ظَهَرَ
الإِنْجِيلُ كَـ «قُوَّةِ اللهِ لِلْخَلَاصِ» (رُو ١: ١٧) بِشَكْلٍ وَاضِحٍ فِي
مَدِينَةِ فِيلِبِّي. جَاءَ بُولُسُ وَرُفَقَاؤُهُ إِلَى فِيلِبِّي فِي
مَقْدُونِيَّةَ بِقِيَادَةٍ إِلَهِيَّةٍ (أَعْمَالِ ١٦)، وَعَلَى الأَرْجَحِ لَمْ
يَكُنْ هُنَاكَ مَجْمَعٌ يَهُودِيٌّ فِي المَدِينَةِ لِيَبْدَأَ مِنْهُ
كِرَازَتَهُ كَعَادَتِهِ، لَكِنْ هَذَا لَمْ يَمْنَعِ الرُّوحَ القُدُسَ أَنْ
يَقُودَ بُولُسَ إِلَى نَهْرٍ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مَجْمُوعَةٌ مِنَ النِّسَاءِ
لِلصَّلَاةِ، فَكَلَّمَهُنَّ بِالإِنْجِيلِ، وَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَ لِيدِيَا
لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ. وَمَا أَنْ بَدَأَ العَمَلُ إِلَّا
وَبَدَأَ الشَّيْطَانُ فِي إِثَارَةِ الأَشْرَارِ ضِدَّ بُولُسَ وَسِيلَا،
فَضُرِبَا وَأُلْقِيَا فِي السِّجْنِ، وَتَمَادَى حَافِظُ السِّجْنِ فِي
مُعَاقَبَتِهِمَا، فَأَلْقَاهُمَا فِي السِّجْنِ الدَّاخِلِيِّ وَضَبَطَ
أَرْجُلَهُمَا بِالمَقْطَرَةِ. وَلَكِنَّ الإِنْجِيلَ أَسَرَ ذَلِكَ الشَّخْصَ
الفَظَّ القَاسِي، وَاصْطَادَتْهُ نِعْمَةُ اللهِ بِنُبْذَةٍ تَبْشِيرِيَّةٍ
قَصِيرَةٍ جِدًّا قَدَّمَهَا لَهُ بُولُسُ وَسِيلَا: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ
المَسِيحِ فَتَخْلُصْ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ» (أَع ١٦: ٣١). وَلَا
يَنْتَهِي الأَصْحَاحُ إِلَّا وَنَفْهَمَ أَنَّهُ تَأَسَّسَتْ كَنِيسَةٌ فِي
فِيلِبِّي بِهَذِهِ البِدَايَةِ المُفْرِحَةِ.
مَرَّتْ مَا
يَقْرُبُ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ بُولُسُ مَرَّةً أُخْرَى فِي السِّجْنِ،
لَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ فِي سِجْنِ رُومَا، وَكَانَ لَا يَزَالُ يُكَرِّزُ
بِالإِنْجِيلِ وَيَسْمَعُ أَخْبَارَ مُؤْمِنِي فِيلِبِّي، وَكَانَ فَرِحًا رَغْمَ
قُيُودِهِ وَفَرِحًا بِهَؤُلَاءِ المُؤْمِنِينَ (فِي ١: ٣). وَعِنْدَمَا وَصَلَهُ
رَسُولُهُمْ، أَبَفْرُودِتُس (فِي ٢: ٢٥)، حَامِلًا ثَمَرَ مَحَبَّةِ إِخْوَةِ
فِيلِبِّي فِي صُورَةِ تَقْدِمَةٍ مَادِّيَّةٍ، كَانَتْ لَهُ بِمَثَابَةِ «نَسِيمِ
رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ» (فِي ٤: ١٨)، فَزَادَ شُكْرُهُ لِلرَّبِّ مِنْ
أَجْلِهِمْ. وَتَذَكَّرَ بُولُسُ «بِدَاءَةَ الإِنْجِيلِ» فِي فِيلِبِّي،
وَكَمَا تَمَيَّزَتِ البَاكُورَةُ، لِيدِيَا وَأَهْلُ بَيْتِهَا، بِالمَحَبَّةِ
وَالعَطَاءِ، هَكَذَا كَانَ مُؤْمِنُو فِيلِبِّي لَهُمْ نَفْسُ هَذِهِ الشِّيمَةِ.
لِذَا كَتَبَ لَهُمْ رِسَالَةً فَاضَ قَلْبُهُ فِيهَا بِالفَرَحِ وَحَرَّضَهُمْ
عَلَى مَوَاقِفَ صَحِيحَةٍ مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ.
أَوَّلًا:
شُكْرُ الرَّبِّ لِأَجْلِ مُشَارَكَتِهِمْ فِي الإِنْجِيلِ (١: ٥): وَرُبَّمَا
المَقْصُودُ هُوَ مُشَارَكَتُهُمُ المَادِّيَّةُ الَّتِي أَرْسَلُوهَا لَهُ وَهُوَ
فِي سِجْنِ رُومَا مَعَ أَبَفْرُودِتُس (٢: ٢٥، ٤: ١٨). وَحَسَنًا يَفْعَلُ شَعْبُ
اللهِ عِنْدَمَا يَضَعُونَ نَشْرَ الإِنْجِيلِ كَأَوْلَوِيَّةٍ مِنْ جِهَةِ
عَطَائِهِمُ المَادِّيِّ.
ثَانِيًا:
تَكَلَّمَ بُولُسُ لَا مَرَّةً بَلْ مَرَّتَيْنِ فِي الرِّسَالَةِ عَنْ
«المُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ» (١: ٧، ١٧)،
وَالمَقْصُودُ هُنَا هُوَ الدِّفَاعُ عَنِ الإِنْجِيلِ. هُنَاكَ دَائِمًا مُقَاوِمُونَ يُرِيدُونَ أَنْ
يَنْقُضُوا أَسَاسَاتِ الإِنْجِيلِ، مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ لَاهُوتَ المَسِيحِ،
أَوْ مَوْتَهُ، أَوْ قِيَامَتَهُ، أَوْ مَجِيئَهُ الثَّانِي. وَدَائِمًا هُنَاكَ
احْتِيَاجٌ لِأَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِلدِّفَاعِ وَمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ
يَسْأَلُنَا، أَوْ «تَثْبِيتِ» الإِنْجِيلِ مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمِ إِثْبَاتَاتٍ
تُؤَكِّدُ صِدْقَهُ. كَانَ الدِّفَاعُ عَنِ الإِنْجِيلِ هَدَفًا يَسْتَحِقُّ أَنْ
يَعِيشَ بُولُسُ لِأَجْلِهِ.
ثَالِثًا:
احْتِمَالُ المُعَانَاةِ لِأَجْلِ الإِنْجِيلِ.
لَمْ يَكُنِ الإِنْجِيلُ فَقَطْ هَدَفًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ
لِأَجْلِهِ فِي نَظَرِ بُولُسَ، بَلْ كَانَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ
تَبِعَاتِ ذَلِكَ (١: ١٢-١٩). لَخَّصَ بُولُسُ حَيَاتَهُ فِي هَذِهِ العِبَارَةِ
الرَّائِعَةِ: «لأَنَّ لِيَ الحَيَاةَ هِيَ المَسِيحُ» (فِي ١: ٢١). وَهُنَاكَ
دَائِمًا «شَرِكَةُ آلاَمِهِ» (٣: ١٠) الَّتِي تُؤَكِّدُ أَصَالَةَ الإِيمَانِ
وَتُزَكِّي كُلَّ مَنْ يَخْدِمُ المَسِيحَ. لَيْسَ المُهِمُّ كَيْفَ تَسِيرُ
الظُّرُوفُ، وَلَكِنِ المُهِمُّ أَنْ يَؤُولَ ذَلِكَ شَهَادَةً (لُو ٢١: ٣١).
رَابِعًا:
المُنَادَاةُ بِالإِنْجِيلِ أَوِ الكِرَازَةُ بِهِ (فِي ١: ١٥-١٨). كَانَ
بُولُسُ فَرِحًا لِأَنَّ الإِنْجِيلَ يُنَادَى بِهِ رَغْمَ أَنَّ دَوَافِعَ
البَعْضِ لَيْسَتْ مُقَدَّسَةً تَمَامًا. كَلِمَةُ اللهِ لَا تُقَيَّدُ (٢تِي ٢:
٩)، وَرَدُّ الفِعْلِ الصَّحِيحُ لِمَنْ قَبِلَ الإِنْجِيلَ هُوَ أَنْ يُنَادِيَ
بِهِ وَيُذِيعَهُ (١تَس ١: ٨، يُو ٤: ٢٨-٢٩، مُر ٥: ١٩). وَلِبَعْضِ النَّاسِ قَدْ
يَبْدُو مَا نُنَادِي بِهِ أُمُورًا غَرِيبَةً (أَع ١٧: ١٨، ٢٠)، وَسَوْفَ
يَسْتَهْزِئُ البَعْضُ، وَلَكِنْ هَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُوَقِّفَنَا، لِأَنَّ
الرَّبَّ سَيَأْتِي بِالمُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (أَع ١٧: ٣٢-٣٤،
١٣: ٤٨).
خَامِسًا:
العِيشَةُ كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ المَسِيحِ (فِي ١: ٢٧). التَّحْرِيضُ
هُنَا أَنْ تَكُونَ السِّيرَةُ تَلِيقُ بِالإِنْجِيلِ. قَبُولُ الإِنْجِيلِ
حَتْمًا يُنْشِئُ تَغْيِيرًا فِيمَنْ قَبِلُوهُ، وَسُلُوكُهُمْ يُثْبِتُ ذَلِكَ.
طَلَبَ بُولُسُ لِأَجْلِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ (أَنْقِيَاءَ) وَبِلَا
عَثْرَةٍ (لِلآخَرِينَ)، أَوْ بِلَا لَوْمٍ (١: ١٠، ٢: ١٥)، حَتَّى يَسْتَطِيعُوا
أَنْ يَشْهَدُوا للهِ بِلَا عَائِقٍ، وَيُضِيءَ نُورُهُمْ قُدَّامَ النَّاسِ.
سَادِسًا:
الجِهَادُ مَعًا لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ (١: ٢٧). عِبَارَةُ «مُجَاهِدِينَ
مَعًا» يُمْكِنُ أَنْ تُتَرْجَمَ «جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ». وَالتَّرْكِيزُ هُنَا
عَلَى «مَعًا»، لِأَنَّ الكَنِيسَةَ فِي فِيلِبِّي كَانَتْ فِي خَطَرٍ مِنْ
حُدُوثِ انْقِسَامٍ. وَعِنْدَمَا لَا يَنْجَحُ الشَّيْطَانُ فِي تَقْوِيضِ
الشَّهَادَةِ مِنَ الخَارِجِ، فَهُوَ يُحَاوِلُ إِفْسَادَهَا مِنَ الدَّاخِلِ.
وَعِنْدَمَا يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ «نَفْسٌ وَاحِدَةٌ» وَ«فِكْرٌ
وَاحِدٌ» وَ«مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ» (٢: ٢)، تَكُونُ النَّتَائِجُ
عَظِيمَةً، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ. الكِرَازَةُ بِالإِنْجِيلِ عَمَلٌ ضَخْمٌ
يَحْتَاجُ إِلَى تَضَافُرِ جُهُودِ شَعْبِ اللهِ، وَالأَمْرُ كَذَلِكَ جِهَادٌ
مُقَدَّسٌ ضِدَّ حُصُونِ الشَّيْطَانِ. فَإِنْ غَابَتِ الوَحْدَةُ تَشَتَّتَتِ
الجُهُودُ وَتَضَاءَلَتْ فُرْصَةُ النُّصْرَةِ.
خَدَمَ
بُولُسُ وَرُفَقَاؤُهُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. يُذْكَرُ فِي (٢: ٢٢) عَنْ بُولُسَ
وَتِيمُوثَاوُسَ وَكَيْفَ كَانَا مَعًا كَأَبٍ وَوَلَدٍ لِأَجْلِ الإِنْجِيلِ.
وَيُذْكَرُ فِي (٤: ٣) عَنْ أَفُودِيَّةَ وَسِنْتِيخِي أَنَّهُمَا جَاهَدَتَا
مَعًا وَمَعَ بُولُسَ لِأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لَكِنَّهُمَا - مَعَ الأَسَفِ -
وَقَعَتَا فِي خِلَافٍ أَثَّرَ بِالتَّأْكِيدِ عَلَى خِدْمَتِهِمَا وَعَلَى
الكَنِيسَةِ
يُذْكَرُ فِي (٤: ١٥) عِبَارَةُ «بِدَاءَةِ
الإِنْجِيلِ»، وَالمَقْصُودُ بَدَايَةُ الكِرَازَةِ بِالإِنْجِيلِ، وَمَا
مَيَّزَ تِلْكَ الفَتْرَةَ هُوَ الاِهْتِمَامُ بِتَبْشِيرِ أَمَاكِنَ جَدِيدَةٍ.
يَقُولُ بُولُسُ فِي رومية ١٥: ٢٠: «وَلَكِنْ كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ
هَكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّيَ المَسِيحُ». وَلاَ زَالَ الأَمْرُ مَطْلُوبًا حَتَّى
يَوْمِنَا هَذَا. لِمَاذَا يَسْمَعُ شَعْبٌ أَوْ شَخْصٌ بِخَبَرِ الإِنْجِيلِ
مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ، بَيْنَمَا يُوجَدُ آخَرُونَ لَمْ يَسْمَعُوا
عَنْهُ مُطْلَقًا؟ تَحْتَاجُ
الإِرْسَالِيَّاتُ البَعِيدَةُ إِلَى دَعْوَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الرَّبِّ، وَلَكِنْ
دَائِمًا يَجِبُ أَنْ نَتَثَقَّلَ بِحَمْلِ الإِنْجِيلِ لِأَمَاكِنَ جَدِيدَةٍ فِي
الدَّوَائِرِ المُحِيطَةِ.
عماد ثروت