الجليل
«أَرْضُ زَبُولُونَ،
وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ»
(مت4: 15)
الجليل منطقة كبيرة في
شمال كنعان، تحدّها من الشمال فينيقية، ومن الغرب السهل الساحلي للبحر الكبير
(المتوسط)، ومن الجنوب سهل يزرعيل ومنه تبدأ منطقة السامرة. ويحدّ الجليل من الشرق الشقّ السوري الأفريقي
من بحيرة الحولة الى بحيرة طبريا.
الجليل كلمة عبرية تعني
حلقة أو دائرة، وكان يشمل قديمًا نصيب بني زبولون ونفتالي وأشير، وقد كانت فيه
قادش احدى مدن الملجأ الستة، التي كان يهرب اليها كل ضارب نفسٍ سهوًا (يش20: 7).
بعد
امتلاك الشعب القديم للأرض، استمر كثير من الكنعانيين بالإقامة في الجليل (قض1:
30-33).
في عهد الملك سليمان، أعطى
عشرين مدينة من أرض الجليل لحيرام ملك صور، ولم تعجبه
فأسماها حيرام أرض كابول، أي جافة أو بور (1مل9: 11). واستمر اختلاط الشعوب واللغات حتى ابتدأت
المنطقة تدعى جليل الامم (إش9: 1). زاد
على ذلك السبي الاشوري، إذ سبى الملك تغلث فلاسر سكان الجليل في القرن الثامن ق.
م. وأسكن مكانهم شعوبًا وثنية (2مل15:
29). زاد على ذلك الطرق التجارية التي
اخترقت الجليل مثل ”طريق البحر“، مما أدخل اليه الكثير من الأمم فصار لقب ”جليل
الأمم“ معروفًا منذ ذلك الحين.
في
العهد الروماني المبكّر كان طابع الجليل يهوديًا وكان
جزءًا من مملكة هيرودس الكبير. والذي حكَمهُ من عام 37- 4 ق. م. وبعد موت هيرودس، قسّم الرومان الأرض الى ثلاثة
أقسام: الجليل، السامرة واليهودية، وصار هيرودس أنتيباس رئيس الربع على الجليل
وبيرية، وقد عاصر في مُلكِه الرب يسوع في حداثته وشبابه. بعد نفي أنتيباس، بقي
الجليل تحت سيادة أغريباس الأول حتى موته سنة 44 م. ثم سنة 61 م. أعطاه الرومان لابنه أغريباس الثاني فحكمه نحو ثلاثين سنة.
في
القرن الميلادي الأول، ذَكر المؤرّخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس أنّه كان في الجليل
204 مدينة وقرية كان منها كورزين، بيت صيدا، نايين، قانا وكانت أكبر مدنه تسيبوري.
علا
قرن الجليل أثر خراب الهيكل سنة 70 ميلادية، فقصده كثير من اليهود تاركين منطقة
اليهودية، وصار المركز الرئيسي في حياتهم الدينية والقومية. تنقّل أيضًا مجمع السنهدريم بين مدن الجليل من بيت شعاريم الى تْسيبوري ومنها الى طبرية.
في تلك الفترة ذُكر تقسيم الجليل الى قسمين، الجليل الأعلى والجليل الأسفل، وذلك لتباين ارتفاع
الجبال بينهما. عُرف الجليل بخصوبة أراضيه
وكثرة منتوجاته الزراعية، وكذلك المواشي والسمك. كان الجليل الأسفل بالأخص
منطقة خصبة جدًا، وكثيرة السكان، حتى قيل في كتاب التلمود: ”من
يرغب بالحكمة ليسكن الجنوب (يهوذا)، ومن يرغب بالغنى ليسكن الشمال (الجليل)“.
الغريب أن سكان اليهودية كانوا
يحتقرون الجليل، رغم انهم كانوا يأكلون من خيراته فمرّة قالوا: «إِنَّهُ لَمْ
يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ» (يو7: 52)، رغم علمهم بخطأ المقولة.
في
الواقع، كان في الجليل خليط من الأجناس ممّا أدّى الى لهجة خاصة في كلامهم، فكان
أهل منطقة اليهودية يميّزون ذلك كما قيل مرة لبطرس: «إِنَّ لُغَتَكَ
تُظْهِرُكَ!» (مت26: 73).
كان كل تلاميذ المسيح
تقريبًا جليليين وقد دعي الرب يَسُوع ”الْجَلِيلِيِّ“، ففيه
نشأ وترعرع وخَدم (مت26: 69).
كان تعبير ”جَليِلي“، يحمل
في طيّاته إشارة للضعف والحقارة، وكأنّ ذلك الشخص لا يرقى الى الأوصاف أو المستوى
المطلوب، لكن ألا يكفي أيّ مؤمن يشعر أنه غير مُقدَّر، انه من أتباع ”يَسُوع
الْجَلِيلِيِّ“، الحجر الذي احتقره
البناؤون، الذي صار رأس الزاوية، مجدًا لاسمه (أع4: 11).