«وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِعَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ الْمُسْتَوْلِي
عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ: ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي، فَأَسْتَحْلِفَكَ
بِالرَّبِّ إِلَهِ السَّمَاءِ وَإِلَهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً
لِابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ،
بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لِابْنِي
إِسْحَاقَ» (تك24: 2-4)
لا يُمكننا الجزم تمامًا
بشخصية هذا العبد، وإن كان الأرجح أنه هو نفسه أليعازر الدمشقي المُشار إليه قبلاً
في تكوين 15. لكن أيا كانت شخصية ذلك
العبد فإنه يتميز كثيرًا في صفاته الأدبية، إذ استفاد من عشرته مع أبي المؤمنين
إبراهيم، بخلاف «لُوطٌ السَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ» (تك13: 5). فإبراهيم بشخصيته القوية أثر
تأثيرًا مباركًا على كل بيته، بما فيهم «عَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ الْمُسْتَوْلِي
عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ» (تك24: 2).
ولنا أيضًا مثالاً
حلوًا في قائد المئة كرنيليوس التقي، والعسكري التقي الذي كان يُلازمه (أع10:
7). ترى ما هو التأثير الذي لنا على الناس
المُحيطين بنا؟
لقد كان العبد نموذجًا
رائعًا للرسول الأمين الذي يؤدي المهمة المُكلَّف بها بكل أمانة. إنه قدوة يُحتذى بها في هذا الأمر. يقول الحكيم: «اَلرَّسُولُ الشِّرِّيرُ يَقَعُ
فِي الشَّرِّ، وَالسَّفِيرُ الأَمِينُ شِفَاءٌ» (أم13: 17). وأيضًا «كَبَرْدِ الثَّلْجِ فِي يَوْمِ
الْحَصَادِ،
الرَّسُولُ الأَمِينُ لِمُرْسِلِيهِ، لأَنَّهُ يَرُدُّ (يُنعش) نَفْسَ سَادَتِهِ»
(أم25: 13).
لقد سبق هذا العبد
الزمن ونفذ مُسبقًا ما أوحى به الله بعد ذلك للرسول بولس «أَيُّهَا الْعَبِيدُ،
أَطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ، لاَ بِخِدْمَةِ
الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ بِبَسَاطَةِ الْقَلْبِ، خَائِفِينَ
الرَّبَّ. وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ،
فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ، عَالِمِينَ
أَنَّكُمْ مِنَ الرَّبِّ سَتَأْخُذُونَ جَزَاءَ الْمِيرَاثِ، لأَنَّكُمْ
تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ» (كو3: 22-24).
ويضيف الرسول بولس في رسالته إلى تيموثاوس قائلاً: «وَالَّذِينَ لَهُمْ
سَادَةٌ مُؤْمِنُونَ، لاَ يَسْتَهِينُوا بِهِمْ لأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ، بَلْ
لِيَخْدِمُوهُمْ أَكْثَرَ، لأَنَّ الَّذِينَ يَتَشَارَكُونَ فِي الْفَائِدَةِ،
هُمْ مُؤْمِنُونَ وَمَحْبُوبُونَ. عَلِّمْ
وَعِظْ بِهذَا» (1تي6: 2). وهو ما عمله
بالفعل ذلك العبد.
ومن أكثر الأمور
الملفتة للنظر في قصة هذا العبد بساطته النادرة عندما كلفه مولاه بالمأمورية. إذ في اتكال على الله بدأ بالصلاة «تَوَكَّلْ
عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ
يُقَوِّمُ سُبُلَكَ» (أم3: 5، 6).
وما أبسط كلمات صلاته
ومضمونها! وما أعمقها في نفس الوقت! «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهَ سَيِّدِي
إِبْرَاهِيمَ، يَسِّرْ لِي الْيَوْمَ وَاصْنَعْ لُطْفًا إِلَى سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ. هَا أَنَا وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ،
وَبَنَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَارِجَاتٌ لِيَسْتَقِينَ مَاءً. فَلْيَكُنْ أَنَّ الْفَتَاةَ الَّتِي أَقُولُ
لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: اشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي
جِمَالَكَ أَيْضًا، هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ. وَبِهَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَنَعْتَ لُطْفًا
إِلَى سَيِّدِي» (تك24: 12-14). كلمات
بسيطة صادرة من قلب بسيط، لا غرض أمامه سوى فهم مشيئة الله.
هذه البساطة نفتقر
إليها في زمن كثرة الإثم؛ أي فعل الإرادة الذاتية (مت24: 12). «الرَّبُّ حَنَّانٌ ... الرَّبُّ حَافِظُ
الْبُسَطَاءِ» (مز116: 5، 6). لقد امتدح
ربنا لا العين الفاحصة أو الثاقبة، ولا العين البعيدة النظر، بل العين البسيطة أي
التي لا ترى سوى أمرًا واحدًا «سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ
عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا» (مت6: 22).
لقد كانت مأمورية هذا
العبد هي اختيار زوجة لابن سيده. واختيار
الزوجة للشاب المؤمن هو من أكثر المواضيع أهمية.
قال رجل الله المعروف ”جورج مولر“ إن أعظم عطايا الله له بعد عطية الخلاص
مباشرة، كانت هي توفيق الرب له بزوجة فاضلة أعانته كثيرًا في طريق خدمة الرب. وعلى العكس من ذلك كم كان سوء اختيار شريك
الحياة مُحطِم لشهادة مؤمنين كثيرين. نود
أن نحذر، وبكل قوانا، كل فتى وفتاة مقبلين على الزواج، من سوء الاختيار لرفيق رحلة
العمر. فعلى رؤوسكم سترجع النتائج: إما
سعادة أسرية في بيت يتمجد فيه الله، ويكون بركة لشعبه، وانطلاقة غير مُعطلة في
طريق خدمة الرب، وإما عكس ذلك تمامًا.
فأيهما تختار لنفسك؟
هنا قد يسأل الشاب كيف
أعرف الزوجة التي ستكون معينة فعلاً؟ لذا
نورد هنا بعض المبادئ الهامة:
أولاً: كان إبراهيم
يستطيع أن يُصاهر أغنى عائلات كنعان. فلقد
كانوا جميعًا يُقدرونه أعظم تقدير. وهو
عرف ذلك بالفعل منهم (تك23: 6)، لكنه رفض أن يأخذ لابنه زوجة من شعب تحت القضاء
واللعنة (تك24: 3؛ 9: 25). ليس لأنه كان
عنده وصية من الله تمنعه من ذلك، كما أعطى الرب بعد ذلك في الناموس (تث7: 1-3)،
لكنه باعتباره نبيًا (مز105: 12–15)، فقد عرف فكر الرب وتصرف بموجبه. أما بالنسبة لنا فنحن نعرف فكر الرب، وعندنا
أيضًا وصية «لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ
أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟
وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ
بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ
مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ
لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟
فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي
سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ
يَكُونُونَ لِي شَعْبًا» (2كو6: 14-16؛ انظر أيضًا 1كو7: 39). كما أنه أمامنا أمثلة مُحزنة كثيرة سواء من
الكتاب المقدس أو في الحياة. نعم لقد شدد
إبراهيم على عبده أن تكون زوجة ابنه من عشيرته، ولم يُعطه أدنى تصريح بأقل تجاوز
في هذا الأمر.
ثانيًا: سار العبد
في نفس طريق سيده، إذ أنه لم يبحث بين عشيرة إبراهيم عن الغنية، إنما بحث عن
«اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟
لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ.
بِهَا يَثِقُ قَلْبُ زَوْجِهَا فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى غَنِيمَةٍ» (أم31:
10، 11). كذلك لم يبحث عن الجميلة
«اَلْحُسْنُ غِشٌّ وَالْجَمَالُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُتَّقِيَةُ
الرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ» (أم31: 30).
ولا زال المال والجمال إلهين - مثل البعل والعشتاروث قديمًا - يجري وراءهما
الشباب. ومكتوب «تَكْثُرُ أَوْجَاعُهُمُ
الَّذِينَ أَسْرَعُوا وَرَاءَ آخَرَ» (مز16: 4).
لقد كانت العلامة التي وضعها العبد تتطلب في الفتاة أن تكون كريمة ونشيطة
وفصيحة ومضحية، وهي ذات الصفات التي ذكرها الحكيم للمرأة الفاضلة في أمثال 31.
ثالثًا: ومع ذلك
يتبقى أهم نقطة؛ فليست كل مؤمنة تجمع كثير من الصفات المباركة هي التي تصلح لأي
شاب مؤمن، بل يلزم معرفة الفتاة التي عيَّنها الله «هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا
لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ» (تك24: 14). ومن
أقدر من الله الذي خلقني ويعرف كل دقائقي أن يختار تلك التي ستشاركني كل حياتي. لا بل أن الله أيضًا قد سبق وعيَّنها لي. والمطلوب هو أن أكتشفها. وهذا ميسور وسهل متى توفرت العين البسيطة.
وهنا يجب أن نذكر شيئًا
جدير بالملاحظة وهو استجابة الله الفورية لصلاة العبد، لأنها كانت صادرة من قلب
بسيط. فأول فتاة تقابل معها، وأول فتاة
سألها، كانت هي المُعيَّنة من الله «فِي كُلِّ مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ
مُرَاقِبَتَانِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ» (أم15: 3)، «أُعَلِّمُكَ
وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا.
أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ»
(مز32: 8).
لكن العبد – وهو الشخص
الواثق في الرب، والسائر وراءه - لم يكن بحاجة لأن يتعجل الأمر، ويتسرع في
الكلام. بل أنه أعطى نفسه فرصة للتريث
لئلا يكون مخدوعًا من قلبه (إر17: 9).
وأخذ «الرَّجُلُ يَتَفَرَّسُ فِيهَا صَامِتًا لِيَعْلَمَ: هَلْ أَنْجَحَ
الرَّبُّ طَرِيقَهُ أَمْ لاَ؟» (تك24: 21).
قال إشعياء النبي: «مَنْ آمَنَ لاَ يَهْرُبُ (لا يستعجل)». وقال أيضًا: «ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ
تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ» (إش28: 16؛ 26: 3).
ولما تحقَّق العبد أنها
هي المُعيَّنة من الله لإسحاق «خَرَّ الرَّجُلُ وَسَجَدَ لِلرَّبِّ وَقَالَ:
مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ الَّذِي لَمْ يَمْنَعْ لُطْفَهُ
وَحَقَّهُ عَنْ سَيِّدِي. إِذْ كُنْتُ
أَنَا فِي الطَّرِيقِ، هَدَانِي الرَّبُّ إِلَى بَيْتِ إِخْوَةِ سَيِّدِي» (تك24:
26، 27). لقد بدأ بالصلاة، والآن جاء دور
الشكر السجود. ومرة أخرى عندما صادق أخو
الفتاة وأبوها على الزواج لأنه من الله «سَجَدَ لِلرَّبِّ إِلَى الأَرْضِ» (تك24:
52).
ما أعظمه من عبد جعل
الرب أمامه في كل حين! لقد كان أمامه وهو
محتاج، وأيضًا بعد أن نال!
(يتبع)