الأصحاح
السادس
(1)
الْبُؤْسُ فِي وَسَطِ الْغِنَى!
في مطلع هذا
الأصحاح، يُقدِّم سليمان رَجُلاً غَنيًا، يملك من الممتلكات ما يفوق بكثير ما
يحتاج إليه لتغطية ضروريات الحياة، ومع ذلك، لا يملك القدرة على التمتّع بخيراته. فهو غير راضٍٍ بما لديه، ويؤكد سليمان مرةً
أخرى: «هذَا بَاطِلٌ وَمُصِيبَةٌ رَدِيئَةٌ هُوَ» (ع1، 2).
ولا يقتصر
تفكير سليمان على ثروة الرَّجُل المالية، بل يأخذ في الاعتبار حياته الْأُسَرِيَّةَ
(ع٣-٨)؛ فهناك رَجُلٌ له عائلة كبيرة، ويعيش عُمْرًا طويلًا، لكن لا شيء ممّا حَصَّلَ عليه يحمل قيمة
حقيقية، لأن جميع الناس يَمُوتُونَ (ع٦). إنّه شخص غَيْرُ رَاضٍ عن حياته؛ فعلى الرغم
مما يَمْلِكُهُ من ثروةٍ وعائلةٍ وعُمْرٍ مَدِيدٍ، إلا أنه يعيش حياةً تفتقر إلى
الإشباع والمعنى الحقيقي. فهو يشعر بفراغٍ
داخلي، وبعدم تحقيق الذات، وكأن حياته خالية من الهدف، على الرغم مما يَمْلِكُهُ من
ممتلكات وعلاقات. فإن المال والنجاح
الدنيوي وحدهما لا يكفيان لتحقيق السعادة الحقيقية؛ فحتى لو امتلك الإنسان كل شيء،
يبقى قلبه خاويًا إذا فقد الحكمة والرِّضَا الروحي.
ثم يُقَدِّم
سليمان رَجُلاً يعيش في عالَمٍ من الخيال والأوهام وأحلام اليقظة (ع٩). ويَخْلُصُ الحكيم إلى أنه من الأفضل أن
يتمتّع الإنسان بما هو مُتَاحٌ له حاليًا، من أن يحلُم بأمورٍ قد لا تتحقّق أبدًا.
فطريقة تفكير سليمان ليست شائعة في
العالم، وهي تطرح تقييمًا غير متوقّع للواقع.
فأكثر الناس تميل إلى الحُلْمِ بالمزيد، وتُركّز على ما ليس لديها،
وتُعلِّق سعادتها على طموحات مستقبلية قد لا تتحقق، كالثروة أو السلطة أو المكانة
الاجتماعية. أما سليمان، فيرى أن التمتّع
بما هو في المتناول خيرٌ من الجري وراء أوهام قد لا تُدرَك. فالناس تتوقَّع أن السعادة تكمن في تحقيق
الأماني والطموحات، لكن سليمان يقدّم تقييمًا مُغايرًا: السعادة تكمن في القناعة،
وفي الاستمتاع بما هو في متناول اليَد.
وتُسَلِّط
الفقرة الأخيرة (ع١٠-١٢) الضوءَ على أسئلةٍ لا يمكن الإجابة عليها حقًّا، مثل: «لأَنَّهُ
مَنْ يَعْرِفُ مَا هُوَ خَيْرٌ لِلإِنْسَانِ فِي الْحَيَاةِ، مُدَّةَ أَيَّامِ
حَيَاةِ بَاطِلِهِ الَّتِي يَقْضِيهَا كَالظِّلِّ؟ لأَنَّهُ مَنْ يُخْبِرُ الإِنْسَانَ بِمَا
يَكُونُ بَعْدَهُ تَحْتَ الشَّمْسِ؟» (ع١٢). فهذه الأسئلة تُحيل القارئ إلى تأمُّلٍ لا
يُسْتَقصَى عُمْقُه.
وهكذا يُناقش
الجامعة في هذا الأصحاح أربعة من مَآسِي الحياة:
(1) غِنًى مَعَ
عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِهِ: ثَرَوَاتٌ بِلَا اسْتِمْتَاعٍ (ع1،
2).
(2) غِنًى
بِلَا رِضًى أَوْ قَنَاعَةٍ: تَعَبٌ بِلَا اكْتِفَاءٍ (ع3-8).
(3) غِنًى
مَقْرُونٌ بِالأَوْهَامِ وَالأَحْلَامِ، وَتَرَقُّبُ جَدِيدٍ لَا يَأْتِي: غِنًى
يَنْتَظِرُ أَحْلَامًا لَا تَتَحَقَّقُ (ع9).
(4) غَنِيٌّ
قَلِقٌ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ: أَسْئِلَةٌ بِلَا إِجَابَاتٍ (ع10-12).
(1) المأساة
الأولى: غِنًى مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِهِ: ثَرَوَاتٌ
بِلَا اسْتِمْتَاعٍ (ع1، 2):
يُذَكِّر
سليمان قٌرَّاءه مرةً أخرى أن وجهة نظره تنطلق من منظور «تَحْتَ الشَّمْسِ»
(ع1)، وبالتالي فإن استنتاجه يعكس فكر الإنسان الطبيعي، لا الروحي. ويُصرّح بأنه رأى «شَرًّا»، وأنّ هذا
الشرّ «كَثِيرٌ (شَائعٌ) بَيْنَ
النَّاسِ»، أي أنه أمرٌ شرير ومنتشر على نطاق واسع. ومثل هذا التصريح يثير فضول القارئ، ليتساءل: ما
هو هذا الشرّ؟ ويأتي الجواب في الآية
التالية، لكن شرحه يتغلغل بقية الأصحاح.
إنه مشهدٌ
يتضمّن رَجُلًا منحه الله وفرةً من كلّ ما يمكن للإنسان أن يشتهيه؛ فقد أُعطي «غِنًى
وَمَالاً وَكَرَامَةً، وَلَيْسَ لِنَفْسِهِ عَوَزٌ مِنْ كُلِّ مَا يَشْتَهِيهِ» (ع2). وقد يُشير ”الغِنَى (riches)“ إلى يملكه
من الفضّة والذهب، بينما قد يشمل ”المَال (الثروة - wealth)“ أراضيه وقطعان ماشيته، وأما ”الكَرَامَة“ فهي
الاحترام الذي يناله من الناس بفضل ما يملكه من ثروات طائلة. وهذا يتّسق مع المكانة الاجتماعية التي يتمتع
بها الأثرياء وأرباب النفوذ والملوك في كل عصر. ولكن هذا الرَّجُلَ غير رَاضٍ في حَالِهِ، رغم
كل ما يَمْلِكُ. وَمِثْلُ هذا الرَّجُلِ
هو أشبه بمن وصفهم كاتب المزامير حين قال: «جَحَظَتْ عُيُونُهُمْ مِنَ الشَّحْمِ.
جَاوَزُوا تَصَوُّرَاتِ الْقَلْبِ» (مز٧٣: ٧).
ولا يزال الله يُغدِق صلاحه على الناس، ليس فقط ماديًّا، بل أيضًا بصبره
واحتماله لتمرُّدهم، وقد بيّن العهد الجديد سبب ذلك بقوله: «أَمْ تَسْتَهِينُ
بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ
اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟» (رو٢: ٤). ومن المُحزن أن القليلين فقط هم الذين يتجاوبون
مع معاملات الله المُترفقة، بل ويحيون مثل هذا الرَّجُل الغني الغبي نَابًال، في
العهد القديم، الذي قالت عنه أبيجايل لداود: «لاَ يَضَعَنَّ سَيِّدِي قَلْبَهُ
عَلَى الرَّجُلِ اللَّئِيمِ هذَا، عَلَى نَابَالَ، لأَنَّ كَاسْمِهِ هكَذَا هُوَ.
نَابَالُ اسْمُهُ وَالْحَمَاقَةُ عِنْدَهُ» (1صم 25: 25)، أو كالغني الغبي في
العهد الجديد، الذي قال: «يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ
لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هذِهِ
اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ
تَكُونُ؟» (لو١٢: ١9، ٢٠). إنّ مثل هذين
الرَّجُلين يحاولان أن يعيشا بالاستقلال والانفصال عن الله، وكأنهم لا يحتاجان
إليه. وهما أيضًا لا يُدركان أن كل ما
لديهما هو من نعمته، ومتجاهلين أن الحياة نفسها هبةٌ منه، وأنه يُعتمد اعتمادًا
كليًا على الله من أجل منح الشهية للاستمتاع بكل ما أعطاه الله ووهبة.
ولقد رأى
سليمان "بُطلان" هذا كله حين كتب: «وَلَمْ يُعْطِهِ اللهُ
اسْتِطَاعَةً عَلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، بَلْ يَأْكُلُهُ إِنْسَانٌ غَرِيبٌ. هذَا بَاطِلٌ وَمُصِيبَةٌ رَدِيئَةٌ هُوَ»
(ع2). فالله، في حكمته السِّيادية، لم يُعطِهِ
القدرة الجسدية على الاستمتاع بما وفرته مائدته المترفة بفضل ثروته. ولكن، كما أُشير سابقًا: «إِذَا كَثُرَتِ
الْخَيْرَاتُ كَثُرَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهَا، وَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِصَاحِبِهَا
إِلاَّ رُؤْيَتَهَا (رؤيتهم) بِعَيْنَيْهِ؟» (جا٥: ١١). وهنا يتكرَّرُ المشهدُ بعينه؛ فأُناسٌ بالكادِ
يعرفُهُم الغنيُّ، يجدونَ طريقَهم إلى مائدتِه، فيأكُلُ منها «إِنْسَانٌ
غَرِيبٌ»! ولربما لم يكن لهذا الرَّجُل وريث، لذلك استحوذ
على ثروته وممتلكاته وعقاراته، شخص غريب، وتمتع بها (ع2). ويعلّقُ سليمانُ قائلاً: «هذَا بَاطِلٌ
وَمُصِيبَةٌ رَدِيئَةٌ هُوَ» (ع2) - أو كما تَرجمَ داربي: «شرٌّ مُؤلِم (a sore evil)».
وقد لاحظ داود
الأمر نفسه عندما كتب: «إِنَّمَا كَخَيَال يَتَمَشَّى الإِنْسَانُ. إِنَّمَا بَاطِلاً يَضِجُّونَ. يَذْخَرُ
ذَخَائِرَ وَلاَ يَدْرِي مَنْ يَضُمُّهَا» (مز٣٩: ٦). لا شك أنها مأساة مرة وتجربة
رديئة أن يمتلك الإنسان كل ما يشتهيه الآخرون، وكل ما يكفي لحياة مرضية مُكتفية،
ومع ذلك لا يمتلك القدرة على التمتُّع شخصيًا بما يمتلكه! وهذه التجربة تتضاعف بمشاهدة ”الغرباء
والمُتطفلين والدخلاء“ يأكلون ويتمتعون بثرواته المٌكدَّسة، وينتفعون بها (هو7: 8،
9؛ 8: 7؛ أم5: 3-10؛ مز109: 11)! وكم
سيكون الإنسان محظوظًا عندما لا يعوزه شيء، ولكنه كم سيكون تعيسًا إذا لم يستطع
التمتع ببركات الحياة. ولكن ما الذي يمنع
هذا الشخص من الاستمتاع بالحياة، والتلذذ ببركات وهبات الله؟! ربما مشاكل أو اضطرابات عائلية (أم15: 16، 17؛
17: 1)، أو المرض، أو حتى الموت (لو12: 20).
كان سليمان قد
سبق وذكر هذا الموضوع في جامعة 5: 19: «أَيْضًا كُلُّ إِنْسَانٍ أَعْطَاهُ اللهُ
غِنًى وَمَالاً وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ، وَيَأْخُذَ
نَصِيبَهُ، وَيَفْرَحَ بِتَعَبِهِ، فَهذَا هُوَ عَطِيَّةُ الله»، وألمح إليه في 3:
13: «أَيْضًا أَنْ يَأْكُلَ كُلُّ إِنْسَانٍ وَيَشْرَبَ وَيَرَى خَيْرًا مِنْ
كُلِّ تَعَبِهِ، فَهُوَ عَطِيَّةُ اللهِ».
وبالنسبة له، كان الأمر المهم والقاعدة الأساسية، أنه لا يُمكن لأحد أن
يستمتع حقيقة بعطايا الله وهباته بعيدًا عن الله الذي يهب هذه العطايا
والهبات. إن الاستمتاع بالعطايا بدون
المُعطي، وبالانفصال عنه، هو في الحقيقة عبادة أوثان. وهذا لايُمكن على الإطلاق أن يُشبع قلب
الإنسان. إن الاستمتاع بدون الله هو مجرد
تسلية لا تُشبع، ولا يُمكن أن هذا يجعل قلب الإنسان مُكتفيًا قانعًا راضيًا. ولكن التلذذ بالرب، وبالشركة مع شخصه الكريم،
هو ما يُغني الحياة ويثريها، وهو ما يُجلب الفرح والشبع والاكتفاء الحقيقي للقلب
البشري.
وقد سبق أن
أُطلق سليمان تحذيرًا بشأن هذا الفخّ: «لِئَلاَّ تَشْبَعَ الأَجَانِبُ مِنْ
قُوَّتِكَ، وَتَكُونَ أَتْعَابُكَ فِي بَيْتِ غَرِيبٍ» (أم٥: ١٠). وكان السبب
المحتمل وراء ذلك هو اتباع «الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ» (أم٥: ٣). ويا للأسف! فقد كانت هذه بالفعل تجربة سليمان الشخصية، إذ
كُتب: «وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً» (1مل١١: ١).
ولعلّ في هذه الملاحظات مَسْحَةً من سيرته
الذاتية.
والدَّرس هنا واضحٌ
لكل مَن له أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، وهو: لا تُوَجِّه قلبكَ إلى جمع الثروات، لأنّه
لا يوجد ضمان بأن تجد فيها إشباعًا أو رضا.
وللحديث
بقية ... إن شاء الرب وعشنا.