«اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ
لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ
تَبْقَى وَحْدَهَا.
وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ
كَثِيرٍ»
(يو12: 24)
مناسبة التشبيه:
نطق
المسيح بهذا الكلام بمناسبة مجيء اليونانيين (وهم أمم) إلى فيلبس سائلين: «يَا
سَيِّدُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ»، بعدها أجاب الرب يسوع قائلاً: «قَدْ أَتَتِ
السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ»، ثم ذكر الكلام أعلاه. وهنا نرى ارتباطا وثيقًا بين إيمان اليونانيين
وصليب المسيح، الذي من خلاله سيتمجد المسيح لا باعتباره ابن الله، بل كابن
الإنسان. إذًا كلام المسيح في هذا التشبيه
يصور لنا الصليب ونتائجه.
أوجه الشبه:
ربما
نتساءل: لماذا شبّه المسيح نفسه هنا بحبة الحنطة؟
وللإجابة: نقول: هناك عدة أمور نستطيع استخلاصها من تشبيه المسيح نفسه بحبة
الحنطة:
(1)
حبة الحنطة فيها حياة: والمسيح هو الحياة الأبدية (1يو1)، وفيه كانت الحياة (يو1)،
وهو الحياة (يو14)، ومُعطِي الحياة (يو5).
(2) الحنطة طعام: فنقرأ عن ذلك كثيرًا في العهد
القديم، على سبيل المثال: «أَرْضَعَهُ عَسَلاً ... وَزَيْتًا ... وَزُبْدَةَ
بَقَرٍ وَلَبَنَ غَنَمٍ، مَعَ شَحْمِ خِرَافٍ وَكِبَاشٍ ... مَعَ دَسَمِ لُبِّ
الْحِنْطَةِ» (تث32: 13، 14)، «هأَنَذَا أُعْطِي ... مِنَ الْحِنْطَةِ طَعَامًا
لِعَبِيدِكَ» (2أخ2: 10). والمسيح هو
طعامنا الشهي في مدة السير، هو الخبز الحي، خبز الحياة، الخبز الحقيقي (يو6).
(3)
للحنطة فوائدها: الحنطة تُشبع، والمسيح يكفي لشبع شعبه في البرية: «مَا أَجْوَدَهُ
وَمَا أَجْمَلَهُ! اَلْحِنْطَةُ تُنْمِي الْفِتْيَانَ» (زك6: 17). والمسيح هو مقياس النمو وغرضه ووسيلته «نَنْمُو
فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ» (أف4: 15). الحنطة تُعضد «عَضَدْتُهُ بِحِنْطَةٍ وَخَمْرٍ»
(تك27: 37). والمسيح مصدر قوتنا وتعضيدنا
في البرية «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» (في4).
(4)
الحنطة كانت تُقدم كتقدمة للرب: «الْحِنْطَةَ لِلتَّقْدِمَةِ» (1أخ21: 23). والمسيح في الصليب هو التقدمة الواحدة التي
وفّت كل مطاليب عدالة الله «لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى
الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ» (عب10: 14).
(5)
كانت الحنطة تُحصَد في الوادي: «حَصَاد الْحِنْطَةِ فِي الْوَادِي» (1صم6:
13). وفي هذا نرى صورة لاتضاع المسيح، ومن
يرغب أن يشبع به، عليه أن يقترب منه باتضاع فيتعلم اتضاعه (مت11: 28-30).
(6)
الحنطة تنتج سنابل خضراء: والمسيح عندما كان هنا على الأرض كان هو الغصن الأخضر
(لو23: 31؛ إش53: 2)، الشجرة المغروسة عند مجاري المياه، التي ورقها لا يذبل (مز1:
3).
(7)
الحنطة يجب أن تُخبط (قض6: 11) وتدرس وتذرى (را3) لكي نتغذى عليها: آلام المسيح هي
مادة سجود وشبع شعب الرب.
(8)
الوحدة والتفرد: يشبه المسيح نفسه بأنها حبة واحدة، نرى فيها صورة للمسيح الابن
الوحيد، المتفرد والمتقدم في كل شيء (كو1: 18).
9-
نرى في حبة الحنطة صورة للضعف والمذلة: والمسيح لما كان على الأرض، كان هو الإنسان
المسكين، الذي «صُلِبَ مِنْ ضَعْفٍ» (2كو13: 4).
(10)
الحنطة يجب أن تُدفن وتموت لكي تأتي بالحياة، وهكذا «الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ
خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ
الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ» (1كو15: 3، 4)، لكي يهب الأموات بالذنوب والخطايا
حياة.
1(11)
الحنطة تأتي بالثمر الكثير: والمسيح بموته وقيامته أنتج الثمر الكثير، الكنيسة
الآن، وإسرائيل والأمم في مُلكه في المستقبل.
(12) الصليب باب المجد: ربط المسيح بين الحديث
عن تمجيده وموته، مُشبّهًا نفسه بحنطة الحنطة التي يجب أن تموت. وفي 1كو15: 36، يؤكد بولس أن لبس المؤمنين للجسد الممجد، مرتبط
بحياة القيامة بعد الموت «الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ».
(13) في هذا التشبيه نرى الوحدة التي صارت
للمؤمنين، إذ صرنا «ثَمَرٍ يَعْمَلُ
ثَمَرًا كَجِنْسِهِ» (تك1: 11)، «لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ
عِظَامِهِ» (أف5: 30).
(14) حافز لنا لكي نتشبه بالمسيح، وندرك أن:
الموت باب الحياة، والتضحية باب الإثمار والإنتاج، والصليب باب المجد.