ونحن
نقرأ الكتابي المقدس تصادفنا كثيرًا كلمات: ”احسبوه .. أحسب .. احسبوا“، مذكورة
في آيات كثيرة، تُعطينا حسابات إيمانية
تختلف عن حسابات البشر. وهذه الحسابات
تبدو غريبة أو غير منطقية في نظر الإنسان الطبيعي، لكن الإنسان الروحي المولود من
الله يدركها جيدًا ويفهمها ويقبلها بكل يقين:
(1)
في رسالة رومية 11:6 نجد آية جميلة: «كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا
احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ
بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا». هذا حساب دقيق مؤسس على اتحادنا
مع المسيح في موته الذي ماته على الصليب مرة واحدة. وهو حساب دقيق غير مبني على مشاعر أو أحاسيس،
ولكننا نقبله بالإيمان. فقد اتحدنا مع
المسيح في موته وارتبطنا به في قيامته، لذا فنحن أمواتًا عن الخطية وأحياءً لله
بالمسيح يسوع ربنا. أ لسنا متحدين معه
كالغصن في الكرمة؟ أ لم يعطنا الرب حياة
أبدية؟ وبهذا ينتفي وجود الخطية فينا؛
لأنها لو كانت فينا إذا نحن أموات ولسنا أحياء، ومُطالبون أن نُميتها بقوة الروح
القدس وبقوة حياتنا في المسيح. ونتيجة هذا
الحساب أننا أمواتًا عن الخطية أي متحررين من دينونتها وسطوتها بواسطة إيماننا
بالمسيح وموته، ولم يصبح لنا معها أي علاقة بل ننفر منها. وأيضًا أصبحنا أحياء لله بطاعته وتمجيده وأن
يكون هو غايتنا العظمى في الحياة.
(2) في رسالة
بطرس الثانية 3:15 نقرأ «وَاحْسِبُوا
أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ
أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَه». هذا الحساب
يغيب عن الكثيرين ويعتقدون أن الرب يسوع تأخر بلا سبب، وكيف له أن يتحمل ازدياد شر
الإنسان، إنها أناة مدهشة حقيقةً، وراءها سبب مبارك وهو أنه «لا يُسر بموت الشرير»
بل يشتاق إلى رؤية جميع الناس يرجعون ويخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون، لكي ينقذوا
من المصير التعس الذي ينتظر كل خاطئ.
فلنعتبر حلم ربنا علامة لصالح الخاطئ، وأنه يعطيه فرصة تلو الفرصة عسى أن
يتوب، فهو أن جاز التعبير: ”إله الفرصة الثانية“.
فعلى الخاطئ الذي لم يتعرف على الرب أن يستغل هذه الأناة وهذه الفرصة ويأتي
للرب يسوع تائبًا معرفًا بخطاياه. «اليوم، إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم، كما في
الإسخاط».
(3) في رسالة
فيلبي أصحاح 3 :8 نقرأ حساب آخر: «بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ
كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ
رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا
نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ». بعد أن ذكر بولس الامتيازات التي كان يتمتع بها
كونه يهوديًا يقول عن حساب عجيب إنه يحسب كل هذه الامتيازات خسارة لحظة أن تعرَّف
بالمسيح وآمن به، واعتبر أن هذا هو ربحه الحقيقي أن يعرف ويؤمن بالمسيح، بل ويوجد
فيه أي يتحد به؛ ويذوب فيه إن جاز
التعبير. وكأنه هو الحساب المضبوط أن معرفة المسيح لا تقارَن بأي
مكاسب أرضية أو امتيازات دنيوية أو دينية.
(4) لكن مَن
يتحد بالمسيح ويسير معه لا بد أن تقابله آلام أو صعوبات أو ضيقات وأيًا كانت، فنجد
الرسول المغبوط يقدم لنا حسابًا آخرًا جميلاً في رسالته إلى رومية 18:8 : «فَإِنِّي
أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ
أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا». فيؤكد لنا من خلال هذه الآية أن
حسابه صحيحًا تمامًا؛ أي أنه متيقن ومتأكد أيًا كان من هذه الآلام أو المصائب لا
تقاس بالمجد العظيم الذي ينتظر المؤمن، وأي ضيقات لا يُعتد بها، فأمام كرسي المسيح
سيجد المؤمن مكافآت تعوِّض له عمَّا اجتازه من آلام من أجل المسيح، والله دائمًا
صادق في مواعيده «إني أكرم الذين يكرمونني». ونجده في رسالته الثانية لأهل كورنثوس يصفها
بوصف آخر رائع: «لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ
لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا» (2كو 17:4).
فنظر الرسول إلى هذه الضيقات نظرة أخرى فهي: خفيفة ووقتية، في المقابل
المجد أبدي. هذا الحساب يشجعنا على عدم
الاهتمام بما يصادفنا ونحن في هذه البرية، لأن الرب ينظر ويحسب كل شيء بأكثر تدقيق
وعناية، وعنده المقابل المجد الأبدي.
(5) في رسالة
يعقوب الأصحاح الأول نجد حساب آخر يثير التعجب «احْسِبُوهُ
كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ» (ع 2).
الحياة المسيحية لا تخلو، بل هي مليئة، بالتجارب. وكلمة «حينما» تعني لا نستطيع الهرب منها، ولكن
لا نتمرد عليها ولا نخر أمامها، بل بكل سرور نتقبلها من يد الله المُحب الذي
باستمرار يشتغل فينا لنشابه ابنه، ولا نحسبها للحزن أو للعن. في أعمال الرسل 5 نقرأ «وَأَمَّا هُمْ
فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا
مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. 42وَكَانُوا لاَ
يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ
وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.» (ع 41 ،
42). الرسل اعتبروه وسام شرف لهم أن
يهانوا من أجل اسمه، بل لم تعطلهم هذه التجربة عن الاستمرار في خدمتهم، بل واصلوا
العمل من أجل اسم المسيح والشهادة عنه في كل مكان. نسمع الرسول بولس يقول في نفس السفر أصحاح 26 «إِنِّي
أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيدًا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ» فهو واقف يحاكم أمام الملك أغريباس والقيود في يديه لكن
يعلن عن فرحه وسعادته.
ليتنا
نتقبل كل شيء بالشكر من يد إلهنا الصالحة .. وليتنا نكون في كل حين واثقين أن يد
الرب لا تخطئ أبدًا ونعيش الحياة الإيمانية الحقيقية كما يريد أن يرانا ربنا
المعبود. ونثق في حسابات الله العجيبة
التي كلها لصالحنا كمؤمنين نحبه ونثق فيه.
صفوت نظير