(أصحاح 6)
(ب) المعترف المسيحي وفقره في الحق
(ع3-8)
ع3: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ
يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ
الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى».
من الواضح إذن أن المسيحية
ليست تنظيمًا للتقدم الاجتماعي في هذا العالم.
صحيح أن المؤمن، وهو يسير في هذا العالم، يصنع خيرًا، كما أن وجود المسيحي
الذي يسلك سلوكًا صحيحًا لا بد أن يترك تأثيرًا مُفيدًا لمن حوله، ومع ذلك فإن
العرض الأساسي لبيت الله ليس هو تحسين العالم، بل الشهادة لنعمة الله لكي يخلص
الناس من هذا العالم، فالتطور والمدنية والرقي الاجتماعي، أمورًا تنتهي جميعها إلى
الخراب والدينونة.
ومن الواضح أنه في تلك
الأيام الأولى، كان هناك مَن يُعلّم تعليمًا آخر، وكانوا ينظرون إلى المسيحية
باعتبارها تحسينًا للأوضاع الاجتماعية للرجال والنساء، وهذا يجعل العالم في وضع
أفضل، وفي حالٍ أحسن. ومن المُحتمل أنهم
كانوا يُعلِّمون أن العبد المُتجدَّد بعد أن صار تحت ربوبيية المسيح، يُمكنه أن
يعتبر نفسه حرًا من سَيِّده الأرضي. ومثل
هذه الآراء مُخالفة للكلمات الصحيحة، ولكلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة، والتعليم
الذي بحسب التقوى.
ولهذا فإن الرسول يستحضر
مرة أخرى التقوى كسلاح ضد إساءة استخدام الامتيازات المسيحية. فالتقوى تسير في خوف الله، وتثق في الله الحي،
الذي هو حافظ جميع الناس. ولهذا ففي سيرنا
نحتاج أن نُحفَظ من محاولة جعل المسيحية وسيلة لتحسين مراكزنا العالمية.
ع4، 5: «فَقَدْ تَصَلَّفَ،
وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ
وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ
وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ، وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي
الذِّهْنِ وَعَادِمِي الْحَقِّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوَى تِجَارَةٌ. تَجَنَّبْ
مِثْلَ هؤُلاَءِ».
وإذ رأينا أن التقوى هي درع الأمان من تشويه
المسيحية، فإن الرسول يُقرر بأن الذي يُعلّم تعليمًا آخر، يُصبح مدفوعًا بكبرياء
الجسد؛ الكبرياء التي تثق في الذات، وتجتهد بأن تُعطيها أهمية بالغة، وهذا تمامًا
عكس التقوى التي تثق في الله، وتطلب مجده.
ويكمن خلف الكبرياء أيضًا الجهل بفكر الرب الذي
نراه في الكلمة. والجهل بفكر الرب ينشأ من
أننا نسمح للذهن البشري أن ينشغل بأسئلة الناس التي لا تنتهي، ومشاحنات الكلام. ويتعامل الناس مع المسيحية كما لو كانت ”مُبَاحَثَاتٍ
وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ“، تلك التي لا تبقى، ولا تُعطي وزنًا للقوة الأدبية
للإيمان المسيحي الذي يعمل في النفس ويقود إلى حياة التقوى.
وبدلاً من أن يزداد الناس
قوة في التقوى، فإنهم يتباحثون في الكلمات والألفاظ، مما يُعطي الفرصة لإظهار
أعمال الجسد. والكبرياء التي تسعى لتمجيد
الذات بهذه الأسئلة التي لا تنتهي، والتي تقود حتمًا إلى ”الحسد“. والحسود لا يتحمل وجود مُنافس له. ومن الطبيعي أن الجسد يُصارع مَن يُنافسه. ولذلك فإن الحسد يقود ‘لى الخصام، والخصومة مع
شخص آخر تقود إلى كلمات الأذى والافتراء عليه.
وكلمات الافتراء تُثير ”الظنون الردية“ والمنازعات المستمرة. هذه هي الثمرة الشريرة التي تنتج عن
الحسد. وليست هناك قوة كبيرة للشر بين
قديسي الله أكثر من السماح للحسد بأن يأخذ مجاله في القلب «اَلْغَضَبُ قَسَاوَةٌ
وَالسَّخَطُ جُرَافٌ، وَمَنْ يَقِفُ قُدَّامَ الْحَسَدِ؟» (أم27: 4). إنه الحسد الذي أدى إلى أول جريمة قتل في هذا
العالم. وهو الذي قاد إلى أبشع جريمة في
هذا العالم، وهي قتل ابن الله على الصليب «لأَنَّهُ (بِيلاَطُسُ) عَلِمَ أَنَّهُمْ
أَسْلَمُوهُ حَسَدًا» (مت27: 18).
وللأسف فإن الحسد نجده بين
شعب الرب الحقيقي. وهنا يتتبع الرسول الحسد
عائدًا به إلى كبرياء القلب الذي يُفسد الحق المسيحي ويُعدِمه. إن الدافع الأساسي للبعض هو المكسب الأرضي،
ولذلك فإنهم يحرزون المكسب كغاية التقوى.
وبكلمات أخرى يُعلِّمون بأن المسيحية ما هي إلا مجرد وسيلة تهدف إلى تحسين
أحوالنا وظروفنا، وبذلك فإننا نُضيفها إلى المميزات العالمية. وهذا ما نعرفه من تاريخ أيوب، عندما طرح
الشيطان هذه الفكرة عن أيوب؛ كان أيوب رجلاً تقيًا يخاف الله، ولكن قال الشيطان
للرب: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟». كانت فكرة الشيطان الفاسدة بأنه لا تُوجد تقوى
حقيقية في أيوب. وهذا معناه أنه إذا كانت
التقوى إدعاءً أو اعترافًا خارجيًا، فمعنى ذلك أنه لا يوجد في هذا الإنسان خوف
الله أو مراعاة لمجده، ولكنه ببساطة يُقدِّم لكي يأخذ مصالح وفوائد عالمية. قال الشيطان للرب: «وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ
الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». ولقد سمح الرب لكذبة الشيطان الرهيبة أن
تُفضَح. وترك إبليس لكي يُسلَب أيوب من كل
ماله، ونتيجة لذلك تكشَّف كذبه. فبدلاً من
أن يلعن أيوب الرب، خرَّ على الأرض، وسجد، وقال: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ
أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ،
فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا» (أي1: 8-21).
ع6-8: «وَأَمَّا
التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ. لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ،
وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ،
فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا».
ولذلك فإن الحق، واختبارات
شعب الله، تُبرهن ليس فقط أن التقوى ربح، بل متى رافقتهل القناعة التي تثق في
الله، تُصبح مكسبًا عظيمًا. فمن الواضح
أننا لم ندخل العالم بشيء، ومهما امتلكنا منه ونحن نعبره، فمن المؤكد أننا لا نقدر
أن نخرج منه بشيء، فإذا كان قوتٌ وكسوةٌ – وهذا ما يستطيع أن يمتلكه العبد –
فلنكتف بهما.
(يتبع)