القانونية
تحديد مجموعة من النصوص على أنها مقدسة
(قانونية)، كان عملية تاريخية تدريجية. الافتراض الأساسي هو أن الروح القدس يعمل
داخل جماعة المؤمنين، ويقود الغالبية العظمى إلى تمييز الوحي. وهذا ما وعد به
المسيح قائلا وَأَمَّا ... الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ
بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ،
وبالفعل كان هذا هو اعتقاد الأوائل في العصر المسيحي المبكر. آمنوا بأن الروح
القدس سيخلق إجماعًا بحيث يعرفون، ويمكنهم الاطمئنان، إلى أن الكتب التي منحوها
مكانة مقدسة هي بالفعل تلك الموحى بها. وكانت هناك بعض المعايير لذلك، وعادة ما
يكون لها علاقة بالرسل أو شخص قريب منهم.
الأدلة الداخلية
قبل
استعراض تاريخ قانونية العهد الجديد، هناك بعض الأدلة الداخلية في العهد الجديد نفسه،
تشير إلى أن هذه الكتابات هي وحي (Scripture)، على سبيل المثال:
·
بولس يقتبس من
إنجيل لوقا ويساويه بالعهد القديم: لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: «لاَ تَكُمَّ
ثَوْرًا دَارِسًا»،
وَ«الْفَاعِلُ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ».
المقطع الأول في العهد القديم والثاني في إنجيل لوقا، اقتبس الجزئين وكتبهم في نفس
الجملة تحت عنوان قول "الكتاب" (Scripture)، واضعًا إياهم في نفس المرتبة.
·
بولس يشير إلى تعاليمه
(وبالتالي، رسائله) بأنها "وصايا الرب" و"من الله"، مما يشير
إلى أن كتاباته كانت تُعتبر موحى بها:
o
مَا
أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ.
o
تَسَلَّمْتُمْ
مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ.
ولأنها "من الله" بولس يُشدد على طريقة
كتابتها؛ فهي ليست مبنية على حكمة بشرية، ولكن على كلمات يُعلمها الروح،
مؤكدًا سلطتها الإلهية ووحيها. ويجدر ملاحظة أن بولس لا يقتصر هذه الأمور على نفسه
فقط، بل يخاطب المؤمنين قائلاً: مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ
وَالأَنْبِيَاءِ،
وهنا وضع نفسه بجانب الرسل، ووضع الرسل جميعًا بجانب الأنبياء.
·
بطرس
يشهد عن رسائل بولس مساويًا بها باقي كتب الوحي: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ
أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ .. كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا ..
يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ .. كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا".
·
يوحنا
يشهد أن سفر الرؤيا هو "كلمة الله" و"شهادة يسوع المسيح"،
ويطوِّب من يقرأ كلماته،
مما يشير إلى مكانته القانونية.
تاريخ القانونية
ننتقل إلى استعراض تاريخي سريع، حوالي عام 100م
كُتب آخر كتاب في العهد الجديد (الرؤيا). وبعد فترة وجيزة من ذلك، لدينا أدلة
وثائقية تشير إلى ظهور ما يمكن أن نسميه "وعي بالكتب القانونية" يتطور
داخل الكنيسة الأولى.
·
عام 140م، ظهر شخص
يُدعى مارسيون،
شخصية في تاريخ الكنيسة المبكرة، حيث ذكرت كتاباته مجموعة من الكتب التي يعتبر
أنها مقدسة. على الرغم من معتقداته الغريبة، إلا أن
مارسيون تطرق بالفعل إلى فكرة الكتب المقدسة (القانونية). بالنسبة لمارسيون، كان
قانونه يضم إنجيل لوقا فقط ورسائل بولس الرسول. يوضح لنا هذا، أنه كان هناك تفكير
بترقية بعض النصوص إلى مرتبة الوحي الإلهي.
·
حوالي
عام 170 إلى 175م، ظهر ما يسمى بالـ Diatessaron
، هو
عبارة عمل قام به تاتيان،
يحاول مجانسة الأناجيل وبالطبع، ليس من قبيل الصدفة، هم الأناجيل الأربعة التي
نمتلكها اليوم، متى ومرقس ولوقا ويوحنا. يكشف لنا هذا العمل عن الأناجيل التي
اعتبرها جديرة بالتوحيد وعرضها على الجماعة المؤمنة. إذن، بحلول هذا الوقت،
ارتقى إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا إلى مكانة عالية فيما يتعلق بالروايات
المكتوبة عن حياة المسيح.
·
حول
نفس الوقت، أكد إيرينيوس أيضًا على أن الأناجيل الأربعة
هي التي يجب الاعتراف بها هي نصوص مقدسة. وأنها يجب أن تُعامل مثل
العهد القديم كوحي من نفس الإله.
·
في
نفس الوقت أيضًا، ظهرت قطعة أثرية تسمى المخطوطة الموراتورية، وهي مجزأة، لكنها تحتوي
على قائمة تضم جميع كتب العهد الجديد الحالية التي نعتبرها وحي، باستثناء رسالة
العبرانيين، بطرس الأولى والثانية، ويوحنا الثالثة. توضح الكتب التي كانت متداولة
في الكنيسة الأولى، وأيها قانوني. تذكر أيضًا بعض الكتب التي تم رفضها. إذًا، مثلما قام تاتيان بتوحيد الأناجيل
الأربعة، واستبعاد بعض الكتابات، تخبرنا مخطوطة موراتوري أن بعض الكتب كانت
تُستبعد بينما يتم إدراج أخرى. مرة أخرى، هناك عملية جارية هنا تتعلق بتحديد الكتب
التي سيتم وضعها في قانون العهد الجديد.
·
حول عام ٢٠٠م، نجد إشارات أو اقتباسات لجميع الكتب
التي نقبلها الآن ضمن العهد الجديد القانوني في كتابات آباء الكنيسة العظام مثل
ترتليان وإيرينيوس وكليمنت الإسكندري. حيث قام هؤلاء الآباء
بالاستشهاد بهذه الكتب باعتبار أنها وحي. لاحظ أن كليمنت استبعد بعض الكتب، مما يضيف دليلاً آخر على
عملية التفكير هذه التي كانت تجري آنذاك.
·
في
القرن الرابع الميلادي أي خلال 300-400م، وقت مجمع نيقية، وقسطنطين، نجد اتجاه حاسم لتشكيل
قائمة نهائية للكتب القانونية، لكن يجب ملاحظة انه يُشاع خطأً، (وروج له رواية
شفرة دافنشي
ومصادر أخرى غير أكاديمية)، أن قسطنطين الكبير هو من أنشأ العهد الجديد بمرسوم
إمبراطوري. يزعم هذا الادعاء أنه حدد الكتب التي ستكون جزءًا من العهد الجديد
واستبعد كتب أخرى. هذا الادعاء خاطئ تمامًا، حيث توجد لدينا وثائق من مجمع نيقية
الذي دعا إليه قسطنطين. مجمع نيقية لم
يركز على تحديد قائمة العهد الجديد، بل على توضيح عقيدة التثليث.
ما أمر به قسطنطين، هو أنه
طالب القادة والمفكرين المسيحيين بحسم النقاش اللاهوتي الدائر آنذاك. كما أمر بنسخ
وتوزيع عدد كبير من نسخ العهد الجديد في جميع أنحاء الإمبراطورية، مما أجبر الناس
على اتخاذ موقف محدد تجاه تلك النصوص وقانونيتها. ونتيجة لذلك، قاموا بتشكيل ما
يُعرف باسم "مجموعة الحد الأدنى" للقانونية. باختصار، استبعدوا بعض
النصوص التي قُبلت من مجموعات صغيرة، واختاروا الكتب التي تحظى بموافقة الجميع
تقريبًا، لتلبية متطلبات قسطنطين، وهذه هي الكتب السبعة والعشرون الموجودة حاليًا
في العهد الجديد. وهذا يعني أنهم لم يضيفوا أي كتب جديدة، بل اختاروا من بين النصوص
الموجودة أصلاً.
إذًا، عملية تشكيل النصوص المقدسة (العهد الجديد) لم تكن
حدثًا واحدًا له تاريخ محدد. لكن، بحلول القرن الرابع الميلادي، كان هناك إجماع
قوي حول مجموعة الكتب الأساسية في العهد الجديد، وهو الإجماع الذي لا يزال قائمًا
حتى يومنا هذا.
النقل والنسخ
بعد تحديد الكتب القانونية،
واستقرارها على السبعة والعشرين سفرًا، أصبح من المهم جدًا نسخ هذه النصوص للحفاظ
عليها ونشرها بين المؤمنين. بالطبع كان يتم نسخ جميع النصوص المسيحية في القرون
الأولى، ولكن بعد تحديد القانونية في 27 سفرًا، أصبح من الضروري نسخ هذه النصوص
تحديدًا بدقة. هنا يكمن الفرق، فالأمر لم يعد مجرد نسخ عشوائي لبعض الكتب، بل أصبح
التركيز على نقل الكتب القانونية للأجيال القادمة
مما ساعد في النسخ والنقل هو
ابتكار الكودكس.
مخطوطات العهد الجديد الأولى، كانت مصنوعة من ورق البردي، لم تُكتب في شكل درج (scroll)،
بل كودكس. تبنّى المسيحيون هذا الشكل ليس لكتب العهد الجديد فقط، ولكن أيضًا
للترجمة السبعينية، الترجمة اليونانية للعهد القديم التي كانوا يستخدمونها.
وهذا هو نتاج عملهم المكثف:
المخطوطات
حوالي 5800 مخطوطة يونانية،
10.000 مخطوطة لاتينية، 9.300 مخطوطة بلغات أخرى للعهد الجديد معروفة لدى
العلماء اليوم.
تُعد هذه المجموعة الضخمة شهادة على جهود النسخ والحفظ المكثف عبر التاريخ. والعدد
ما زال في التصاعد حتى اليوم، لا يوجد شيء آخر في التاريخ يقترب حتى من هذا! أكثر
النصوص اليونانية الكلاسيكية التي تم العثور عليها هي إلياذة هوميروس، حيث يوجد حوالي 650 نسخة
منها معروفة للعلماء. 650 نسخة مقابل 5800 نسخة للعهد الجديد.
بكل إيجاز نمر على أنواع المخطوطات:
·
البرديات
(Papyri): مصنوعة من البردي، وهي
أقدم أنواع المخطوطات، معظم المخطوطات البردية للعهد الجديد يعود تاريخها إلى
القرنين الثاني والثالث الميلادي، وهذا يعني الفترة بين 100 و200م. أي لا توجد
فجوات زمنية بين الكتابات الأصلية والمخطوطات.
·
الخطوط
العريضة (Uncials): مكتوبة بحروف كبيرة منفصلة، على الرق (جلد
الحيوان). يرجع تاريخها إلى القرن الرابع والخامس الميلادي، ومن أشهرها المخطوطة
السينائية (Sinaiticus) والإسكندرانية،(Alexandrinus)
، والفاتيكانية (Vaticanus).
·
الخطوط
الصغيرة (Minuscules): مكتوبة بحروف صغيرة متصلة، وهي الأحدث بين
الأنواع (من القرن الخامس الميلادي وما بعده).
·
التلاوات
(Lectionaries):
عبارة عن نصوص مسيحية تُستخدم في الوعظ أو صلوات القداس. تقتبس من العهد الجديد،
وبالتالي، نحصل على آية أو جزء من العهد الجديد محفوظًا عند حدوث ذلك الاقتباس.
·
اقتباسات
الآباء (Quotations from the Fathers): تشهد على نص العهد الجديد من خلال ما نقله عنه الآباء الأوائل
في كتاباتهم.
يوفِّر هذا العدد الكبير والمتنوع من المخطوطات جنبًا إلى
جنب مع علم النقد النصي الحديث، فرصة عظيمة للباحثين لمقارنة القراءات المختلفة
واستخلاص الأقرب للأصول. الشيء المستحيل حدوثه مع أي نص آخر قديم غير الكتاب. مما
يمنحنا يقينًا كبيرًا بدقة النص الذي بين أيدينا اليوم. يتفق معظم العلماء على أن
النص الحالي يعكس النصوص الأصلية بدقة تصل إلى حوالي 99.5%.
(تم)