عدد رقم 6 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
اعترافات اللّص  

«أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟  أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.  ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.  فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لوقا23: 40-43)

تأمل جيدًا في هذا اللّص!  انظر التغيير الذي حدث فيه!  لقد امتلأ بالجرأة والجسارة نحو الله، وانتفى خوفه من الإنسان.  يقول الكتاب: «اَلشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلاَ طَارِدَ، أَمَّا الصِّدِّيقُونَ فَكَشِبْلٍ ثَبِيتٍ» (أم28: 1).  وهنا رجل بهذه الصفة.  كان إلى هذه اللحظة شخص مؤذي وخطير، حتى أن أتباعه أرادوا التخلص منه، لكن الآن قد لمسته النعمة وغيَّرته، وها هو يلتفت إلى رفيقه قائلاً: «أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ».  يا له من شيء جميل ورائع أن يخاف الإنسان الله.  ربما أنت لا تخاف الله.  حسنًا، فنحن نعلم أن كاتب المزمور يقول عن الإنسان الذي لا يخشى الله «نَأْمَةُ مَعْصِيَةِ الشِّرِّيرِ فِي دَاخِلِ قَلْبِي أَنْ لَيْسَ خَوْفُ اللهِ أَمَامَ عَيْنَيْهِ» (مز36: 1).  لم يكن خوف الله في قلبي لوقت طويل، لكن في النهاية - مثل هذا اللص - وجدتُ الحظة المباركة التي يبدأ فيها الإنسان في مخافة اله.  أنا لا أعني خوف المذلة والتذلل والخنوع، ولكن بالمعنى الذي يريده ويستحقه الله «هَلِّلُويَا.  طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَّقِي الرَّبَّ، الْمَسْرُورِ جِدّاً بِوَصَايَاهُ» (مز112: 1).

هل تعرف ما هو خوف الرب؟  إن سليمان، أحكم إنسان عاش على وجه الأرض - عدا الرب يسوع – وصف خوف الرب في سباعية رائعة:

(1) «مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ»، ثم يُضيف على سبيل التباين: «أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ» (أم1: 7).  وأت تعلَّم - يا صديقي - أين أنت الآن.  أنا لا أعلم.  ولكنك أنت تعلم رفقتك، وسيُخبِرك رفقاؤك أين تكون أنت.  وها أنا أكررها ثانية «مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ.  أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ».  ثم أيضًا: 

(2) «مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ» (أم8: 13).  لقد سار اللص التائب إلى مكانه الصحيح، ووصل إلى بداية المعرفة، إذ أنه أظهر بغضه للشر.  وها أنا أذهب لأبعد قليلاً، وأجد:

(3) «بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ» (أم10:9).  كان اللص قادمًا إلى هذا، ومن ثم نراه مواصلاً.  وسأذهب لأبعد قليلاً:

(4) «مَخَافَةُ الرَّبِّ تَزِيدُ الأَيَّامَ، أَمَّا سِنُو الأَشْرَارِ فَتُقْصَرُ» (أم10: 27).  واللصان يُصورا هذا.  أحدهما قُطِعَ من الحياة للأبد، والآخر مضى إلى البركة الأبدية.  وأيضًا اقرأ:

(5) «مَخَافَةُ الرَّبِّ يَنْبُوعُ حَيَاةٍ لِلْحَيَدَانِ عَنْ أَشْرَاكِ الْمَوْتِ» (أم14: 27).  لقد برهن اللص الذي آمن على هذا أيضًا.  والآن اقرأ:

(6) «مَخَافَةُ الرَّبِّ أَدَبُ حِكْمَةٍ، وَقَبْلَ الْكَرَامَةِ التَّوَاضُعُ» (أم15: 33).  وهذا يُصوّره اللص أيضًا لأنه أظهرها لجاره.  وهناك شيء آخر قد بقي، ونقرأه هكذا:

(7) «مَخَافَةُ الرَّبِّ لِلْحَيَاةِ.  يَبِيتُ شَبْعَانَ لاَ يَتَعَهَّدُهُ شَرٌّ» (أم19: 23).  فهكذا تمامًا قد دخل اللص إلى الحياة، إذ قد مضى في ذلك اليوم إلى الفردوس.  دعوني أُخبركم وأقول: كم هو من الأفضل لك أن تنضم إلى رفقة ذلك اللص الذي كانت عنده مخافة الرب.

«أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟»: كان هذا سؤالاً رائعًا، اقترن بهذا الاعتراف الأكثر روعة: «أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا».  يا لها من توبة صادقة!  لقد أخذ جانب الله ضد نفسه.  وأنت أيضًا إنسان مقضي عليه بالموت، وأنا أيضًا، بل نحن جميعًا لا بد وأن نُعاقب بعدلٍ.  فالإنسان الذي يتجدَّد بنعمة الله، يدين نفسه دائمًا.  «أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ»؛ هذه لغة التوبة الحقيقية.  إذا كنا نرى أنفسنا على صواب، لما كنا استخدمنا الضمير ”نَحْنُ“ على الإطلاق.  بل كنا سنستخدم الضمير ”أنت بدلاً منها.  ولكن هذا الرجل – إذ تعلَّم بالصواب من الله – يقول: «أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ»، ثم إذ أدرك مجد الشخص المُعلَّق بجانبه، وأنه بلا خطية، ولكنه يتألم، فقد أضاف قائلاً: «وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ».

هذا اعتراف قاطع ومدهش، قد سمعه العالم، وسمعه الله، وسمعه الشيطان.  والآن أنت تسمعه. هل تظن أن هذا الشخص أحمق أم أنه رجل عاقل حكيم؟  كلا.  هو رجل عاقل وحكيم!  ومَن لا يُرافق ذلك الإنسان فهو أحمق.  هذا اللص التائب قَبِلَ حُكم الله على نفسه، وأدان نفسه، وأعلن براءة المسيح، عندما كان الكل يدينونه.  كانت حياة ذلك اللص تمتلئ بالخطية، وأقرَّ هو بذلك، قائلاً: ”لقد أخطأت، وأنا أنال ما أستحقه“.  ثم بكل جرأه وجسارة يعترف بإيمانه بالمسيح «وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ».  كانت كلماته هذه بمثابة إعلان ابتهاجه بالنصرة.  وكأنه يقول لرفيقه: ”أنا وأنت لم نفعل قط شيئًا صائبًا.  لكن ها هنا إنسان لم يفعل قط شيئًا خاطئًا.  إنه موشك على الموت، ولكنني سألتصق به.  إنني أعكس وأقلب حكم العالم.  أيها قضاة والشهود: نعم، إنني أعكس حكمكم الذي نطقتم به.  أنتم أعلنتم أنه فاعل شر (يو30:18)، وقضيتم بأنه مستوجب الموت (مت26: 66)، لكنني أعلن أن هذا الإنسان «لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ».  شكرًا لله لأجل هذا الاعتراف الحقيقي والجسور، الصائب والمجيد، لهذا اللص المُذنِب المُعلَّق علي الصليب بجانب الرب يسوع.

في تلك اللحظة، غيّر ذلك اللص الذي كان مشرفًا على الموت علاقته برفيقه، وأصبح متوافقًا مع الله ومع عبيده، في تقدير عظيم للمسيح.  في يومٍ ما، بجانب نهر الأردن، أتى رجل غريب إلى رجل آخر، وسُمِعَ من شفتي المعمدان صيحة الإعجاب المُبهرة: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (يو1: 29).  كان هذا هو الرب يسوع.  وإذ كان يوحنا يُعمِّده، انفتحت السماوات، وسُمع صوت آخر، قائلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (مت17:3).  ومرة أخري، فوق جبل التجلي، انفتحت السماوات، وأعلن الآب: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا» (مت17: 5).   ولقد سمعه اللص، واعترف بِقَدْرِهِ واستحقاقه.  حتى أفواه الأعداء كانت تعترف بفضائله وسمو شخصه.  عندما أرسل رئيس الكهنة خدامًا ليقبضوا عليه، رجعوا قائلين: «لَمْ يَتَكَلَّم قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا الإِنْسَانِ!» (يو7: 46).  وقد أعلن بيلاطس، ثلاث مرات، مثلما رأينا، «إِنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هَذَا الإِنْسَانِ» (لو23: 4، 14، 22)».  ولكن الله «جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ» (2كو5: 21).  لم تكن فيه خطية، ومع ذلك جُعِل خطية لأجلنا.  وكانت الحقيقة هكذا؛ إنه في اللحظة التي اكتشف فيها اللص المسكين كمال الرب يسوع، انتقلت خطاياه على الرب يسوع، الذي حملها عنه، ومحاها تمامًا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com