عدد رقم 4 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ  

(يو3: 7)

عندما جاء نيقوديموس إلى الرب يسوع طالبًا التعليم، استُقبل على الفور بالكلمة الجليلة: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ» (يو٣: ٣). وعليه، فعلى كل نفس قلقة أن تتأمل هذا القول الإلهي الفاحص؛ لأننا نتعلّم منه أنّه مهما كانت أشواق النفس أو قلقها، ومهما كان الجِدّ في السعي أو الاعتراف بالإيمان، فإن لم يحدث هذا التغيير الجوهري، أي ”الولادة الجديدة“، فلا حياة في النفس، ومن ثَمَّ فلا خلاص.

ولكن لمن وجَّه الرب هذا القول؟ قد يُجاب: لنيقوديموس، رئيس من رؤساء اليهود. غير أنّ هذه الإجابة لا تزيد عن ذكر اسمه ومنزلته الرسمية، وهذان الأمران لا وزن لهما أمام الله، ولا فائدة فيهما للنفس الطالبة. إنما الجواب الصحيح نجده بربط الإصحاح الثالث بالثاني؛ إذ نقرأ: «وَلَمَّا كَانَ فِي أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ، آمَنَ كَثِيرُونَ بِاسْمِهِ، إِذْ رَأَوْا الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَ.  لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ.  وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ ... كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ» (يو٢: ٢٣-٢٥؛ ٣: ١). وهكذا نرى أنّ نيقوديموس كان من بين الذين آمنوا بالمسيح بسبب المعجزات، ولكن الرب لم يأتمنهم على نفسه، لأن إيمانهم لم يكن سوى اقتناع طبيعي عقلي بصدق رسالته، بلا خضوع قلبي لله. فلما جاء نيقوديموس ليلًا، مُعلنًا هذا الإيمان بقوله: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ» (يو٣: ٢)، أجابه الرب مباشرة ببيان ضرورة الولادة الجديدة، كأنه يقول: قد تؤمن بي كمعلّم من الله، ومع ذلك تهلك؛ فلا بد أن تولد من جديد لتدخل ملكوت الله.

إذن نحصل هنا على تحذير خطير وتنبيه لازم. التحذير: ”إيّاك أن تكتفي بمجرد الاعتراف باسم المسيح“. والتنبيه: كل شيء باطل إن لم تولد ثانيةً. فقد يكون المرء جادًّا في ديانته، مثاليًّا في نشاطه، مشهورًا بتقواه، ومع ذلك يبقى هالكًا؛ لأنه «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (يو3: 5).

لكن لماذا يجب أن يولد الإنسان ثانيةً؟  لأن الإنسان ليس فقط خاطئًا بأعماله، بل طبيعته نفسها فاسدة. فهذه الطبيعة الميّالة إلى الشر هي الشجرة التي تُنتج ثمار الخطية. لذلك قال الرب: «اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ» (يو ٣: ٦). وكل ما نحن عليه بحسب آدم هو «جَسَد»، وفي هذا الجسد ” لاَ يَسْكُنُ شَيْءٌ صَالِحٌ (رو٧: ١٨). ومن ثمّ، فأعمال البشر، مهما بدت نبيلة في عيون الناس، إن صدرت عن طبيعة لم تولد من جديد، فهي شر في نظر الله؛ لأن الشجرة الفاسدة لا تأتي بثمر صالح «لأَنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا رَدِيًّا، وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا.  لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَإِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِينًا، وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَبًا» (لو٦: ٤3، ٤٤). والكتاب صريح: «لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِللهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ.  فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ» (رو ٨: 7، ٨).

هنا إذن تكمن ضرورة الولادة الجديدة: «اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ … لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ» (يو ٣: 6، ٧).  وهذه الضرورة عامة، تشمل كل إنسان يولد في هذا العالم، سواء كان ولدًا مطيعًا بارًّا، أو ابنًا ضالًّا؛ فيلسوفًا محسنًا، أو سجينًا مذنبًا؛ لأن ”الْجَسَد جَسَد، ولا يمكنه دخول ملكوت الله. فلا بد إذن من طبيعة جديدة وحياة جديدة.

فسأل نيقوديموس: «كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟  أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟» (يو٣: ٤). فأجابه الرب: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (يو3: 5).

(١) الماء:

ليس المقصود هنا ماء المعمودية كما يزعم البعض، بل ”كلمة الله“ التي تُطهّر وتُجدّد.  كما قال الرب بواسطة حزقيال: «وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ … وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ ... وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا» (حز٣٦: ٢٥-٢٧). وقال المرنم: «بِمَ يُزَكِّي الشَّابُّ طَرِيقَهُ؟ بِحِفْظِهِ إِيَّاهُ حَسَبَ كَلاَمِكَ» (مز١١٩: ٩).  وقال الرسول بولس عن المسيح والكنيسة: «يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ» (أف ٥: ٢٦). وقال الرب لتلاميذه: «أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ» (يو ١٥: ٣).  إذن الماء هنا رمز معروف لكلمة الله.

(٢) الروح:

هو الذي يجعل الكلمة حيّة وفعّالة «اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي» (يو ٦: ٦٣)، «الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي» (٢كو ٣: ٦).  فالروح يستخدم الكلمة ليخلق حياة جديدة في القلب. وهذا ما حدث يوم الخمسين حين نزل الروح القدس، وتكلم بطرس بكلمة الله، فانخس السامعون في قلوبهم، وولدوا من جديد (أع ٢: ٣٧).

وهكذا، فالولادة الجديدة لا تكون إلا ”بالماء والروح“، أي بكلمة الله في قوة الروح القدس.

أيها القارئ العزيز، هل وُلدت من جديد؟  إن كنت كذلك، فإن نفسك ستفيض شكرًا لله على عطية ابنه الوحيد. وإن لم تكن، فاعلم أنّه مهما كنت صالحًا أو رحيمًا أو مستقيمًا في نظر الناس، فأنت خارج ملكوت الله إن لم تولد ثانيةً. ألا تخشى أن تبقى في هذه الحالة؟  لقد هلك بنو إسرائيل الذين رفضوا النظر إلى الحَيَّة النحاسية في البرية. وهكذا، إن رفضت النظر إلى المسيح بالإيمان، فلن تنال الحياة الأبدية، بل تهلك. أما إذا خضعت لهذه الضرورة الإلهية، معترفًا بحقيقتك أمام الله، ونظرت إلى المسيح بإيمان بسيط، تنال في الحال حياة جديدة، وتنتقل من الموت إلى الحياة.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com