يتكلَّم عن العريس السَّماوي،
الذي نراه في النص التالي: «تَحْتَ ظِلِّهِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ (جَلَسْتُ
تَحْتَ ظِلِّهِ بِشَهْوَةٍ)، وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ لِحَلْقِي»
(نش2: 3)
«إِلَى مِيَاهٍ رَاحَةٍ
يُورِدُنِي»:
«مِيَاهِ الرَّاحَةِ» - أي
المياه الهادئة - تتكلَّم عن هدوء القلب، لا لأن الظروف هادئة بالضرورة، بل سلامٌ وسكونٌ
داخلي، مهما كانت الظروف من حولنا. أتذكَّر تلك الآية العجيبة: «ذُو الرَّأْيِ
الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ»
(إش26: 3)؛ ولم يَقُل: ”تُضَعُهُ فِي بِيئَةٍ هادئة“.
المعنى هو أننا نستطيع أن
نكون في سلامٍ كاملٍ وسط ظروفٍ تبدو كلُّها ضدَّنا. ولدينا مثالٌ على ذلك في الرب
يسوع نفسه. تذكَّر تلك الحادثة في بحر الجليل، عندما هبَّت عاصفة عظيمة؛ هبَّت
الرياح، واصطدمت الأمواج العاتية بالسفينة الصغيرة التي كان فيها، حتى بدا أنها
ستتحطَّم وتَغْرَق تحت وطأة العاصفة الهوجاء. كل الذين في السفينة - مع أنهم
بحَّارة مُتمرِّسون - كانوا في ذُعْرٍ وخوف، إلا واحدًا: «وَكَانَ هُوَ فِي
الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا» (مر4: 38).
لماذا لم يضطجع التلاميذ
إلى جواره، ويُشارِكوه السلام الذي ملأ قلبه المبارَك؟ لقد أيقظوه من نومه، وبكلمةٍ واحدة أَخْضَعَ تلك
الأمواج الثائرة عند قدميه، كما قد يُخضِع إنسانٌ كَلْبَه عند نِدَائه.
لكنَّ التلاميذ كانوا
آمنين في العاصفة كما كانوا عندما «صَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ» وسكنت الأمواج، ولم يكن
هناك سببٌ يمنعهم من مشاركة سلامه. والرب
قادر أن يُعطيَ سلامه لقلوبنا، لكننا سنحتاج إلى ”وِسَادَةٍ“ نضعُ رؤوسَنا عليها،
إن أردنا أن نتمتَّع بهذا السلام. وما هي ”الوِسَادَة“
التي وضع الربُّ يسوع رأسه عليها؟ إنها وِسَادَة
محبَّة أبيه غير المتغيِّرة. كان يعلم أن
يد أبيه تمسك باللِّجام؛ تلك الجياد الجامحة - أي العاصفة - كانت تحت سيطرته
الكاملة، وبمعرفته بمحبَّة أبيه الثابتة استطاع أن يستريح، وهو يُعطينا تلك
المحبَّة عينها لنستريح نحن أيضًا عليها.
«وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ
كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ،
الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ»
(رو8: 28). لكننا لا نتمتَّع بهذه الحقيقة إلا وهو يقودنا؛ فإن ابتعدنا عن جانبه
صِرْنا قَلِقِينَ ومضطربين، أمَّا إنْ لَبِثنا قريبين منه، نعرف موسيقى وراحة مياه
الراحة الجارية بهدوء.
الأمان، والشِّبَع،
والرَّاحة، والسَّلام، هذه هي البركات التي يمنحنا إياها، وحين تتمتَّع نفوسنا بها
نُصبِح أحرارًا لنتبعه هو؛ وسنتبعه إنْ صار هو نفسه أعظم عندنا من كلِّ ما
يُعطينا. حينئذٍ يكون حقًّا أن:
«يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ
الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ»:
طريق التلمذة هو سبيل
البرِّ: ولكن «لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ
الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا» (1بط2: 25)، الآن، أنتم خاضعون
له، لا تعودون راجعين إلى طريقكم الخاص، بل هو يقودكم، مُنعِشًا نفوسكم بنعمته في
كل خطوة.
تأمَّل في الكلمات: «َيَهْدِينِي».
هو لا يَسُوق ولا يَجُرُّ، بل يَقُود.
كنت أزور أمًّا شابة. كانت
تُعلِّم طفلها الصغير أن يمشي، وبينما كانت تقوده عبر الغرفة لاحظتُ أنها لم
تُجبِره على أن يخطو خُطًى طويلة كما تستطيع هي أن تفعل، ولا على أن يسير بالسرعة
التي تقدر هي عليها؛ بل قصَّرت خطواتها لتتناسب مع خطواته، وعلى مقدار ما يستطيع
أن يمشي، مشت هي، وظلَّت تُشجِّعه بكلماتٍ لطيفة طوال الطريق. وأنا أراقب هذا
المنظر الجميل، قلت في نفسي: هكذا هو يقودني؛ يَهْدِينِي!
نعم، أيها المؤمن الشاب،
قد تكون ضعيفًا، لكن الذي يقودك قويٌّ، وقوَّته تُستكمَل في ضعفك. نعمته تكفيك. إنه ليس سَيِّدًا قاسيًا: «نِيرُهُ
هَيِّنٌ وَحِمْلُهُ خَفِيفٌ». يهتم
بحِملانه بعطفٍ لا نهائي، لأنهم ثمينون جدًّا لديه. سيقودك، ولن يَسُوقك سوقًا، في سُبُلِ البِرِّ،
ولن يجعلك تتجاوز طاقتك، ولن يضع عليك شيئًا لا تقدر أن تحتمله.
لكن لا تندهش إنِ التوَى
الطريق أحيانًا عبر الظلمة والكآبة. قد تُدْعى لأن تسير «فِي وَادِي ظِلِّ
الْمَوْتِ». هذا لا يعني فقط حين تصل إلى فراش الموت؛ مع أنه قد يشمل ذلك، مع
أن عددًا لا يُحصى من المؤمنين اختبروا - عندما وصلوا إلى تلك اللحظة الفاصلة في
تاريخ نفوسهم - أنه لم يكن هناك حتَّى ظلٌّ للموت.
هذا العالم هو «وَادِي
ظِلِّ الْمَوْتِ» لمن يُحِبُّ الرب. «حَيْثُمَا
ذَهَبْتِ أَذْهَبُ، وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ.
شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي.
حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ» (را1: 16، 17)، هكذا قالت رَاعُوثُ
الْمُوآبِيَّةُ لحماتها، وهي مثالٌ أبديٌّ للمحبَّة غير الأنانية المُكرَّسة. أنت قلتَ هذا للرب في معموديتك، وفي حمل صليبك
تُنفِّذ هذا القرار في الحياة العملية.
لو رأيت إنسانًا يحمل
صليبه في أيام وجود الرب على الأرض، لكنتَ قلتَ: إن هذا الإنسان في حُكْمِ الميت
للعالم، فهو في طريقه إلى الإعدام. هذا هو
المعنى؛ إنه يسير في «وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ». لكن كاتب المزمور لم يتوقَّف عند «وَادِي ظِلِّ
الْمَوْتِ»، بل أكمَل الجملة، وجعل الوادي يرنُّ بالانتصار، قائلًا:
«لاَ أَخَافُ شَرًّا،
لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي»:
كانت عنده ثقةٌ كاملة لأنه
كان في صُحبةٍ مباركة، وهذه الصُّحبة كانت تعطيه تعزية
مستمرَّة.
ها هو ”توم“ الصغير. في
طريق عودته من المدرسة، قام بعض الأولاد الأكبر والأقسى بمعاملته بقسوة، فعاد إلى
البيت مرتعدًا باكيًا. لم يَعُدْ يرغب في أن يذهب من ذلك الطريق ثانية. لكن أباه قال له: ”تعال يا توم، أمسك يدي وسأذهب
معك“.
فأمسكَ بيد أبيه، وبينما
هو يسير إلى جانبه، شعر كأنه ازداد طولًا عدَّة سنتيمترات. قال له أبوه: ”ها هم
الأولاد، يا توم، أأنت خائف؟“
فأجاب فورًا: ”أبدًا يا
أبي، لأنك معي“.
أبوه أعظم من أعدائه، لذلك
لا يخاف منهم شرًّا.
هكذا الأمر معك، أيها
المؤمن الشاب. أيًّا كانت التجارب
والامتحانات التي قد تجلبها لك شهادتك للمسيح، يُمكنك أن تمتلك هذه الثقة. تستطيع أن تقول: «أَنْتَ مَعِي»، حتى في
حضرة الموت.
ولا حَظْ هذا أيضًا: لم
يَعُدْ صاحب المزمور يتحدث عن الرب، بل صار يُخاطِب الرب نفسه؛ فقد بدَّل الضمير
من الغائب إلى المخاطَب؛ لم يَعُدْ يقول: «هو»، بل «أنت».
«عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ
هُمَا يُعَزِّيَانِنِي»:
مثلما كانت عصا هرون التي
أفرخت علامة كهنوته، هكذا عصا الرب تُشير إليه باعتباره رئيس كهنتنا العظيم، ”الْقَادِرُ
أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا“ (عب4: 15)، وهو ”رَئِيسُ كَهَنَةٍ رَحِيمٌ أَمِينٌ“
(عب2: 17)، «يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ
بِهِ إِلَى اللهِ» (عب7: 25).
رسالة العبرانيين تُرِينَا
الرب حاملاً عصا الكهنوت، وفي الرسالة نفسها يُدْعَى «رَاعِيَ الْخِرَافِ
الْعَظِيمَ» (عب13: 20). خِرافه هم أبناء الله، وهو يقودهم إلى المجد. نعمته الكهنوتية تسندهم في الطريق. والعكَّاز - أي قوَّته - يحملهم في انتصار.
”الْمَائِدَةُ المُعَدَّة”،
و”الرَّأْسُ الممسوح بالزيت“، و”الْكَأْسُ الفائضة الملآنة“، كلُّها تتكلَّم عن
بركاتٍ لا يستطيع أن يمنحها إلا راعينا العظيم. إنها تعني قلبًا في وليمة روحية،
وشهادةً للمسيح في فرح الروح القدس، وكأسًا تفيض بالبركة على الآخرين.
لقد لَحِقَتْكَ الخيرات
والرحمة إلى الآن في طريقك نحو الوطن. لم
تَسِر بعدُ مسافةً طويلة، ولكن لنفترض أنك ستعيش حتى يَحْنِيَ ثقلُ مائة سنة رأسك
ويُقوِّس ظهرك، ماذا إذًا؟
يمكنك أن تُواجه المستقبل
بثقة وأن تقول: «إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ
حَيَاتِي». ليس يومًا واحدًا في
الأسبوع فقط، بل سبعة أيام؛ ليس في الأيام المُشرقة فقط، بل في كلِّ أيام حياتي؛
خلال حماس الشباب، وسنوات الرجولة الأكثر صرامة، وحتى عَجْز الشيخوخة، سيبقى الأمر هو هو.
لكنَّك لست تنظر بعيدًا
إلى هذا الحد؛ إنك تنظر إلى الرب، لأن مجيئه قد اقترب. نقرأ: «لأَنَّ الرَّبّ
نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ
مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ
سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي
الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ» (١تس4: 16، 17).
إننا سنَسْكُنُ فِي بَيْتِ
الرَّبِّ إِلَى مَدًى طَوِيلٍ، إلى الأبد.
يا له من إنسان متجاسر داود
هذا! هكذا قد يقول البعض: ”كان من الأجدر
به أن يقول: أرجو أن أسكن في بيت الرب“. لكن
لو كان الأمر متوقِّفًا على داود، لكان من التجرُّؤ حتى أن يأمل. لكنه لم يكن
متوقِّفًا على داود، ولا يتوقَّف هذا المصير المجيد على أحدٍ منَّا ممَّن
يستطيع أن يقول: «الرَّبُّ رَاعِيَّ».
إن كان الربُّ راعيَّ،
فسأسكن في بيت الرب إلى الأبد. هذا
المزمور، بما أنه ابتدأ هكذا، لم يكن يُمكن أن ينتهي إلا هكذا؛ ما كان سيكون كاملاً
لو انتهى بطريقةٍ أخرى. إذا كان الربُّ راعيك، فهل سيفقدك في الطريق إلى بيته؟ مستحيل! أنت ثمين جدًّا عليه. أنت هديةُ محبة الآب له. أنت له إلى الأبد.
الراعي مُلزَمٌ بخرافه،
وهو سيقودهم سالمين إلى البيت. كرامتُه
على المحكِّ، وكلمتُه الموعودُ بها، ومجدُ اسمه؛ لكن قبل كلِّ شيء، هو يُحِبُّك
حُبًّا عظيمًا لا يسمح أن يفقدك. مَن لا يتبعه إذًا؟
والآن لنسمع خلاصة الأمر
كلِّه: إنِ اتَّبَعَ أحدٌ الربَّ، سيجده قادرًا أن يَسْنُده من أوَّل خطوة في طريق
التلمذة إلى آخرها؛ فالصعوبات التي في الطريق لن تفعل إلا أن تُظهِر أكثر فأكثر
موارده التي لا تنفد من النعمة والقوَّة.
«إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ
مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ»
(رو8: 17)..
«إِنْ كَانَ أَحَدٌ
يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ
خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ» (يو12: 26).
ج.
ت. موسون