(عد19)
هل سمعت عن البقرة الحمراء؟ في أي سفر ذُكرت؟ ماذا هي حمراء؟ وفيما تستعمل؟
هي عِجْلَة حمراء من مولدها، تكون بلا عيب، لم تُجر
النير. كانت تُعتبر ذبيحة خطية استثنائية.
تذبح خارج محلة إسرائيل، ويُرش دمها قدام
وجه خيمة الاجتماع سبع مرات. تُحرق
بتمامها وتتحول إلى رماد، يوضع في إناء به ماء، يُحفظ لعلاج مَن يتنجس في البرية،
من بني إسرائيل والغريب النازل وسطهم.
ويقال إنه عبر التاريخ اليهودي لم يتطلب الأمر سوى 6 بقرات فقط، لأن أقل
كمية من الرماد تصلح للتطهير. لم ترد مع
الذبائح الأخرى في سفر اللاويين، بل في سفر العدد، سفر البرية، سفر الارتحال،
لأنها تخص البرية وإعوازها فقط.
(1) مواصفات البقرة الحمراء:
بَقَرَة: أي أنثى لأنها تعالج الضعف البشري في
ملامسة الموت الذي فينا والذي حولنا.
حَمْرَاء: أي مُعدَّة لتكون ذبيحة، وهي رمز
للمسيح الذي لبس رداء البشرية، وقدَّم نفسه للصليب، وسُفكت دماؤه لتطهيرنا
وتغسيلنا من خطايانا.
صَحِيحَةً لاَ عَيْبَ فِيهَا: رمز للمسيح القدوس
البار، الخالي من أي دنس والذي بلا لوم، بشهادة رُسُله ، أنه «لَمْ يَفْعَلْ
خَطِيَّةً» (1بط2: 22)، «لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً» (2كو5: 21)، «وَلَيْسَ فِيهِ
خَطِيَّةٌ» (1يو3: 5). بل شهد الشيطان عنه بأنه قدوس الله، وشهد أعداؤه عن بره.
لَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا نِيرٌ: وهنا نرى المسيح
الذي لم ينحنِ قط أمام إنسان ولا شيطان «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى
خَطِيَّةٍ؟» (يو8: 46)، «لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ
فِيَّ شَيْءٌ» (يو14: 30). فهو لم يحمل قط
نير الخطية، ولم يتأثر قط بأي إطراء ولا تهديد.
مجدًا له!
(2) الغرض من الشريعة:
كان
يستعمل رماد البقرة الممزوج بالماء كعلاج إلهي ناجح للأدناس التي يتعرض لها المؤمن
أثناء عبوره في وسط عالم شرير، في طريقه للمجد الأبدي. فهي ذبيحة خطية ليست لأجل التكفير عن الخطية،
بل للتطهير من النجاسة، لذا ترد كلمة النجاسة في هذا الفصل 24 مرة، وكلمة التطهير
12 مرة. فالخطية هنا يُنظر إليها لا كذنب،
بل دنس ينجس المؤمن، ويقطع شركته مع الله، ومع المؤمنين. لكن شكرًا للرب! فالرب قد زودنا بما يلزمنا لأجل ضعفاتنا
ونجاساتنا التي نتعرض لها ونحن سائرون في عالم مدنس. فهذه الشريعة مُصمَّمة لحاجات المؤمن عندما يزل
في الطريق، فهي عدة إلهية لأجل إزالة نجاسة شعب له علاقة مع إله قدوس.
(3) تفصيلات الشريعة:
#
تعُطَى لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ: وليس لهارون لأن أَلِعَازَار هنا ليس رمزًا للرب يسوع، بل يصور لنا الخدمة
الكهنوتية التي يقوم بها المؤمن كمعونة للآخرين المدنسين، ومعنى اسمه ”الرب عوني“.
#
تُخْرَجُ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ: صورة لما حدث مع المسيح إذ «تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ» (عب13: 12).
#
تُذْبَحُ قُدَّامَهُ:
وهذا ما حدث للرب، إذ ذُبح من يد الأشرار، ومن يد العدل الإلهي.
#
يَنْضِحُ (يُرَش) مِنْ دَمِهَا إِلَى جِهَةِ وَجْهِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ
سَبْعَ مَرَّاتٍ: أي إن الأساس الوحيد لرد الشركة، هو
إدراك المؤمن الذي تنجس، أن موت المسيح هو موضوع الشركة وأساس الاقتراب إلى الله.
#
وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ:
لا يُقدَّم منها شيء لله، ولا الشحم، إذ تُحرق بتمامها كذبيحة خطية، يُحرق جِلْدُهَا
(كل جمالها)، ولَحْمُهَا (أحسن ما فيها)، وفَرْثِهَا (الخطية في عفونتها).
#
يُطرح في وَسَطِ حريقها خَشَب
أَرْز، وهو يمثل كل انتفاخ وعظمة بشرية (إش2: 12، 13)، وزُوفَا (ترينا التواضع
الكاذب الظاهري مع فعل إرادة الجسد - كو2: 18)، وقِرْمِزًا يمثل كل مجد الإنسان. الكل يحرق، أي كل ما يرتبط بالإنسان قد تم
القضاء عليه في الصليب.
#
رَمَاد الْبَقَرَة: بعد
انتهاء عملية الحرق، تتحول البقرة إلى رماد.
وهنا نرى ما جاز فيه المسيح على الصليب، وهذا الرماد يتعامل مع قلب المؤمن،
إذ كان يوضع في إناء به ماء، يُكلّمنا عن الروح القدس، مستخدمًا كلمة الله، مصور
لنا آلام المسيح، لكي يتعامل مع قلب المؤمن الذي تنجس، لكي يرده للشركة مع الله من
جديد.
(4) لمن الشريعة؟
كانت
هذه فريضة دهرية ”لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلِلْغَرِيبِ النَّازِلِ فِي وَسَطِهِمْ“،
ويمثلون المؤمنين الآن الذين تطهروا بدم المسيح مرة واحدة، لكنها يحتاجون إلى
التطهير اليومي بالكلمة «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى
غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ» (يو13: 10)، «مُطَهِّرًا إِيَّاهَا
بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ» (أف5: 26).
(5) مسببات النجاسة:
#
التنجُّس لميت:
ومَنْ يعبر يومه دون أن يمسّ ميتًا في مَحَلَّة لا يقل عدد الموتى فيها عن خمسين
جثة يوميًا؟! إنها صورة للأموات بالذنوب
والخطايا حولنا، وفي تعاملاتنا اليومية معهم، كثيرًا ما نتنجس عندما نتشبَّه بهم. ليتنا لا ننسى أنه فينا «جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ»
(رو7: 24)؛ فإذا أعطيناه فرصة فسوف نتنجس بأعماله (غل5: 19).
#
مَيْت في خَيْمَة:
الخَيْمَة تعنى البيت الذي نسكنه، أو الاجتماع الذي ندخله. وقد يوجد فيهما أشخاص غير مولودين من الله، ولهم
تأثير سيء يمتد في الخفاء «خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ» (غل5:
9). وفي البيت أيضًا كثيرًا ما يقل الحذر،
ويكثر التهاون في أشياء قد نرفضها أمام الآخرين في الخارج؛ وهنا يصير مَن في
المنزل، وخاصة الأولاد - الممثَّلين بالإناء المفتوح - عالميين في تصرفاتهم في
الخارج، بسبب ما يرونه في الداخل.
#
لمس القَبْر: القَبْر يُظهر في
الخارج عكس ما يُبطن في الداخل. وهؤلاء هم
المراؤون الذين يلبسون ثياب التديّن الخارجي، وداخلهم مملوء بالنجاسة (مت23: 7،
28). فلنحذر من خميرهم!
#
قتيل على وجه الصحراء:
فساد يحيط بنا من كل جهة. فما نراه
بأعيننا من الناس والإعلانات والمجلات التي تملأ الشوارع، وما نسمعه بآذاننا في
المواصلات وأماكن العمل. أمور كثيرة تنجِّس عيوننا وآذاننا. هذا وإن كنا لا نستطيع أن نتجنبها، لكن هذا لا
يغيّر أو ينقص من مستوى قداسة الله.
(6) خطورة النجاسة:
إن
حدوث النجاسة يؤثر أولاً على الشخص نفسه، إذ تقطع شركته مع الرب، وتحرمه من أفراح
الشركة والعلاقة مع الله. كما النجاسة
تؤدي إلى انقطاع علاقته مع شعب الرب، فالمُنجَّس يُنجِّس جماعة الرب، مقدس الرب،
وبلغة العهد الجديد «خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ» (غل5: 9)،
«فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ» (1كو15:
33).
(7) مَن يقوم بالتطهير؟
(أ) الرجل الطاهر: وهو من يقوم بتطهير المُتنجِّس.
ويجب أن تتوفر فيه الصفات الآتية:
*
طاهر أي غير مَلوم في شخصه وفي سلوكه.
*
شخص يتصف بالتواضع «إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا،
فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ،
نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا» (غل6: 1).
*
شخص مُدرِك لآلام المسيح بسبب الخطية.
*
شخص خاضع لقيادة وإرشاد الروح القدس، ولا يقدِّم إلا كلمة الله للعلاج.
*
يذهب في الميعاد المناسب، بلا تسرع أو تأخير.
(ب) المنجَّس ما له وما عليه:
*
وجود الرماد والماء للعلاج لا يقود للتساهل مع الخطية، بل للشعور بشناعتها وخطورة
التنجس بها؛ فيؤدّى هذا للسهر والحذر في كل وقت وكل مكان.
*
متى حدث التنجس، فعليه أن يتطهر حتى لا ينجِّس مسكن الرب، ويُحرم من الشركة مع
المؤمنين، ويتعرض للتأديب الذي قد يؤدّى للموت (1كو11: 30).
*
إن كانت الشركة تُفقد بسهولة، لكن استرجاعها فيه صعوبة. فكان يؤخذ جزء من رماد
البقرة، ويوضع عليه ماء جارٍ، ويُرش المنجَّس بزوفا مغموسة في الماء، على مرحلتين
في اليومين الثالث والسابع. وهذا لا يعني
للمؤمن مدة حرفية، بل فترة تدريب كاملة، فيها يشعر بالخطية، وكَم أهان الرب الذي
تألم بسببها، وكم خسر من انقطاع شركته مع الرب والمؤمنين؛ وهذا يترك انطباعًا على
القلب والضمير، فيعمل الروح القدس فيه، فيحزن ويعترف بالخطية، ويتهيأ لتلقي العلاج
(اليوم الثالث)، ثم يأتي رد النفس الكامل (اليوم السابع).
مثال: عندما أخطأ بطرس في إنكاره للرب، نظر الرب إليه، فبكى
بكاءً مرًّا (اختبار اليوم الثالث)، ثم احتاج للقاء آخر يعود بعده لخدمته وشركته
مع إخوته (اختبار اليوم السابع - يو21: 15-22).
(8) تطهير أفضل:
«لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ
وَتُيُوسٍ (ذبائح يوم الكفارة كأساس العلاقة مع الله)، وَرَمَادُ عِجْلَةٍ
مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ (رماد البقرة الحمراء لحفظ استمرار العلاقة
مع الله)، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ (تطهير طقسي خارجي)،
فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ
قَدَّمَ نَفْسَهُ ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ (تطهير كامل
ومن الداخل)، مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!» (عب9:
13، 14).