عبد إبراهيم
«وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِعَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى
كُلِّ مَا كَانَ لَهُ: ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي، فَأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ
إِلَهِ السَّمَاءِ وَإِلَهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ
بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، بَلْ إِلَى
أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لِابْنِي إِسْحَاقَ» (تك24: 2-4)
لا يُمكننا الجزم تمامًا بشخصية هذا العبد، وإن كان الأرجح أنه هو نفسه
أليعازر الدمشقي المُشار إليه قبلاً في تكوين 15.
لكن أيا كانت شخصية ذلك العبد فإنه يُعتبر نقيضًا للشخصية التي تأملناها في
العدد السابق، أعني امرأة لوط. ليس ذلك
فقط، بل أنه أيضًا يتميز كثيرًا في صفاته الأدبية عن لوط نفسه، إذ استفاد من عشرته
مع أبي المؤمنين إبراهيم، بخلاف «لُوطٌ السَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ» (تك13: 5). فإبراهيم بشخصيته القوية أثر
تأثيرًا مباركًا على كل بيته، بما فيهم «عَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ الْمُسْتَوْلِي
عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ» (تك24: 2).
ولنا أيضًا مثالاً حلوًا في قائد المئة كرنيليوس التقي، والعسكري التقي الذي
كان يُلازمه (أع10: 7). ترى ما هو التأثير
الذي لنا على الناس المُحيطين بنا؟
لقد كان العبد نموذجًا رائعًا للرسول الأمين الذي يؤدي المهمة المُكلَّف بها
بكل أمانة. إنه قدوة يُحتذى بها في هذا
الأمر. يقول الحكيم: «اَلرَّسُولُ
الشِّرِّيرُ يَقَعُ فِي الشَّرِّ، وَالسَّفِيرُ الأَمِينُ شِفَاءٌ» (أم13:
17). وأيضًا «كَبَرْدِ الثَّلْجِ فِي
يَوْمِ الْحَصَادِ،
الرَّسُولُ الأَمِينُ لِمُرْسِلِيهِ، لأَنَّهُ يَرُدُّ (يُنعش) نَفْسَ سَادَتِهِ»
(أم25: 13).
لقد سبق هذا العبد الزمن ونفذ مُسبقًا ما أوحى به الله بعد ذلك للرسول بولس
«أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ،
لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ بِبَسَاطَةِ الْقَلْبِ،
خَائِفِينَ الرَّبَّ. وَكُلُّ مَا
فَعَلْتُمْ، فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ،
عَالِمِينَ أَنَّكُمْ مِنَ الرَّبِّ سَتَأْخُذُونَ جَزَاءَ الْمِيرَاثِ،
لأَنَّكُمْ تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ» (كو3: 22-24). ويضيف الرسول بولس في رسالته إلى تيموثاوس
قائلاً: «وَالَّذِينَ لَهُمْ سَادَةٌ مُؤْمِنُونَ، لاَ يَسْتَهِينُوا بِهِمْ
لأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ، بَلْ لِيَخْدِمُوهُمْ أَكْثَرَ، لأَنَّ الَّذِينَ
يَتَشَارَكُونَ فِي الْفَائِدَةِ، هُمْ مُؤْمِنُونَ وَمَحْبُوبُونَ. عَلِّمْ وَعِظْ بِهذَا» (1تي6: 2). وهو ما عمله بالفعل ذلك العبد.
ومن أكثر الأمور الملفتة للنظر في قصة هذا العبد بساطته النادرة عندما كلفه
مولاه بالمأمورية. إذ في اتكال على الله
بدأ بالصلاة «تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ
تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ
اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ» (أم3: 5، 6).
وما أبسط كلمات صلاته ومضمونها! وما
أعمقها في نفس الوقت! «أَيُّهَا الرَّبُّ
إِلهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ، يَسِّرْ لِي الْيَوْمَ وَاصْنَعْ لُطْفًا إِلَى
سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ. هَا أَنَا وَاقِفٌ
عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ، وَبَنَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَارِجَاتٌ لِيَسْتَقِينَ
مَاءً. فَلْيَكُنْ أَنَّ الْفَتَاةَ
الَّتِي أَقُولُ لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: اشْرَبْ وَأَنَا
أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضًا، هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ. وَبِهَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَنَعْتَ لُطْفًا
إِلَى سَيِّدِي» (تك24: 12-14). كلمات
بسيطة صادرة من قلب بسيط، لا غرض أمامه سوى فهم مشيئة الله.
هذه البساطة نفتقر إليها في زمن كثرة الإثم؛ أي فعل الإرادة الذاتية (مت24:
12). «الرَّبُّ حَنَّانٌ ... الرَّبُّ
حَافِظُ الْبُسَطَاءِ» (مز116: 5، 6). لقد
امتدح ربنا لا العين الفاحصة أو الثاقبة، ولا العين البعيدة النظر، بل العين
البسيطة أي التي لا ترى سوى أمرًا واحدًا «سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ،
فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا» (مت6:
22).
لقد كانت مأمورية هذا العبد هي اختيار زوجة لابن سَيِّده. واختيار الزوجة للشاب المؤمن هو من أكثر
المواضيع أهمية. قال رجل الله المعروف
”جورج مولر“ إن أعظم عطايا الله له بعد عطية الخلاص مباشرة، كانت هي توفيق الرب له
بزوجة فاضلة أعانته كثيرًا في طريق خدمة الرب.
وعلى العكس من ذلك كم كان سوء اختيار شريك الحياة مُحطِم لشهادة مؤمنين
كثيرين. نود أن نحذر، وبكل قوانا، كل فتى
وفتاة مقبلين على الزواج، من سوء الاختيار لرفيق رحلة العمر. فعلى رؤوسكم سترجع النتائج: إما سعادة أسرية في
بيت يتمجد فيه الله، ويكون بركة لشعبه، وانطلاقة غير مُعطلة في طريق خدمة الرب،
وإما عكس ذلك تمامًا. فأيهما تختار لنفسك؟
هنا قد يسأل الشاب كيف أعرف الزوجة التي ستكون معينة فعلاً؟ لذا نورد هنا بعض المبادئ الهامة:
أولاً: كان إبراهيم يستطيع
أن يُصاهر أغنى عائلات كنعان. فلقد كانوا
جميعًا يُقدرونه أعظم تقدير. وهو عرف ذلك
بالفعل منهم (تك23: 6)، لكنه رفض أن يأخذ لابنه زوجة من شعب تحت القضاء واللعنة
(تك24: 3؛ 9: 25). ليس لأنه كان عنده وصية
من الله تمنعه من ذلك، كما أعطى الرب بعد ذلك في الناموس (تث7: 1-3)، لكنه
باعتباره نبيًا (مز105: 12-15)، فقد عرف فكر الرب وتصرف بموجبه. أما بالنسبة لنا فنحن نعرف فكر الرب، وعندنا
أيضًا وصية «لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ
أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟
وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ
بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ
مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ
مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟
فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي
سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ
يَكُونُونَ لِي شَعْبًا» (2كو6: 14-16؛ انظر أيضًا 1كو7: 39). كما أنه أمامنا أمثلة مُحزنة كثيرة سواء من
الكتاب المقدس أو في الحياة. نعم لقد شدد
إبراهيم على عبده أن تكون زوجة ابنه من عشيرته، ولم يُعطه أدنى تصريح بأقل تجاوز
في هذا الأمر.
ثانيًا: سار
العبد في نفس طريق سيده، إذ أنه لم يبحث بين عشيرة إبراهيم عن الغنية، إنما بحث عن
«اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟
لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ.
بِهَا يَثِقُ قَلْبُ زَوْجِهَا فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى غَنِيمَةٍ» (أم31:
10، 11). كذلك لم يبحث عن الجميلة
«اَلْحُسْنُ غِشٌّ وَالْجَمَالُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُتَّقِيَةُ
الرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ» (أم31: 30).
ولا زال المال والجمال إلهين - مثل البعل والعشتاروث قديمًا - يجري وراءهما
الشباب. ومكتوب «تَكْثُرُ أَوْجَاعُهُمُ
الَّذِينَ أَسْرَعُوا وَرَاءَ آخَرَ» (مز16: 4).
لقد كانت العلامة التي وضعها العبد تتطلب في الفتاة أن تكون كريمة ونشيطة
وفصيحة ومضحية، وهي ذات الصفات التي ذكرها الحكيم للمرأة الفاضلة في أمثال 31.
ثالثًا: ومع ذلك يتبقى أهم
نقطة؛ فليست كل مؤمنة تجمع كثير من الصفات المباركة هي التي تصلح لأي شاب مؤمن، بل
يلزم معرفة الفتاة التي عيَّنها الله «هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ
إِسْحَاقَ» (تك24: 14). ومن أقدر من الله
الذي خلقني ويعرف كل دقائقي أن يختار تلك التي ستشاركني كل حياتي. لا بل أن الله أيضًا قد سبق وعيَّنها لي. والمطلوب هو أن أكتشفها. وهذا ميسور وسهل متى توفرت العين البسيطة.
وهنا يجب أن نذكر شيئًا جدير بالملاحظة وهو استجابة الله الفورية لصلاة
العبد، لأنها كانت صادرة من قلب بسيط.
فأول فتاة تقابل معها، وأول فتاة سألها، كانت هي المُعيَّنة من الله «فِي
كُلِّ مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ مُرَاقِبَتَانِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ»
(أم15: 3)، «أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ.
عَيْنِي عَلَيْكَ» (مز32: 8).
لكن العبد - وهو الشخص الواثق في الرب، والسائر وراءه - لم يكن بحاجة لأن
يتعجل الأمر، ويتسرع في الكلام. بل أنه
أعطى نفسه فرصة للتريث لئلا يكون مخدوعًا من قلبه (إر17: 9). وأخذ «الرَّجُلُ يَتَفَرَّسُ فِيهَا صَامِتًا
لِيَعْلَمَ: هَلْ أَنْجَحَ الرَّبُّ طَرِيقَهُ أَمْ لاَ؟» (تك24: 21). قال إشعياء النبي: «مَنْ آمَنَ لاَ يَهْرُبُ
(لا يستعجل)». وقال أيضًا: «ذُو الرَّأْيِ
الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ»
(إش28: 16؛ 26: 3).
ولما تحقَّق العبد أنها هي المُعيَّنة من الله لإسحاق «خَرَّ الرَّجُلُ
وَسَجَدَ لِلرَّبِّ وَقَالَ: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ
الَّذِي لَمْ يَمْنَعْ لُطْفَهُ وَحَقَّهُ عَنْ سَيِّدِي. إِذْ كُنْتُ أَنَا فِي الطَّرِيقِ، هَدَانِي
الرَّبُّ إِلَى بَيْتِ إِخْوَةِ سَيِّدِي» (تك24: 26، 27). لقد بدأ بالصلاة، والآن جاء دور الشكر
السجود. ومرة أخرى عندما صادق أخو الفتاة
وأبوها على الزواج لأنه من الله «سَجَدَ لِلرَّبِّ إِلَى الأَرْضِ» (تك24: 52).
ما أعظمه من عبد جعل الرب أمامه في كل حين!
لقد كان أمامه وهو محتاج، وأيضًا بعد أن نال!
*******
هذه الحادثة الشيقة، والتي شغلت أطول أصحاح في سفر التكوين، لا نرى فيها فقط
اهتمام الله بظروفنا، وبصفة خاصة أمر اختيار الزوجة المؤمنة للشاب المؤمن، بل أننا
من وراء هذا - وبأسلوب الرمز - نجد أيضًا أعظم أمر على قلب الله، أعني به مشغولية
الآب السماوي باختيار عروس للابن الوحيد، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، وتكليف الروح
القدس للقيام بهذه المهمة اعتبارًا من يوم الخمسين؛ يوم نزول الروح القدس وسكناه
في المؤمنين ليكون منهم الكنيسة عروس المسيح.
لقد سبق أن وُضع اسحاق على المذبح في تكوين 22 مُطيعًا لأبيه حتى الموت لكنه
أُقيم من الأموات، لكنه أُقيم من الأموات - في مثال - في اليوم الثالث (عب11:
17-19). ثم ماتت الأم سارة في تكوين 23
ففكر الأب لكي يسعد ابنه المُطيع أن يُقدِّم له عروسًا تفرح قلبه، بعدما أعطاهُ كل
ما لَهُ (تك24: 36). وهذا كله صورة للمسيح
الذي أطاع أبيه حتى الموت، موت الصليب.
ونتيجة لرفض الأمة الإسرائيلية لمسيحها، وصلبها إياه، فقد نُحيَّت جانبًا
(إلى حين). من ثم ظهرت في المشهد الكنيسة
التي كانت في مشورات الله من قبل تأسيس العالم.
وكم فرح المسيح بالكنيسة حتى أنه يشير إليها سبع مرات في يوحنا 17 إذ يقول
لأبيه «الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي».
فإبراهيم إذًا رمز للآب السماوي، وإسحاق رمز لربنا يسوع المسيح؛ الابن
الوحيد، الوارث لكل شيء (عب1: 2). والعبد
رمز للروح القدس. ورفقة ترمز للكنيسة.
ولكن لماذا يُرمز للروح القدس هنا بالعبد؟
نتذكر أن المسيح مع أنه «لَمْ
يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ» - لأنه هو كذلك
فعلاً - لكنه عندما أتى إلى أرضنا ليُتمّم مشيئة الآب، فإنه «أَخْلَى نَفْسَهُ،
آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ» (في2: 6-8). وهكذا
نرى هنا الروح القدس باعتباره مُرسَل من الآب في مأمورية مُحددة هي دعوة الكنيسة
(العروس) للمسيح، فإنه يُشار إليه بأنه العبد.
وفي الكتاب المقدس يرد ذكر أشخاص عديدين مجهولي الاسم، يُعتبر كل منهم رمزًا
جميلاً للروح القدس في عمله السري في النفوس لاجتذابها إلى المخلص، واقتيادها
لمعرفة الحق، سواء في الفترة الحاضرة لدعوة الكنيسة، أو بعد الاختطاف في عمله بين
البقية التقية من الشعب القديم:
(1) عبد إبراهيم ... كبير بيته ... المستولي على كل ما كان له (تك24).
(2) الرَجُل الذي على بيت يوسف (تك43؛ 44).
(3) الغلام المُوَّكل على الحصادين في حقل بُوعَز (را2: 5–7).
(4) الرَجُل الذي منظره كمنظر النحاس، وبيده خيط كتانٍ وقصبة القياس، والذي قاد
النبي حزقيال للتعرّف على الهيكل العظيم الذي سيُبنى في أورشليم أثناء الملك
الألفي (حز40: 3)
(5) صاحب الفندق في مَثَل السامري الصالح (لو10: 30-35).
(6) العبد الذي أمره صاحب العشاء العظيم بأن يُلزم المساكين بالدخول إلى بيته
(لو14: 16–23).
(7) المرأة المجتهدة التي أوقدت سراجًا، وكنست البيت، وفتشت باجتهاد عن الدرهم
المفقود حتى وجدته (لو15: 8-10).
(8) الإنسان الحامل جرة ماء الذي قاد التلميذين إلى المكان الذي يجتمع فيه الرب
مع تلاميذه (لو22: 10–13).
*******
عرفنا مما سبق أنه بعد صليب المسيح (تك22)، وعزل الأمة الإسرائيلية (تك23)،
اتجه الله إلى الأمم ليأخذ منهم عروسًا لابنه (تك24). هذه الدعوة مستمرة في الفترة الحاضرة إلى أن
يدخل ملء الأمم، وتُختطف الكنيسة لتُزف إلى عريسها المجيد في السماء، بعدها سوف
يعود المسيح إلى الأرض لخلاص شعبه القديم، إذ سيكونون وقتها قد اجتازوا خلال
”أسبوعهم الأخير“ في الضيقة العظيمة.
والواقع أنه كما لم يكن ممكنًا أن يتجه الله بدعوة العروس من الأمم طالما
للرب علاقة مع شعبه الأرضي إسرائيل،
بل استلزم الأمر أولاً قطع هذه العلاقة (إلى حين). هكذا لن يعيد الرب تعامله مع شعبه القديم إلا
بعد الانتهاء من «الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ» (1تي2: 6)، وتمام
دعوة عروس المسيح السماوية.
ويلفت النظر أن إسحاق هو الوحيد من كل الآباء الذي لم يفارق أرض
الموعد. فإبراهيم مثلاً دُعي من أور
الكلدانيين، ثم انحدر إلى مصر. ويعقوب هرب
إلى حاران، ونزل أيضًا إلى مصر. وهكذا الأسباط
أيضًا، إلا إسحاق. فإسحاق يرمز للابن
الوحيد الذي بعد موته وقيامته وصعوده، صار رأسًا للكنيسة وعريسها السماوي (2كو5:
16؛ يو16: 10؛ 17: 19). لكن الروح القدس
هو الذي اُرسل من الآب إلى العالم ليخطب عروسًا له من عشيرة الآب. وحسناً علق آخر على هذا الأمر بالقول: ”إن دعوة
رفقة لا تمثل دعوة الخطاة بالإنجيل، بل دعوة القديسين إلى مكانة أسمى وخاصة مع
المسيح“. هذا ما ابتدأ الروح القدس يوم
الخمسين أن يعمله حين حل على المائة والعشرين الذين من أهل الإيمان (أع1: 5، 15؛
2: 1). أي أن الروح القدس يختم الذين
يؤمنون ليضمهم إلى الكنيسة.
في تكوين 2 نرى صورة المسيح والكنيسة في حادثة إحضار حواء لآدم، تلك التي عن
طريق نومه وفتح جنبه (الموت وطعنة الحربة) أُحضرت له، لتُشاركه كل غناه وسلطانه
على كل الخليقة. لكن هنا في تكوين 24 نرى
ملامح جديدة لهذا السر المبارك، إذ أن رفقة دُعيت من أرض بعيدة واقترنت بإسحاق
عريسها دون أن تراه (1بط1: 8).
*******
كانت بداية إرسالية العبد هكذا «أَخَذَ الْعَبْدُ عَشَرَةَ جِمَالٍ مِنْ
جِمَالِ مَوْلاَهُ، وَمَضَى وَجَمِيعُ خَيْرَاتِ مَوْلاَهُ فِي يَدِهِ» (تك24:
10). الرقم 10 هو رقم الطاقة البشرية لأنه
فقط على قدر طاقتنا المحدودة حاليًا، يُعلن لنا الروح القدس عن أمجاد الابن الوحيد
«ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يو16:
14). لاحظ أنه لا يُخبرنا بكل ما له، فهذا
لا تحتمله أجسادنا الضعيفة التي لم تُفتدَ بعد، بل يخبرنا فقط مما له.
والجِمال ترمز للخدام أصحاب المواهب الذين يستخدمهم الروح القدس. الخراف (وهي بحسب الشريعة طاهرة، لكنها لا
تخدم)، ترمز إلى المؤمنين بصفة عامة.
فالمؤمن «هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ» (يو13: 10). أما الجِمال فبحسب الشريعة نجسة؛ فهي تجتر
لكنها لا تشق ظلفًا (لا11: 4). وهذه هي
أولى مسوغات التعيين للخادم؛ أنه يشعر أولاً في الأعماق بنجاسته وعدم نفعه، لكن
الله قد طهره (أع10: 11-15). وما لم يتعمق
هذا الشعور في كل كياننا فإننا لن نكون الأواني التي يُسر الله أن يستخدمها، إذ
يجب أن تُخدم النفوس بروح الاتضاع (إش6: 5-8؛ لو22: 31–32؛ 1كو15: 8-10).
ويلزم الخادم الاجترار على كلمة الله (2تى2: 15)، لكن ليس هو مقياس سلوك
المؤمنين (قارن غل2: 11-14)، فقدوتنا ليس الإنسان، بل الرب يسوع نفسه (عب12: 2).
والجمل الذي لا يشق ظلفًا، هل يُمكن أن يخدم؟! نعم.
ويا لعظمة نعمة الله التي تستخدم أواني بشرية مسكينة لتحقيق مقاصد
أزلية. قال أحدهم: ”إن الله يقدر أن يرمي
سهمًا مستقيمًا بقوس مضعضعة“. ويا لها من
تعزية للخادم!
في رحلة الذهاب كانت الجمال مُحمَّلة بالذهب والفضة، وبخيرات الأب. لكنها في رحلة العودة كانت حاملة رفقة نفسها
لبيت الأب. وباعتبار الجمال ترمز للخدام
فإننا في الحالة الأولى صورة للمعلمين الذين يستحضرون أمامنا كل بركة روحية قد
باركنا الآب بها. كما يُكلموننا عن أمجاد
الابن، وغنى المسيح الذي لا يستقصى. أما
في الثانية فنجد صورة الرعاة الذين يحملون المؤمنين بأثقالهم. أولئك الذين زودهم الرب بنعمة الترفق لحمل
العاثر وإعانة الضعيف، والذين في مخادعهم يحملون إخوتهم أمام عرش النعمة. آه ما أحوجنا في هذه الأيام الأخيرة إلى
جِمال! لقد تأمل إسحاق في آخر الرحلة
«وَإِذَا جِمَالٌ مُقْبِلَةٌ» (تك24: 63).
ونحن أيضاً نأمل - وقد وصلنا إلى مشارف النهاية - أن يُرينا رب الحصاد رعاة
ومعلمين يرسلهم هو إلى كنيسته.
*******
تمت مقابلة العبد ورفقة خارج المدينة؛ عند البئر. وهكذا يتقابل الروح القدس مع النفوس المنفصلة
عند بئر الكلمة (قارن رؤ22: 17). وهناك
أعطى العبد لرفقة خزامة ذهب في أنفها وسوارين على يديها. الخزامة تُشير إلى جَمال الخلاص الذي أصبح من
نصيب مؤمني العهد الجديد بالمقابلة مع مؤمني العهد القديم الذين لم يكونوا يعرفون
سوى الخلاص الأرضي من الأعداء (مز149: 4).
والسوارين هما قيود المحبة التي لا بداية لها ولا نهاية، التي قيدت
المؤمنين.
ثم دخل العبد إلى البيت، ووضعوا قدامه ليأكل. لكن قبل الأكل، وأهم منه، كان على قلبه
الانتهاء من المأمورية المُكلَّف بها.
وألا يذكرنا هذا بلقاء آخر للرب يسوع مع المرأة السامرية، خارج المدينة،
وعند البئر أيضًا. ولما أتى التلاميذ إليه
بالطعام، قال لهم: «أَنَا لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ ...
طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ»
(يو4: 32، 34). وبينما الابن الوحيد يحدث
المرأة السامرية عن الروح القدس، فإن العبد هنا يتحدث عن أمجاد إسحاق، الابن
الوحيد!
أيها الأحباء ما أعجب هذا! ألا تمس
هذه الحقائق قلوبنا! أبهذا القدر تكون
مشغولية أقانيم اللاهوت الثلاثة بالإنسان!
ففي لوقا 15 نجد الراعي يذهب وراء الضال حتى يجده. ونجد المرأة تكنس البيت باجتهاد. والأب يركض للقاء الابن الضال. وهكذا هنا أيضًا يقول عن رفقة إن «رَكَضَ
الْعَبْدُ لِلِقَائِهَا» (ع17). كما أنه
بعد أن تمت الموافقة بالاقتران قال العبد: «لاَ تُعَوِّقُونِي وَالرَّبُّ قَدْ
أَنْجَحَ طَرِيقِي. اصْرِفُونِي لأَذْهَبَ
إِلَى سَيِّدِي» (ع56). نعم لن يحدث تباطؤ
قط، بل بمجرد أن تتم دعوة العروس لن يبقى للروح القدس ولا الكنيسة على الأرض
«الرُّوحُ وَالْعَرُوسُ يَقُولاَنِ: تَعَالَ» (رؤ22: 17).
أما أخوها وأمها (العواطف البشرية) فقالوا: «نَدْعُو الْفَتَاةَ
وَنَسْأَلُهَا شِفَاهًا. فَدَعُوا
رِفْقَةَ وَقَالُوا لَهَا: هَلْ تَذْهَبِينَ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَتْ: أَذْهَبُ. فَصَرَفُوا رِفْقَةَ أُخْتَهُمْ
وَمُرْضِعَتَهَا وَعَبْدَ إِبْرَاهِيمَ وَرِجَالَهُ» (ع57-59). وكم تشتاق قلوبنا إلى عريسنا المبارك! أما هو فإن غيرته الشديدة من نحونا لا ترضى
بأقل من الأشواق الملتهبة. لقد قال له
المجد: «مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي،
وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي» (مت10:
37). لا شيء يُحزن الرب أكثر من قلوب
موزعة بينه وبين العالم. قال الرسول بولس:
«إِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ
لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ» (2كو11: 2).
«فَصَرَفُوا رِفْقَةَ» ... إخوتي: هل اقتنع العالم يا إخوتي أننا
لسنا منه؟ هل اقتنعنا نحن؟ هل نعيش عمليًا في قوة القول: «رَبِّنَا
يَسُوعَ الْمَسِيحِ ... بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ
الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا» (غل1: 3،
4). ها نحن في البرية. بمجرد أن تعرفنا بالرب أصبح العالم لنا برية. لكن يُعزينا أنها رحلة. نحن عابرون لا ماكثون. والرحلة أوشكت أن تنتهي.
*******
«فَقَامَتْ رِفْقَةُ وَفَتَيَاتُهَا وَرَكِبْنَ عَلَى الْجِمَالِ وَتَبِعْنَ
الرَّجُلَ» (ع61). فبعد أن قام العبد
بخطبتها إلى سيده، فقد قام أيضًا بإرشادها وحمايتها طوال الرحلة. وهكذا قال المسيح عن الروح القدس 4 مرات في
إنجيل يوحنا أنه المعزي ”البارقليط“ (يو14:
16، 26؛ 15: 26؛ 16: 7). والكلمة تعني
حرفيًا ”الواقف بجانبنا“. لقد أتى الروح
القدس ليسكن في كل مؤمن كفرد، وفي الكنيسة كجماعة، ولن يتركنا قط، فقد أتى ليمكث
معنا إلى الأبد.
«فَأَخَذَ الْعَبْدُ رِفْقَةَ وَمَضَى»، وفي النهاية «حَدَّثَ
الْعَبْدُ إِسْحَاقَ بِكُلِّ الأُمُورِ الَّتِي صَنَعَ» (ع61، 66). وكم كان ولاء رفقة وأشواقها لإسحاق سبب فرح
لقلب إسحاق «هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: قَدْ ذَكَرْتُ لَكِ غَيْرَةَ صِبَاكِ،
مَحَبَّةَ خِطْبَتِكِ، ذِهَابَكِ وَرَائِي فِي الْبَرِّيَّةِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ
مَزْرُوعَةٍ» (إر2: 2). لقد أجاب بُوعَزُ
راعوث قائلاً: «إِنَّنِي قَدْ أُخْبِرْتُ بِكُلِّ مَا فَعَلْتِ ... حَتَّى
تَرَكْتِ أَبَاكِ وَأُمَّكِ وَأَرْضَ مَوْلِدِكِ وَسِرْتِ إِلَى شَعْبٍ لَمْ
تَعْرِفِيهِ مِنْ قَبْلُ. لِيُكَافِئِ
الرَّبُّ عَمَلَكِ، وَلْيَكُنْ أَجْرُكِ كَامِلاً» (را2: 11، 12).
يا لها من محبة جعلتها تنسى شعبها وبيت أبيها! ويا له من إيمان جعلها لا تذكر ذاك الذي خرجت
منه، وإلا لكان لها فرصة للرجوع! ويا له
من رجاء كان مشتعلاً في قلبها طوال الطريق!
إن رفقة في هذا الموقف تذكرنا بمؤمني كنيسة تسالونيكي الذين قال عنهم
الرسول: «نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ
إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا، مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ
إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ
الْمَسِيحَ، أَمَامَ اللهِ وَأَبِينَا» (1تس1: 2، 3).
وكم استغرقت الرحلة؟ الكتاب لا
يذكر. وهكذا قصد الروح القدس أن يجعل موعد
مجيء المسيح لأخذ عروسه مخفيًا عن قديسيه حتى يعيش القديسون في كل العصور بأشواق
حارة إلى لحظة اللقاء. على أن رفقة عندما
وصلت إلى النهاية شعرت «رَفَعَتْ رِفْقَةُ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ إِسْحَاقَ
فَنَزَلَتْ عَنِ الْجَمَلِ» (ع64). لقد
عرفت بإحساس داخلي، ساعدها بلا شك أحاديث العبد عن إسحاق طوال الرحلة. وأليس هذا ما نجده في قلوب كل القديسين في كل مكان
في هذه اللحظات. لا مجرد اقتناع بحقائق المجيء الثاني، بل شعورًا قويًا أكيدًا
بأننا نعيش في لحظات النهاية.
أيها الأحباء: بعد قليل جدًا ستزف الكنيسة إلى عريسها المجيد؛ ذاك الذي نتوق
الآن إلى لقياه ورؤية محياه، ذاك الذي أحببناه دون أن نراه. لكن عن قريب، وفي محفل عجيب، سنراه وجهًا
لوجه. عندما يأتي خصيصًا إلينا، ويُظهر
ذاته لنا وليس للعالم.
أيها الرب سَيِّدنا متى تنتهي الغربة، وندخل إلى حجالك، فنبتهج ونفرح
بك. قريبًا ... قريبًا جدًا، فالكل يُنبئ
حولنا أن الظهور قد ظهرت بوادره واتضحت علاماته!
[2]
بينما لم يرد اسم العبد مطلقًا في هذا الأصحاح، فإنه يُشار إليه تسع مرات
بأنه ”العبد“، وتسع مرات بأنه ”الرجل“!
والرقم 9 هو رقم الروح القدس (قارن 1كو12: 8-11؛ غل5: 22، 23). والجميل أن اسم إبراهيم يرد في هذا الفصل 14
مرة (7 × 2). وإسحاق يرد 8 مرات؛ رقم الإنسان
الجديد.