تم تداول العديد من النصوص
المسيحية المبكرة منذ القرن الأول الميلادي، لكن لم يتم اعتبار جميعها على قدم
المساواة. كان السؤال المطروح دائمًا: أي النصوص يجب اعتبارها "مقدسة"؟
أدى هذا السؤال إلى عملية تحديد مجموعة محدَّدة من النصوص الموثوقة، والتي تم
قبولها على نطاق واسع على أنها "مستوحاة إلهيًا" – الأسفار القانونية
التي تُشكِّل العهد الجديد للكتاب المقدس. ولفهم القانونية، نحتاجُ بدايةً إلى استكشاف مفهوم الوحي الذي يُحيط بكتابتها.
الوحي: منظور عَمَلي
مفهومنا لعملية "الوحي"، يجب أن يتناسب مع النصوص المكتوبة
بالفعل، لذلك يمكننا فهم الوحي على أنه "تعاون بين الله والإنسان". مع
تجنب فكرة الاستيلاء على الكاتب البشري نوعًا ما، بحيث لم يكن عقله البشري منخرطًا
بطريقة ذكية ومتعمَّدة في كتابة هذه الكتب التي بين أيدينا. أي تجنب اختزال الكاتب في مجرد أداة غير واعية، فالوحي له جانبين:
·
جانب إلهي، هو المصدر الأعلى، المُوحِي.
·
جانب بشري، صاحب القلم، الكاتب.
الجانب الإلهي
هناك دور الله، الله هو "المصدر الأسمَى" بكل ما تحمله الكلمة من
معنى، للعهد الجديد، ولأي كتاب قانوني. كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ
اللهِ،
فهو المصدر المُلهم، له دور العناية الإلهية، دور توجيه وإرشاد الكاتب، لكي يكتب
شيء ما للأجيال القادمة، شيء مقدس، مُشكَّل بعناية تحت سلطان الله ليكون إعلانًا
لشعب الرب لبقية الزمن. وهذا أمر طبيعي، أن يتدخل الله في عملية كتابة وحيه، بل ومتوقع،
لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ،
النبوة كُتبت استجابة لمشيئة الله. فمنطقي أن يتدخَّل، ليُتمِّم كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ.
الجانب البشري
دور إناء الوحي، تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ
الرُّوحِ الْقُدُسِ.
نعم، الروح القدس ينير البصيرة، يقود الذهن والتفكير، ويرشد إلى الفهم، لكن
المتكلمين هم؟ "أناس الله".
لا يجب علينا التقليل من هذه الحقيقة؛ الروح القدس يقود الكاتب؛ الكاتب
بعقله، بمعلوماته وثقافته، قد يُعطيه نبوة، أو إعلان جديد يفهمه إناء الوحي
ويكتبه لنا، لكن لا يُمليه شيء في أذنه، لا يُدخل معلومات في عقل الكُتَّاب لا
يمكنهم فهمها، أو الأهم من ذلك، لا يستطيع جمهورهم فهمها. بعض الأحيان نميل إلى
النظر إلى العهد الجديد أو الوحي عمومًا، ونركز على أشياء معينة مكتوبة ونفكر كيف
نُطبقها علميًا على يومنا وعصرنا،
مستخدمين التكنولوجيا وتقدمنا العلمي في القرن الحادي والعشرين! ربما يكون من
الخطأ تفسير أو قراءة ثقافتنا ومعرفتنا العلمية، وتطبيقها على التكوين الأصلي
للعهد الجديد
لأنه لو كان الأمر كذلك، لما كان شخص ما في القرن الأول قد فهم أبدًا المكتوب.
وفي الواقع،
إذا كان الأمر كذلك، وهناك أشياء نستطيع فهمها فقط في عصرنا الحالي، إذًا لم يقصد
الله أن يكون ذلك المحتوى موجهًا لمن في القرن الأول. وسيكون قد أوحى بأشياء لا
تناسب عصر من أوحي لهم. وهذا يتعارض قليلاً مع المنطق، ومع فكرة استخدام أناس
لإنتاج إعلان إلهي للمؤمنين في أي وقت.
إدراكنا
لوجود الجانب البشري سيساعدنا على استيعاب معنى الوحي، وتطبيق فهمنا له على النص
الذي بين أيدينا باستقامة، هذه النقاط التالية إذا فُهمت بالشكل الصحيح سنجد أنها
منطقية، بل وضرورية توضِّح فكر الله تُجاه استخدام الإنسان في عملية كتابة
إعلانه (عملية الوحي):
v كتبة الوحي يستخدمون "مصادر خارجية"
في كتاباتهم، حقيقة تُبرز الجانب البشري، ولا تلغي الجانب الإلهي. من يكتب هو
إنسان، يقوده الروح القدس ليستخدم ذلك "المصدر"، أو ليقتبس هذا الجزء
المعروف عند المستمع – الذي سيجعل المعلومة تُستقبل بشكل سلس. هذا لا يستلزم أن
يكون هذا المصدر المُستخدم أو المُقتَبس موحى به، ولكن يعني أن الله صادق على هذه
الأقوال لأنها تناسب وتوضح الرسالة التي يريد تسجيلها. فمثلاً:
·
لوقا، أوضح في مقدمة إنجيله، أنه تتبع كل شيء
بالتدقيق، فقد استخدم مصادر خارجية "بشرية" لكتابة إنجيله، ولم يجلس في
غرفة منعزلاً عن العالم، يكتب ما يمليه إليه الروح القدس. بل كان الروح يقوده خلال
جمع المعلومات ويُعدَّه طوال هذه الفترة، حتى جلس وكتب إنجيله ربما على مراحل،
وبعد تفكير في ترتيب الأحداث بقيادة الروح. الأمر الطبيعي الذي يتماشى تمامًا مع
الفهم الصحيح للوحي.
·
بولس، تحت سيطرة كاملة من الروح القدس يقتبس في
رسائله اقتباسات من شعراء يونانيين علمانيين في عدد من المناسبات.
o
لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ
وَنُوجَدُ،
هذا اقتباس من قصيدة كتبها أراتوس (Aratus)،
وهو شاعر يوناني، عاش قبل بولس بحوالي ثلاثة قرون.
o
قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَبِيٌّ
لَهُمْ خَاصٌّ: «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ.
بُطُونٌ بَطَّالَةٌ».
هذا الذي يتحدث عنه بولس هو إبيمينيدس (Epimenides)
الفيلسوف والشاعر الكريتي.
o
الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ
الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ،
هنا يقتبس بولس حكمة من كتابات الكاتب المسرحي اليوناني ميناندر (Menander).
هذه الأمثلة توضح استخدام بولس لثقافة عصره في كتاباته، فقد نشأ في
بيئة وثقافة لم ينسلخ منها ليكتب الوحي.
.
v بولس كان
يستخدم كاتب يُمليه الرسائل في بعض الأحيان،
ولنا أن نتخيل بولس يطلب من ترتيوس المجيء لكتابة رسالة، ويجتمعا معًا، ويبدأ بولس
في إملائه، وفي بعض الأوقات يمكننا تخيل بولس وهو يقف ليجول في الغرفة مفكرًا في
كلماته، باذلاً مجهود ذهني، مع قلب مرفوع بالصلوات طالبًا الإرشاد، والرب يقوده
بالفعل، فهي طلبة بحسب مشيئة الرب تمامًا، وبعد الانتهاء، يأخذ بولس القلم ليوقع
الرسالة. هذا
تصور يوضح عملية الوحي، إنها ليست اقتحام بالروح القدس للكاتب فتبيض عيناه، ثم
يشرع في الكتابة دون وعي.
v الشكل الأدبي
للكتابة: الوحي بالكامل مكتوب بأشكال أدبية مبهرة، أحد هذه الأشكال هو الـ Chiasm أو التصالب، حيث يكتب الكاتب بعض النقاط
مثلاً "أ، ب، ج" ثم يستطرد الكتابة بنقاط تعكس ما كتبه للتو "ج، ب،
أ" مثل انعكاس المرآة. فيكون نصف فقرة هو انعكاس النصف الثاني. هذا مُتَعمّد،
لتوصيل فكرة ورسالة وراء هذا الأسلوب. وبالطبع هذا يدل على ذكاء وجهد في بناء
الكتاب وإدراك عال المستوى من إناء الوحي. حقيقة تبرز اجتهاد الجانب البشري في
كتابة الوحي، وإرشاد الله لإنتاج هذا الكتاب الذي باعتراف الجميع، رائعة أدبية على
أعلى مستوى.
كل هذه الأمور توضِّح "الجانب البشري". في الكتابة (ليس
بالاستقلال عن الجانب الإلهي)، الكاتب يبذل مجهود في بحثه، يجتهد، يقرأ. والروح
القدس يقوده بحصيلته اللغوية والثقافية، بل وثقافة المجتمع والبيئة التي يوجد
فيها. هذه الأمور تشير إلى أن الوحي هو "عملية" تقود الإناء الواعي،
وليس حدث مفاجئ يفصل الكاتب عن العالم المحيط به.
أخيرًا، مراعاة التمييز بين: "الإعلان أو الرؤيا"، و"كتابة
الوحي". ولتوضيح ذلك:
يوحنا وسفر الرؤيا:
·
رأى يوحنا رؤيا، وهذه الرؤيا هي إعلان إلهي
صريح. "الإعلان أو الرؤيا".
·
ثم جلس يوحنا، بقيادة الروح القدس لكتابة هذه
الرؤيا لنا. "كتابة الوحي".
بولس ورسائله:
·
الرب أعطى بولس إعلانات "بفرط"،
إعلانات إلهية صريحة، لم تكن معروفة لأي كائن بشري. "الإعلان أو الرؤيا".
·
بعد أخذ هذه الإعلانات أكمل بولس خدمته،
وكلما حان الوقت المناسب لشرح سر أو إعلان مُعطى له، كان يكتبه في أحد رسائله. "كتابة
الوحي".
إذًا، كتابة الوحي لا تستلزم "رؤيا أو إعلان"، قد يكتب لوقا
أجزاء من إنجيله مسوق من الروح القدس، دون أن يأخذ إعلان لم يكن معروفًا من قبل،
وكذلك بولس يكتب بعض الرسائل بقيادة الروح، وفي بعض الأحيان يُسجِّل ما تلقاه في
إعلانات، بقيادة الروح أيضًا. النبوات، الإعلانات والرؤى موجودة، وتُعطَى غالبًا
لكي ما تُسجل في الوحي، ولكن قد تُعطى أيضًا ولا تُسجل في الوحي كنبوة أخنوخ
السابع من أدم. فيجدر التمييز بينهما وبين عملية كتابة الوحي.
لغة العهد الجديد
أول شيء يجب أن نتحدث عنه بخصوص كتابة أسفار العهد الجديد وكيفية تجميعها
هو اللغة. بالطبع، لغة العهد الجديد هي اليونانية، تحديدًا هي اليونانية
المشتركة.
كان للغة اليونانية عدة لهجات، مثل العربية تمامًا. وحيث أراد الإسكندر نشر
الثقافة اليونانية، قام ببعض الإجراءات ليضمن وجود اليونانيين في جميع أنحاء
الإمبراطورية. ونتيجة لذلك، من بين اللهجات المختلفة في منطقة البحر المتوسط، ظهر
ما يُعرف باليونانية المشتركة، بحيث يتمكن أي متحدث باليونانية، بغض النظر عن
اختلاف اللهجات أو المفردات، استخدام شكل مشترك يسمح بالتواصل عند التقاء
الثقافات. وكانت هذه اللغة المشتركة تُعرف بالكويني اليونانية “Koine Greek”، وتم كتابة العهد الجديد بها.
اختيار اليونانية المشتركة للعهد الجديد لم يكن عشوائيًا، إذ كانت اللغة
الأكثر شيوعًا في وقت كتابة النصوص، مما ساهم في وصول رسالة الكتاب المقدس إلى
جمهور واسع. كما تميز هذا النوع من اللغة ببساطته ووضوحه، مما جعله مناسبًا تمامًا
لنقل التعاليم المسيحية.
( يٌتبع)