عدد رقم 4 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (18)  

 الأصحاح الرابع

ذكرنا فيما سبق أنه بدءً من الأصحاح الرابع نجد الجامعة الملك وقد نزل من ”برجه العالي العاجي“ لينظر حوله، في معايشة حياتية للناس، متأملاً في معاناتهم وآلامهم.  وفي هذا الأصحاح (جا4) سجل لنا سليمان ملاحظاته ومشاهداته من زيارته لأربعة أماكن:

(1) قاعة المحكمة (جا4: 1-3).           (2) الأسواق والمولات (جا4: 4-8).

(3) الطرق السريعة (جا4: 9-12).       (4) القصر الملكي (جا4: 13-18).

وقد تأملنا فيما سبق في زيارة سليمان لقاعة المحكمة (جا4: 1-3)، وفي زيارته للأسواق والمولات (جا4: 4-8)، وفي مشاهداته على الطرق السريعة (جا4: 9-12).  ونواصل تأملاتنا في:

رابعًا: مشاهداته في القصور الملكية (جا4: 13-16):

في القصور الملكية الرئاسية لاحظ سليمان التناقضات وتقلبات الحياة، ويُقرر حقيقتين:

(1) عدم استقرار وعدم ثبات السلطة السياسة.

(2) سرعة تقلب شعبيتها وجماهيريتها.

هذه الأعداد تتحدث عن التقلبات الشاذة والمتباينة التي تحت الشمس، فما من نصيب أو خير دائم أو باق؛ فالملك الجالس على عرشه شَيْخ وجَاهِل، يتبدل بشاب، يقفز من وضاعة السجن والأغلال، إلى أرقى الأمجاد، وعندئذِ يكون «وَلَدٌ فَقِيرٌ وَحَكِيمٌ خَيْرٌ مِنْ مَلِكٍ شَيْخٍ جَاهِل، الَّذِي لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُحَذَّرَ بَعْدُ (لم تُهذّبه الأيام)» (ع13)؛ هذا رابع قول لسليمان يتضمن عبارة «خَيْرٌ مِنْ» في هذا الأصحاح: (جا4: 3، 6، 9، 13)، وهو يُقدِّم من خلاله قصة نتعلَّم منها أمرين: عدم استقرار القوى السياسة، وأن الشهرة لا تستقر على حال.  كان الملك الذي في القصة قد استمع في وقت ما لنصائح مُشيريه، وكان يحكم بحِكْمَة، لكنه بعد أن تقدَّم في السن، بدأ يرفض الاستماع إليهم.  مشكلته لم تكن مجرد الكبرياء وخرف الشيخوخة، لكن أغلب الظن أنه كان مُحاطًا بمجموعة من المتطفلين الوصوليين، مِمَن كانوا يتملقونه، وخدعوه وعزلوه عن الواقع، ليحصلوا منه على كل ما يستطيعون.  وكثيرًا ما يحدث هذا للقادة الضعفاء الذين يهتمون بأنفسهم أكثر من اهتمامهم بشعوبهم.

وهكذا ففي ع13 نرى ثلاثة تناقضات: (1) تناقض العمر: وَلَد وشَيْخ.   (2) تناقض الإدراك والتقدير: حَكِيم وجَاهِل.   (3) تناقض الممتلكات والأرصدة: فَقِير ومَلِك.  والمشكلة في الملك الشَيْخٍ الجَاهِل هي أنه كفَّ عن قبول النصيحة «لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُحَذَّرَ بَعْدُ» (ع13)؛ ولهذا نسمع سليمان – فيما بعد – يقول لابنه ناصحًا: «يَا ابْنِي تَحَذَّرْ» (جا12: 12).

وكم من المرات وجه الرسول بولس تحذيراته وتوجيهاته لكي نُنذر بعضنا بعضًا:

«وَأَنَا نَفْسِي أَيْضًا مُتَيَقِّنٌ مِنْ جِهَتِكُمْ، يَا إِخْوَتِي، أَنَّكُمْ ... قَادِرُونَ أَنْ يُنْذِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (رو15: 14).

«لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًاِ» (كو3: 16).

«ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ» (1تس5: 12).

وهناك من يرفض التحذير والإنذار والتوبيخ، وسليمان يتكلَّم هنا عن أن رفض التحذير والإنذار والتوبيخ، لهو دليلٌ على الحماقة والغباء «اَلْكَثِيرُ التَّوَبُّخِ، الْمُقَسِّي عُنُقَهُ، بَغْتَةً يُكَسَّرُ وَلاَ شِفَاءَ» (أم29: 1).  لقد وصل نَبُوخَذْنَصَّرَ الْمَلِكِ إلى حالة مروعة بسبب الكبرياء «فَلَمَّا ارْتَفَعَ قَلْبُهُ وَقَسَتْ رُوحُهُ تَجَبُّرًا، انْحَطَّ عَنْ كُرْسِيِّ مُلْكِهِ، وَنَزَعُوا عَنْهُ جَلاَلَهُ، وَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَسَاوَى قَلْبُهُ بِالْحَيَوَانِ، وَكَانَتْ سُكْنَاهُ مَعَ الْحَمِيرِ الْوَحْشِيَّةِ، فَأَطْعَمُوهُ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بِنَدَى السَّمَاءِ، حَتَّى عَلِمَ أَنَّ اللهَ الْعَلِيَّ سُلْطَانٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهَا مَنْ يَشَاءُ» (دا 5: 20، 21).

وهناك بطل في القصة؛ وهو شاب حكيم كان في السجن.  ربما كان في السجن لمحاولته مساعدة الملك ونصحه، ولكن الملك لم يعجبه ذلك، أو لعل أحد أفراد حاشية الملك وشى به، وأخبر الملك بأمور كاذبة عنه، وهذا ما سبق أن حدث مع يوسف (تك39).  على أية حال، خرج الشاب من السجن، وأصبح ملكًا.  وهتف الجميع وهللوا وابتهجوا بالشاب الذي كان مظلومًا، وفرحوا لأن الأمة أصبح لها أخيرًا قيادة حكيمة «لأَنَّهُ مِنَ السِّجْنِ خَرَجَ إِلَى الْمُلْكِ، وَالْمَوْلُودُ مَلِكًا قَدْ يَفْتَقِرُ» (ع14).

لنتفكر الآن فيما تقوله هذه القصة: كان الشاب قد وُلد فقيرًا، لكنه أصبح غنيًا.  كان الملك الشيخ غنيًا، لكن هذا لم يجعله أكثر حكمة، وربما كان هو أيضًا فقيرًا.  كان الشاب في السجن، ولكنه خرج واستولى على العرش.  أما الملك الشيخ فقد سُجِنَ بسبب غبائه والتفاته إلى تملق وخداع المُحيطين به، وهكذا فقد عرشه.

إلى هنا، فإن المعنى الأدبي للقصة أن الثروة والمركز لا يضمنان النجاح، أما الفقر، وما يبدو  أنه فشل، لا يُشكلان عائقًا أمام تحقيق الإنجازات.  العامل الرئيسي المؤثر هو الحكمة.

«لأَنَّهُ مِنَ السِّجْنِ خَرَجَ إِلَى الْمُلْكِ، وَالْمَوْلُودُ مَلِكًا قَدْ يَفْتَقِرُ» (ع14).  هذه الآية ترد في ترجمة داربي على هذا النحو: «لأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ لِيَتَبَوَّأَ عَرْشَ الْمُلْكِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فِي عَائِلَةٍ فَقِيرَةٍ مِنْ عَائِلاَتِ الْمَمْلَكَةِ» (ع14).  والتركيز هنا حصريًا على خلفية الوَلد الذي أصبح ملكًا، لقد جاء من السجن ومن الفقر، ليجلس على العرش، بينما الذي وُلَد أميرًا، وورث العرش بالولادة، افتقر!   فالوَلد الحكيم الذي سيُصبح الملك المُتوَّقَع خرج من السجن ليجلس على العرش، بينما الملك الذي ورث العرش بالولادة، ولكنه لم يقبل المشورة والتحذير والإنذار، قد افتقر. 

إن خبرة داود أبو سليمان وثيقة الصلة؛ لقد جاء من خلفية متواضعة: «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: أَنَا أَخَذْتُكَ مِنَ الْمَرْبَضِ مِنْ وَرَاءِ الْغَنَمِ لِتَكُونَ رَئِيسًا عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ» (2صم8: 7).  كما أن اختبار كل من يوسف ودَانِيآل يوضح هذا المبدأ.  فكلاهما كان شابًا.  وكلاهما أُخذ بعيدًا عن الحياة البيتية.  وسجن كلاهما.  وكلاهما أُخذ من السجن ليحكم.  ويا له من مادة للسجود والشكر، أنه في جو المسيحية الحقيقية، فإن الخلفية الاجتماعية، والمكانة المادية والثروة، وكل ما يعتبره العالم مهمًا، لا قيمة له أنه في مجال الامتيازات المسيحية، والتقدم في الأمور الروحية، واتساع تخوم الاستخدام في عمل الرب.  فلنا «مِيرَاث لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ» (1بط1: 4)، ثم «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ ... أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟» (1كو6: 2، 3).  «فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ.  وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ» (1كو1: 26-29).

ثم تحول تفكير سليمان من الملك إلى الناس والجماهير «رَأَيْتُ كُلَّ الأَحْيَاءِ السَّائِرِينَ تَحْتَ الشَّمْسِ مَعَ الْوَلَدِ الثَّانِي الَّذِي يَقُومُ عِوَضًا عَنْهُ.  لاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ الشَّعْبِ، لِكُلِّ الَّذِينَ كَانَ أَمَامَهُمْ. أَيْضًا الْمُتَأَخِّرُونَ لاَ يَفْرَحُونَ بِهِ» (ع15، 16)؛ ويُشير سليمان إلى تقلب وتغير الجماهير التي انقلبت على الملك الشيخ الذي كان على العرش، وطمحوا في صداقة وتأييد الشاب الذي في طريقه إلى العرش.  إنهم يبحثون عن مصالحهم الشخصية في المستقبل المُتوَّقع قريبًا عندما يملك ”الْوَلَدِ الثَّانِي“، ويأخذ العرش، ويقوم عوضًا عن الملك الشَيْخ الذي يملك حاليًا.

وكل البشر سواسية في هذا الأمر «لاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ الشَّعْبِ» (ع16).  تستمر الأجيال في المجيء، وتُظهر جميعها نفس الدوافع الأنانية، ونفس التقلب والتضارب «كُلِّ الَّذِينَ كَانَ أَمَامَهُمْ» (ع16).  وعلى الملك ألا يتفكر كثيرًا في فرح واستحسان الأجيال القادمة فيه شخصيًا.  إن الأمر الأكيد الثابت في الجنس البشري هو التقلب وعدم الثبات.  والذين يأتون بعده أيضًا، لن يفرحوا به «لاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ الشَّعْبِ، لِكُلِّ الَّذِينَ كَانَ أَمَامَهُمْ. أَيْضًا الْمُتَأَخِّرُونَ لاَ يَفْرَحُونَ بِهِ» (ع16)، أو «وَلَمْ يَكُنْ نِهَايَةٌ لِلْجَمَاهِيرِ الَّذِينَ سَارَ فِي طَلِيعَتِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ الأَجْيَالَ اللاَّحِقَةَ لاَ تُسَرُّ بِهِ» (ع16- ترجمة داربي).

ولقد تحققت كلمات سليمان هذه بحذافيرها في شخص سليمان، وفي ابنه رَحُبْعَام وعبده يَرُبْعَام بْنُ نَبَاطَ؛ فقد صار هو، بعدم انتباهه للتحذير الإلهي، في مركز ”المَلِك الشَيْخ الجَاهِل“.  ويَرُبْعَام بْنُ نَبَاطَ كان الْوَلَدُ الذي خرج من السِّجْنِ، وجُعِلَ ملكًا، وبينما رَحُبْعَام بن سليمان هو الذي مَلَكَ بعد أبيه، وفرح به الشعب في بادئ الأمر، غير أنهم سرعان ما رفضوه وقبلوا بدله يَرُبْعَام، وبذلك أصبح رَحُبْعَام فقيرًا، مع أنه مَوْلُود مَلِكًا، لأن ملك مصر سلب ثروته، ويَرُبْعَام بْنُ نَبَاطَ سلب منه المملكة.  وصار يَرُبْعَام بْنُ نَبَاطَ ملكًا مع أنه عبد فقير (1مل3: 14؛ 9: 3-9؛ 11: 9-40).  

لكن القصة تستمر؛ يبدو أن الشاب خرج من السجن، واعتلى العرش بناءً على رغبة شعبية جماهيرية: «رَأَيْتُ كُلَّ الأَحْيَاءِ السَّائِرِينَ تَحْتَ الشَّمْسِ مَعَ الْوَلَدِ الثَّانِي الَّذِي يَقُومُ عِوَضًا عَنْهُ» (ع15).  ولقد بدا أن الملك الجديد الشاب قد نجح، لكن للأسف الشديد أن شعبيته لم تستمر.  يُمكن أن يُصبح قائدًا لملايين من البشر، ويكون محبوبًا ومشهورًا، لكن الجيل الأصغر يكبرون حوله، ويرفضونه «لاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ الشَّعْبِ، لِكُلِّ الَّذِينَ كَانَ أَمَامَهُمْ. أَيْضًا الْمُتَأَخِّرُونَ لاَ يَفْرَحُونَ بِهِ» (ع16).

ومرة أخرى يصل سليمان إلى نفس الاستنتاج الحزين: «فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ!» (ع4، 8، 16).

وللحديث بقية ... إن شاء الرب وعشنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com